كنت قد نسيت إطفاء الموقد وكنت قد قطعت نصف الطريق بالفعل عندما شعرت بالذعر
كنت قد نسيت إطفاء الموقد وكنت قد قطعت نصف الطريق بالفعل عندما شعرت بالذعر فعدت مسرعة إلى المنزل وعند دخولي الشقة سمعت بالصدفة حماتي وهي تتحدث في الهاتف وعندما أدركت ما كانت تتحدث عنه انتابني رعب شديد
كنت على وشك الخروج من الباب عندما خطرت لي فكرة مرعبة لم أطفئ الموقد.
كانت الحساء على نار هادئة وتلك التفاصيل الصغيرة فجأة بدت وكأنها كارثة.
والأسوأ من ذلك أن الشقة كانت لشقت حماتي.
بعد أن فقد زوجي عمله اضطررنا للانتقال إلى شقتها المكونة من غرفتين.
كنت أعلم أنها لا تحبني لكنني حاولت أن أكون زوجة جيدة وابنة صالحة لها.
عدت مسرعة مسرعة أكثر مع كل دقيقة تمر.
تخيلت أمامي مشاهد رائحة شيء يحترق دخان حريق وجه حماتي الغاضب.
كان قلبي ينبض بسرعة كبيرة جدا.
استقبلتني الشقة بصمت.
دخلت بحذر محاولة ألا أصدر أي صوت وكنت على وشك التوجه إلى المطبخ عندما سمعت فجأة صوت حماتي.
كانت تتحدث في الهاتف بصوت عال وواثق كعادتها عندما تكون متأكدة أن أحدا لا يسمعها.
توقفت في الممر.
ليس عن قصد كأن قدماي رفضتا الحركة ببساطة.
ضحكت ثم خفضت صوتها وبدأت تقول أشياء جعلتني متجمدة في مكاني
كانت تتحدث عني
قالت إنني زوجة سيئة. إنني لست مناسبة لابنها. وأنها تقول له كل يوم الشيء نفسه معي إنه يضيع وقته.
وقالت إن امرأة عادية كانت سترزق بطفل منذ وقت طويل وأنني لا شيء.
وقفت هناك ويدي على فمي خائفة حتى من التنفس.
أخبرتها حماتي أنها كانت تحاول منذ وقت طويل إقناع زوجي بترك لي.
في البداية كان يقاوم ويدافع عني لكن الآن أصبح
بدأ يوافق على كلامها تدريجيا.
وبدلا مني حسب قولها هناك خيار أكثر استحقاقا ابنة صديقتها.
ذكية مطيعة من عائلة جيدة.
هي التي ستضمن لها أحفادها بالتأكيد.
شعرت بأن كل شيء بداخلي قد برد لكن بعد ذلك حدث ما جعل رؤيتي تغيم بالكامل
لكنها قالت بصوت هادئ في الهاتف وأنت تعلمين سبب عدم قدرتهم على الإنجاب أعطيها تلك الحبوب التي أعطيتني إياها في ذلك الوقت كل يوم. بالمناسبة أوشكت على النفاد. سنحتاج المزيد.
قالت ذلك بهدوء. بشكل عادي. كما لو كانت تتحدث عن قائمة مشتريات.
في تلك اللحظة أدركت أن كل ما حدث لي خلال تلك الأشهر التعب الضعف التشخيصات عبارة إنه مجرد توتر المتكررة لم يكن صدفة.
تراجعت ببطء محاولة ألا أصدر أي صوت
وقفت في الممر يدي ترتجف وقلبي يدق كطبول الحرب. كل جزء مني كان يغلي من الغضب والخيانة لكنني كنت أعرف أن الصراخ أو المواجهة المباشرة لن يجدي كانت العقلانية والذكاء سلاح الانتقام
تراجعت ببطء إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفي بصمت.
جلست على حافة السرير وانهرت.
ليس بالبكاء العالي بل بذلك الانهيار الصامت الذي يوجع أكثر.
يدي كانتا ترتجفان ونفسي متقطع وكأن جسدي أخيرا فهم أنه كان يتعرض للتسميم حرفيا.
لم أنتبه لدخول زوجي إلا عندما جلس أمامي على ركبتيه.
كان قد عاد مبكرا.
نظر إلى وجهي إلى لوني الشاحب إلى عيني الزائغتين وفهم أن هناك شيئا مكسورا هذه المرة بلا رجعة.
قال بهدوء لم أسمعه منه من قبل
إيه اللي حصل
لم أستطع الكلام.
مددت يدي فقط ووضعت الهاتف أمامه وشغلت التسجيل.
استمع.
ثانية دقيقتان
كنت أرى وجهه يتغير مع كل كلمة.
الفك المشدود.
القبضة التي انغلقت.
العينان اللتان امتلأتا بصدمة لم يستطع إخفاءها.
عندما انتهى التسجيل لم يتكلم فورا.
وقف.
دار في الغرفة مرة واحدة.
ثم عاد وجلس أمامي ووضع يديه على وجهي بلطف شديد كأنه يخاف أن أنكسر أكثر.
قال بصوت مبحوح
سامحيني سامحيني إني سكت. سامحيني إني صدقت إنها بس بتبالغ.
ثم ولأول مرة منذ
شهور شدني إلى صدره بقوة.
لم يقل اهدي.
لم يقل عديها.
قال جملة واحدة فقط لكنها كانت كل شيء
إنت مش لوحدك. ومن اللحظة دي أنا في صفك ضد أي حد.
رفعت رأسي وقلت بصوت مرتعش
أمك كانت بتسممني كانت بتمنعني أخلف عشان تخليني ولا حاجة في عينيك.
رأيت الدموع في عينيه.
لكنها لم تكن دموع ضعف كانت دموع رجل أدرك أنه خان من يحب بالصمت.
قال ببطء وكأنه يوقع حكما
إحنا مش هنواجهها بعصبية
إحنا هنواجهها بالحقيقة وباللي يوجع فعلا.
في اليوم التالي هو من حجز لي عند طبيب مستقل.
هو من أخذ عينات الأدوية
عدى أسبوع.
ولا كأن حاجة حصلت.
حماتي كانت ماشية في البيت بنفس الثقة بنفس النظرات بنفس الدور المعتاد
الست الطيبة الأم المضحية عمود العيلة.
وأنا
كنت هادئة زيادة عن اللزوم.
وده أكتر شيء كان مقلق.
جاء يوم عيد ميلادها.
العيلة كلها اتجمعت.
ضحك هدايا كعكة كبيرة وصوتها العالي وهي بتحكي قصص عن قد إيه تعبت في تربية أولادها.
كانت قاعدة في الصدارة ملكة المشهد.
زوجي كان واقف جنبي.
إيده في إيدي.
وده لوحده كان كفاية يخليها متوترة شوية.
وقبل ما تقطع التورتة
قال زوجي بصوت عالي وواضح
قبل
سكتت القاعة.
كل العيون اتجهت له.
حماتي ابتسامتها اتجمدت.
قال بهدوء قاتل
أمي دايما بتحب تتكلم عن العيلة وعن القيم وعن الخير
فقلت أشارككم حاجة حصلت قريب.
طلع موبايله.
شغل التسجيل.
صوتها طلع واضح
بارد عادي
وهي بتقول
أنا بديها الحبوب كل يوم ولسه شغالة بس قربت تخلص.
الصوت لف في المكان زي صفعة.
واحده من قرايبها شهقت.
حد تاني قال إيه ده!
وشوفت وشها
الدم انسحب منه في ثانية.
قامت تصرخ
اقفل ده! ده كذب! دي مفترية!
بس زوجي ما سكتش.
قال
دي مش إشاعة.
دي أمي وهي بتعترف إنها كانت بتسمم مراتي عشان تمنعها تخلف
وعشان تكسرها قدامي.
اتلفت ناحية العيلة وقال
الست اللي قدامكم دي حاولت تدمر جوازنا من ورا ضهرنا
وده سبب إننا من النهارده
مش هنكون جزء من حياتها.
السكوت كان تقيل.
تقيل لدرجة إنك تسمعي دقات القلب.
واحدة من قرايبها قالت بصوت مكسور
إزاي تعملي كده!
وأخو زوجي
بص لها وقال
يعني كل مرة كنت تقولي إنها ضعيفة ومريضة
أنت اللي كنت السبب
انهارت.
مش انهيار تمثيل.
انهيار حقيقي.
صرخت عيطت اتهمتني قالت إنني خدت ابنها منها.
بس محدش كان سامع.
الصورة اتحطمت.
القناع وقع.
والعيد ميلاد اللي كانت فاكرته تتويج
بقى يوم سقوط.
وأنا
قربت منها وقلت بهدوء يسمعه الكل
أنا ما انتقمتش
أنا بس خليتك تباني على حقيقتك.
مسكت إيد جوزي ومشينا.
ورا ضهرنا عيلة كاملة بتعيد حساباتها
وقدامنا حياة جديدة
من غير سم
ولا خوف
ولا صمت
وفي أحد الصباحات المشرقة بعد فحص روتيني اكتشفوا خبرا سيغير حياتهم بالكامل
فرحة لا توصف غمرت قلبها وابتسامة لا تفارق وجه زوجها.
وقف بجانبها ممسك يدها وقال بابتسامة
أخيرا بعد كل شيء حياتنا هتبدأ من جديد.