أمام منزلي أمسكت بي فجأة امرأةٌ عجوز لا أعرفها من معصمي
أمام منزلي، أمسكت بي فجأة امرأةٌ عجوز لا أعرفها من معصمي وهمست برفق:
«لا تدخلي إلى الداخل، اتصلي بوالدكِ.»
لكن كيف يمكنني الاتصال به، وقد مات والدي منذ ما يقارب ثماني سنوات؟
ومع ذلك، أخبرني قلبي أن أطلب رقمه القديم. وعندما ردّ عليّ وأخبرني بالحقيقة، امتلأتُ رعبًا خالصًا.
كنت عائدة إلى المنزل أحمل طفلي بين ذراعيّ. كان الجو باردًا رماديًا، مساءً عاديًا أمام بنايتنا السكنية. كنت على وشك الدخول عندما شعرت فجأةً بيدٍ تمسك معصمي بقوة.
كانت هناك امرأة عجوز تقف بجانبي. لم أسمعها تقترب — وكأنها ظهرت من العدم. كانت أصابعها باردة كالثلج، ونظرتها حادة على نحوٍ مخيف.
همست:
«لا تدخلي إلى المبنى. اتصلي بوالدكِ أولًا.»
ارتجفت.
قلت بهدوء وأنا أضم الطفل أكثر إلى صدري:
«أرجوكِ اتركيني. والدي متوفى منذ ما يقارب ثماني سنوات.»
لكنها شدّت قبضتها أكثر.
قالت بحزم:
«إنه حيّ. اتصلي به. بالرقم القديم. أنتِ لم تحذفيه أبدًا.»
سرت قشعريرة باردة في جسدي. بالفعل، لم أحذف ذلك الرقم قط. أحيانًا، في أقسى الليالي، كنت أطلبه فقط لأسمع رنين الهاتف.
رفعت العجوز نظرها إلى نوافذ شقتنا.
قالت:
«الأمر خطير
لا أعرف لماذا استمعت إليها. كل ما بداخلي كان يصرخ أن هذا هراء، أنه مستحيل. لكن يديّ أخرجتا الهاتف من تلقاء نفسيهما. فتحت جهات الاتصال. الرقم القديم. الصورة القديمة.
ضغطت «اتصال».
رنّة واحدة. اثنتان. ثلاث. كنت على وشك إنهاء المكالمة عندما فجأة…
«ألو؟»
تجمّدت في مكاني.
كان الصوت مبحوحًا، لكنه مألوف على نحوٍ موجع.
«أهذه أنتِ؟» سأل.
انحبس نفسي.
همست: «أبي؟.. هل هذا أنت حقًا؟»
أجاب: «نعم. استمعي إليّ جيدًا. هل أنتِ في الخارج الآن؟»
قلت: «نعم… أنا أمام المنزل. مع الطفل. لكن كيف هذا ممكن؟ لقد رأيتك في النعش…»
قال بحدّة: «لاحقًا. لا وقت الآن. لا تدخلي إلى الشقة تحت أي ظرف. ابتعدي عن المبنى. أنا في طريقي إليكِ. سأصل خلال عشرين دقيقة.»
سألته وأنا أشعر بالذعر يتصاعد: «لماذا؟ ماذا يحدث؟»
صمت لحظة، ثم قال بهدوء شديد ووضوح:
«لأن في الداخل…»
لأن هناك عبوة ناسفة مخبأة في مبنانا. وإذا دخلتِ، ستموتين أنتِ والطفل.»
خذلتني ساقاي.
«ماذا؟.. لماذا؟»
قال: «منذ ما يقارب ثماني سنوات وأنا أختبئ. من أشخاص خطرين جدًا.
حدّقت في المدخل، في الباب المألوف الذي تقبع خلفه شقتي، وأدركت أن خطوةً واحدة أخرى كانت كفيلة بإنهاء كل شيء.
أضاف: «افعلي تمامًا كما قلت لكِ. ابتعدي. وأبقي الهاتف مفتوحًا. ولا تثقي بأحدٍ سواي.»
طفلي بقوة وسرت ببطء بعيدًا عن المنزل، وقلبي يخفق في حلقي.
وعندما نظرت حولي… كانت العجوز قد اختفت
لم تمضِ عشرون دقيقة حتى ظهرت سيارة سوداء عند نهاية الشارع. توقفت بعيدًا عن المبنى، ونزل منها رجل أنهكه الزمن، لكن ملامحه… كانت هي نفسها.
تجمدت في مكاني.
تقدّم نحوي بخطوات مترددة، كأنه يخشى أن أختفي إن اقترب كثيرًا. وعندما صار على بُعد خطوة، همس بصوت مبحوح:
“سامحيني…”
لم أتمالك نفسي. كانت آلاف الأسئلة تعصف بداخلي، لكن سؤالًا واحدًا خرج أولًا:
“من… من كانت تلك المرأة؟ كيف عرفت؟”
تنهد طويلًا، ونظر نحو المبنى نظرة حذرة، ثم قال:
“كانت صديقة قديمة… أوفى إنسانة عرفتها في حياتي.”
سكت لحظة، ثم أكمل:
“. كانت أقرب صديقة لي منذ سنوات طويلة، قبل أن تولدي حتى. يوم بدأت أُلاحَق، كنت أعرف
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
“تراقبني؟ طوال هذه السنوات؟”
أومأ برأسه.
“كانت تراكِ تدخلين وتخرجين، تطمئن أنكِ بخير. لم تقترب منكِ أبدًا حتى لا تثير الشبهات. كانت عينيّ التي تركتها خلفي.”
صمت لحظة، ثم قال بصوت أكثر جدية:
“اليوم… رأتهم.”
تسارعت أنفاسي.
“من؟”
“الرجلين اللذين دخلا المبنى قبلكِ بدقائق. تعرف وجوههم. تعرف أنهم من أولئك الذين كنت أهرب منهم. وحين رأتهم يدخلون ويحمل أحدهم حقيبة معدنية… فهمت كل شيء.”
وضعت يدي على فمي، وأنا أتخيل المشهد.
“فجرت شجاعتها في اللحظة المناسبة. اقتربت منكِ وحذّرتكِ. لم يكن لديها وقت لتشرح. كانت تعلم أن مجرد وجودها قربك قد يعرّضها للخطر.”
“وأين هي الآن؟” سألت بصوت مرتجف.
ابتسم ابتسامة حزينة.
“اختفت كما اعتادت دائمًا… تعمل في الظل. بعد أن ابتعدتِ عن المبنى، رأتهم يخرجان مسرعين. يبدو أنهم اكتشفوا أن خطتهم انكشفت.”
ثم نظر إليّ نظرة عميقة مليئة بالندم والحب.
“لو لم تكن هناك…”
لم يكمل الجملة.
طفلي أكثر إلى صدري،
ثماني سنوات وهو حي…
وثماني سنوات كانت هناك امرأة تراقبني بصمت، تحفظ حياتي دون أن أعرف اسمها حتى