حماتي كانت بتفتش في درجي
وسمع أمه وهي بتعترف إنها كانت بتفتح الدرج عشان ترتب.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
السؤال اللي خلّى حماتي تسكت لأول مرة!
أحمد قرب من أمه، وقال بنبرة جادة
يا ماما، أنا محتاج أفهم حاجة. إنتِ ليه مصممة تدخلي أوضة نومنا وتفتحي أدراج منار؟
سعاد رفعت صوتها
أنا أمك! ومن حقي أخش أوضة ابني!
رد أحمد
تدخلي تزورينا، وتقعدي معانا، وتساعدينا لو طلبنا منك. لكن مش من حقك تفتشي في حاجات منار الشخصية.
وشها احمر من الڠضب.
قالت
يعني مراتك خلتك تقف ضدي؟! عشان ضفدع تافه، بقيت تحاسبني على كل حاجة؟!
أحمد هز راسه وقال
الموضوع مش ضفدع يا ماما. الموضوع إن منار قالتلك قبل كده إنها مش مرتاحة، وإنتِ ما احترمتيش كلامها. وأنا غلطت لما ما سمعتلهاش من الأول.
الكلام ده كان آخر حاجة توقعت أسمعها منه.
بصيت لأحمد، ومشاعري كانت متلخبطة.
كنت فرحانة إنه أخيرًا فهمني، لكن في نفس الوقت كنت زعلانة إننا وصلنا للمرحلة دي عشان يصدقني.
سعاد حاولت تخرج من الموقف بأي طريقة.
قالت
أنا والله ما كنت أقصد أضايقك يا منار. أنا بس بحب النظام، وعايزة أشوف ابني مرتاح.
قلت لها بهدوء
وأنا مقدرة إنك بتحبي ابنك يا طنط، ومش عايزة أمنعك من زيارته أبدًا. لكن فيه فرق بين إنك تساعدينا، وبين إنك تفتحي حاجات شخصية من غير إذن.
سكتت لحظات.
وبعدين قالت
طيب، خلاص. مش هفتح الدرج تاني. بس شيلوا الضفدع ده من هنا!
ما قدرتش أمنع نفسي من الابتسام.
قلت لها
حاضر يا طنط، هنرجعه لمكانه المناسب.
وبالفعل، اهتممنا بنقل الضفدع الصغير إلى المكان المناسب لرعايته، من غير ما نؤذيه.
أما سعاد، فكانت لسه متضايقة، لكنها ما لقتش حاجة تقدر ترد بيها.
قفلت الدرج، ولمّت حاجتها، وخرجت من الأوضة.
وبعدها بدقايق، استأذنت ومشيت.
لكن قبل ما تنزل، بصتلي نظرة طويلة وقالت
إنتِ طلعتِ مش سهلة يا منار!
ابتسمت وقلت
أنا مش صعبة يا طنط، أنا بس بحب خصوصيتي.
نزلت سعاد، وقفلت الباب وراها.
وأول ما بقينا لوحدنا، أحمد بصلي وقال
أنا آسف يا منار.
اعتذار أحمد والكلام اللي كنت مستنياه من زمان!
قعدنا في الصالة، وأحمد كان واضح عليه إنه بيفكر في كل اللي حصل.
بعد شوية، قال
أنا عارف إني ظلمتك لما ما صدقتكيش من الأول.
بصيتله وقلت
أنا ما كنتش مستنية منك تتخانق مع أمك، ولا تمنعها من زيارتنا. كل اللي كنت محتاجاه إنك تسمعني وتحترم إحساسي.
هز راسه وقال
عندك حق. أنا كنت فاكر إن الموضوع بسيط، وإنك بتضايقي من غير سبب. لكن النهارده شفت بنفسي إنك كنتِ بتتكلمي بجد.
قلت له
المشكلة مش في درج هدوم يا أحمد. المشكلة إني لما قلتلك إني مش مرتاحة، بدل ما تحاول تفهمني، حسستني إني أنا الغلطانة.
سكت شوية، وبعدها مسك إيدي وقال
أنا آسف. مش هسمح إن الموضوع يتكرر بالطريقة دي.
لأول مرة من شهور، حسيت إن أحمد فهم المشكلة الحقيقية.
ما كانش المطلوب مني إني أكره أمه، ولا أحرمه من زيارتها، ولا أعمل حرب بينه وبينها.
كل اللي كنت عايزاه إن بيتي يفضل مكان آمن ومريح ليا، وإن خصوصيتي تكون محترمة.
واتفقنا إننا نتكلم مع سعاد بهدوء، ونوضح لها إن زيارتها مرحب بيها، لكن دخول أوضة النوم أو فتح الأدراج لازم يكون بإذننا.
وأحمد قرر إنه هو اللي يتكلم معاها، عشان ما تحسش إني بحاول أبعده عنها.
وبالفعل، تاني يوم اتصل بيها، وقال لها بوضوح
يا ماما، إحنا بنحبك وعايزينك تيجي في أي وقت نتفق عليه، لكن من فضلك ما تدخليش أوضة النوم من غير ما تستأذني، وما تفتحيش أدراج منار الشخصية. دي خصوصيتها، ولازم نحترمها.
سعاد ما كانتش مبسوطة بالكلام، لكنها وافقت في النهاية.
ومن يومها، بدأت الزيارات تتغير.
لسه كانت بتحب تعلق على ترتيب المطبخ، ولسه كانت بتقول إن الستائر محتاجة تتغير، ولسه كانت أحيانًا تقترح عليّا أطبخ أكلات معينة لأحمد.
لكنها ما عادتش تدخل أوضة النوم من نفسها.
ولو احتاجت حاجة، كانت بتسأل الأول.
والأهم من ده كله، إنها ما فتحتش درج ملابسي الداخلية مرة تانية!
بعد مرور شهور الدرس اللي ما نسيتهوش حماتي!
بعد الموقف ده، علاقتي بسعاد ما اتحولتش فجأة لعلاقة مثالية.
هي فضلت شخصيتها قوية، وأنا فضلت عندي طريقتي الخاصة في إدارة بيتي.
لكن على الأقل، بقى فيه حدود واضحة.
بقت تيجي تزورنا، ونقعد نتكلم ونضحك، وأوقات كنا بنطبخ سوا، وكل واحدة فينا بقت تعرف المساحة اللي تقدر تتحرك فيها من غير ما تتدخل في حياة التانية.
أما أحمد، فبدأ يفهم إن الوقوف في صف زوجته وقت ما تكون بتطلب احترام خصوصيتها، مش معناه إنه بيقف ضد أمه.
بالعكس، ده معناه إنه بيحافظ على بيته وعلاقته بمراته، وفي نفس الوقت يقدر يحافظ على علاقته بأمه.
وفي يوم، بعد مرور حوالي شهرين على حكاية الضفدع، كنا قاعدين كلنا في الصالة، وسعاد كانت بتحكي موقف مضحك حصل مع واحدة من قرايبنا.
فجأة، بصتلي وقالت وهي بتضحك
على فكرة يا منار، أنا لحد النهارده مش عارفة إزاي جالك قلب تحطي ضفدع في درج هدومك!
ضحكت وقلت لها
والله يا طنط، أنا ما كنتش عايزة أعمل مشكلة. كنت بس عايزاكي تعرفي إن فيه حاجات مينفعش حد يفتحها من غير إذن.
هزت راسها وقالت
خلاص يا ستي، فهمت الدرس! هو أنا هفضل طول عمري أسمع سيرة الضفدع ده؟!
ضحكنا كلنا، حتى أحمد.
لكن وسط الضحك، كنت عارفة إن الموقف ده غيّر حاجة مهمة في حياتنا.
مش لأن الضفدع كان حلًا سحريًا لكل المشاكل، ولا لأن كل خلاف لازم ينتهي بمقلب.
لكن لأنه خلّى أحمد يشوف الموقف بعينه، وخلّى سعاد تواجه نتيجة تصرف كانت بتعتبره عاديًا.
وأنا كمان اتعلمت درسًا مهمًا.
إن السكوت عن التصرفات اللي بتضايقنا، لمجرد إننا عايزين نحافظ على الهدوء، مش دايمًا بيحل المشكلة.
أحيانًا، بيخلي الطرف التاني يفتكر إن من حقه يستمر.
وإن احترام الكبير مش معناه إننا نتنازل عن كرامتنا أو خصوصيتنا.
وإن جوزك مش مطلوب منه يختار بينك وبين أمه، لكن مطلوب منه يفهم إن لكل علاقة حدودها، وإن البيت الزوجي مش مساحة مفتوحة لأي شخص، مهما كان قريبًا.
أما سعاد، فبقيت كل ما تيجي تزورنا وتحتاج تدخل أوضة النوم، تقف عند الباب وتقول
يا منار، ممكن أدخل؟ ولا فيه ضفدع مستخبيلي المرة دي؟!
وساعتها، كنت بضحك وأرد
اتفضلي يا طنط، بس خليكي بعيدة عن الدرج!
والحقيقة إن الضفدع الصغير ما كانش هو بطل الحكاية الحقيقي البطل الحقيقي كان كلمة لأ اللي أخيرًا قدرت أقولها من غير خوف أو إحساس بالذنب.
لأن الخصوصية مش قلة ذوق، واحترام الحدود مش قلة محبة، والبيت اللي بنبنيه مع شريك حياتنا من حقنا نحس فيه بالأمان والراحة.
لكن لحد النهارده، فيه سؤال واحد بيفضل في بالي لو أحمد ما شافش الموقف بعينه، يا ترى كان هيصدقني في يوم من الأيام، ولا كنت هفضل طول عمري بالنسبة له الزوجة اللي بتكبر المواضيع؟