عريسى الطبيب

لمحة نيوز

مع أمي.
وقبل ما يوسف يمشي، قال لي
خلي بالك من نفسك. ولو الدوخة رجعت أو ظهرت أعراض شديدة، متستنيش.
هزيت راسي وقلت
حاضر.
لكنه وقف عند الباب وأضاف
وبالمناسبة، أنا مش هفضل موجود كل مرة عشان أفكرك تاكلي.
ضحكت وقلت
يعني حضرتك ناوي تختفي؟
السؤال خرج مني من غير ما أفكر.
يوسف بص لي لحظة، وبعدها ابتسم ابتسامة خفيفة.
ده يتوقف على إذا كنتِ هتبطلي تعاندي ولا لأ.
ومشي.
فضلت واقفة عند الباب، وقلبي بيدق بسرعة غريبة.
مريم كانت موجودة، وسمعت الحوار كله.
أول ما الباب اتقفل، بصت لي ورفعت حاجبها.
إيه ده يا ست سلمى؟
قلت لها
إيه؟
هو الدكتور ده بيطمن على صحتك، ولا إنتِ اللي بدأتي تستني زياراته؟
صرخت
يا بنتي، اسكتي!
لكنها ضحكت وقالت
أنا صاحبتك من عشر سنين، وعارفاكي. إنتِ أول مرة حد يسألك أكلتي ولا لأ، تردي عليه بابتسامة بدل ما تتخانقي معاه.
رميت عليها المخدة، لكنها فضلت تضحك.
ومن يومها، بدأت علاقتي بيوسف تتغير بالتدريج.
مبقاش مجرد الدكتور اللي اكتشف كذبتي، لكنه بقى شخصًا بسأله عن حاجات كتير، مش بالضرورة طبية.
مرة سألته عن كتاب كان بيتكلم عنه، ومرة بعت له صورة لنبتة صغيرة اشتريتها وسألته إذا كان يعرف اسمها، ومرة اتصلت به أسأله عن طريقة أقدر أنظم بيها يومي من غير ما أنسى وجباتي.
كان بيرد لما يكون متاحًا، ولو مشغول، كان بيقول لي إنه هيرد بعدين.
والغريب إنه عمره ما استغل خوفي أو إحراجي عشان يفرض نفسه عليا.
كان دايمًا واضحًا ومحترمًا، وبيسيب لي مساحة أقرر بنفسي.
وفي يوم، كنت قاعدة معاه في كافيه بعد ما اتفقنا نتكلم بعيدًا عن جو المستشفى والمرض.
كنت لابسة فستان بسيط، وحاطة إيشارب خفيف على رأسي، لأنني لسه مش متعودة على شكلي الجديد.
بص لي يوسف وقال
إنتِ عارفة إنك مش مضطرة تستخبي طول الوقت؟
قلت
أنا مش مستخبية.
ابتسم.
طب ليه كل ما حد يبص لك، تشدي الإيشارب على راسك؟
سكت شوية، وبعدها قلت
لأني مش متعودة على شكلي. ساعات بحس إني فقدت جزءًا من أنوثتي.
يوسف فضل ساكت لحظة، وبعدين قال
أنا مش هقول لك إنك لازم تحبي شكلك من أول يوم، ولا هقول لك إن رأي الناس مش مهم، لأن ده مش حقيقي. لكن شعرك مش هو اللي بيحدد أنوثتك، ولا هو اللي بيحدد قيمتك.
رفعت عيني له.
كمل
إنتِ ممكن تحلقي شعرك، وممكن يطول، وممكن تغيري شكلك ألف مرة. لكن الأهم إنك متخليش خوفك من نظرة الناس يمنعك تعيشي حياتك.
حسيت بغصة في حلقي.
قلت بهدوء
إنت بتتكلم كأنك عارف أنا بفكر في إيه.
رد
لأني شايفك بتحاولي تضحكي كل ما تتكسفي، وبتغيري الموضوع كل ما حد يقرب من حاجة بتوجعك.
لأول مرة، معرفتش أرد عليه.
قعدنا نتكلم وقت طويل، واكتشفت إن يوسف مش الشخص الجاد الصامت اللي كنت متخيلاه.
كان بيحب القراءة، وبيسمع موسيقى هادية وهو بيسوق، وبيكره التأخير، لكنه ساعات بينسى مفاتيحه في البيت.
ولما سألته ليه اختار تخصص الأورام، حكى لي عن تجربة قديمة في حياته، وعن شخص قريب منه مر بمرض صعب، وعن إزاي التجربة دي خلته يفهم إن المريض مش مجرد نتائج تحاليل، لكنه إنسان عنده خوف وأحلام وحياة كاملة.
قال لي
أنا اتعلمت إن أهم حاجة أقدر أقدمها للمريض مش إني أوعده إن كل حاجة هتبقى كويسة، لكن إني أكون صريح معاه، وأساعده يفهم اللي بيحصل، وأفضل جنبه في حدود اللي أقدر عليه.
الجملة دي فضلت في دماغي طول الليل.
لأني اكتشفت إنه فعلًا عمل معايا كده.
رغم كذبتي، ورغم إنه كان ممكن يحرجني قدام أهلي، اختار يواجهني بغلطتي، ويساعدني أفهم حقيقة حالتي الصحية، من غير ما يحول الموقف لفضيحة.
وبعد أيام، لما ظهرت نتيجة المتابعة واتأكد نقص الحديد، بدأت ألتزم بالعلاج اللي حدده الطبيب، وأهتم بأكلي، وأتابع التحسن خطوة بخطوة.
يوسف كان بيسألني من وقت للتاني إذا كنت التزمت بالمواعيد، لكنه مكنش بيتدخل في تفاصيل علاجي بدل الطبيب المسؤول.
كان بيسألني كإنسان مهتم، مش كأنه بيفرض عليا رقابة.
ومع مرور الوقت، بدأت أحس إنني بستنى رسائله.
لو بعت لي الصبح صباح الخير، أخبارك إيه؟، كنت أبتسم من غير ما أحس.
ولو اختفى يوم بسبب الشغل، كنت أفتح الموبايل كل شوية وأقنع نفسي إني مش مستنياه.
لكن الحقيقة كانت واضحة لمريم.
وفي يوم، قالت لي
إنتِ وقعتي.
قلت لها
وقعت في إيه؟
ردت
في الدكتور يوسف يا حبيبتي. ودي أول مرة أشوفك بتتكلمي عن راجل من غير ما تحاولي تلاقي فيه عيب.
حاولت أنكر، لكنني معرفتش.
كنت فعلًا بدأت أحبه.
لكن المشكلة إنني مكنتش عارفة إذا كان هو شايفني بنفس الطريقة، ولا كان مجرد شخص طيب قرر يساعدني بعد الموقف الغريب اللي حصل بيننا.
وفي مساء يوم خميس، كنت راجعة من الشغل، ولقيت رسالة منه
سلمى، لو إنتِ فاضية بكرة، عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كتبت له
موضوع طبي؟
رد بعد ثوانٍ
لأ.
فضلت باصة للشاشة، ومش عارفة أبتسم ولا أقلق.
وبعدين بعت رسالة تانية
المرة دي، مفيش تحاليل ولا مستشفيات ولا كذب. مجرد كلام صريح بيني وبينك.
في اللحظة دي، عرفت إن اليوم اللي كنت بخاف منه من أول مقابلة العريس قرب.
لكن المرة دي، أنا مكنتش عايزة أهرب.
يتبع في الجزء الثالث والأخير...
الجزء الثالث لما حبيت الراجل اللي كنت بحاول أهرب منه
طول الليل، وأنا بفكر في رسالة يوسف.
عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.
أربع كلمات كانوا كفاية يخلوني أقلب في السرير من ناحية للتانية، وأفتح الموبايل كل خمس دقايق، وأراجع المحادثة كأني بدور على دليل يثبت لي هو عايز يقول إيه.
مرة قلت لنفسي إنه هينهي علاقتنا، وإنه شايف إن اللي بيننا بدأ يتجاوز حدود الصداقة.
ومرة قلت يمكن قرر يتقدم لي رسميًا.
وبعدين أرجع أقول لنفسي
يا سلمى، إنتِ بتألفي فيلم كامل من رسالة! نامي أحسن.
لكن النوم مكنش راضي ييجي.
الصبح، مريم اتصلت بيا، وأول ما سمعت صوتي عرفت إني منمتش كويس.
قالت
ها، الدكتور قال لك إيه؟
قلت
لسه. هقابله النهارده.
صرخت بحماس
يا نهار أبيض! طب البسي أحلى حاجة عندك، واعملي شعرك...
سكتت فجأة، وبعدين قالت
آه، معلش، نسيت موضوع الشعر.
انفجرت في الضحك رغم توتري.
قلت
شكرًا يا مريم على دعمك النفسي العظيم.
ردت
أنا معاكي يا حبيبتي، بس عندي طلب واحد.
إيه؟
لو قال لك إنه بيحبك، متقوليلوش إنك محتاجة تفكري أسبوعين عشان تدرسي الحالة.
قفلت معاها وأنا بضحك، لكن قلبي كان لسه بيدق بسرعة.
في المساء، قابلت يوسف في نفس الكافيه اللي قعدنا فيه قبل كده.
كنت لابسة فستان كحلي بسيط، وإيشارب بلون هادي، وحاولت أتصرف بشكل طبيعي.
لكني أول ما شفته، حسيت إن كل الكلام اللي كنت محضراه اختفى.
يوسف قام لما شافني، وسحب لي الكرسي.
قال
إزيك يا سلمى؟
قلت
كويسة.
بص لي بابتسامة خفيفة.
متأكدة؟
أيوه.
عشان إنتِ ماسكة الشنطة كأنك داخلة امتحان شفوي.
بصيت لإيدي، واكتشفت إني فعلًا قابضة على الشنطة بقوة.
ضحكت وسبتها على الكرسي.
قعدنا، وطلبنا مشروباتنا، وبعد شوية يوسف بدأ يتكلم.
قال
أنا فكرت كتير في اللي حصل من أول يوم اتقابلنا فيه.
حسيت إن قلبي وقف لحظة.
كمل
في البداية، كنت متضايق من الكذب. مش عشان إنتِ رفضتيني أو عشان شعرك كان محلوق، لكن لأنك اخترتي تقولي إن عندك مرض خطير، وده موضوع مينفعش نستهين بيه.
نزلت عيني وقلت
أنا عارفة، ومش هبرر اللي عملته. أنا غلطت فعلًا.
هز راسه.
أنا مش جاي أفتح الموضوع عشان ألومك. إنتِ اعتذرتي، واتعلمتي من اللي حصل. لكن بعد كده، بدأت
تم نسخ الرابط