ذئاب بيت الغابة والعجوز
صغار الذئاب.
كام جرو صغير متكورين فوق بعض، أجسامهم هزيلة، بالكاد قادرين يقفوا على رجليهم.
في اللحظة دي…
العجوزة فهمت.
فهمت ليه تسعة ذئاب واقفين قدام بيتها من تلات أيام.
ماكانوش بيحاصروها.
كانوا بيحاصروا الأمل الأخير لأولادهم.
الصيد اختفى.
الجليد غطى الأرض.
البرد قتل كل فرصة للعثور على فريسة.
والقطيع كان على وشك يموت من الجوع.
لكنهم شمّوا رائحة الطعام من بيت العجوزة.
فجاءوا.
ولم يقتحموا بيتها.
ولم يهاجموها.
وقفوا أمام الباب…
ينتظرون.
العجوزة نزلت البندقية ببطء.
بصت لقائد القطيع.
ثم بصت للجِراء.
وبعدها قالت وهي تمسح دمعة نزلت من عينها:
— «يا حرام… إنتوا كنتوا بتطلبوا أكل؟»
دخلت البيت.
وقفت قدام التلاجة.
فتحتها.
وبصت لكل حاجة موجودة.
لحم.
مرق.
قطع شحم.
أكل كانت موفراه لنفسها عشان يعدي بيها الشتاء.
وقفت لحظات.
ثم بدأت تطلع كل اللي عندها.
قطعة ورا قطعة.
لحد ما فضّت تقريبًا كل الأكل الموجود.
حطته في وعاء كبير.
ومشيت ناحية الباب.
الكلبة كانت واقفة بعيد.
والذئاب كلها بتبصلها.
فتحت الباب.
نزلت على السلم.
وحطت الأكل على الثلج.
وبعدين رجعت خطوة لورا.
في البداية…
ولا ذئب اتحرك.
كأنهم مش مصدقين.
قائد القطيع قرب ببطء.
شم الأكل.
وبص للعجوزة.
ثم بدأ ياكل.
بعده قرب ذئب تاني.
وبعدين التالت.
وفي ثواني…
كل القطيع كان بيتحرك ناحية الأكل.
العجوزة وقفت على الشرفة تراقبهم.
والكلبة قعدت جنب رجلها.
لأول مرة من تلات أيام…
ماكانش في خوف.
كان في هدوء.
الذئاب كانت بتاكل بسرعة، لكن من غير أي عدوان.
وبعد ما خلصوا…
حصل شيء أغرب.
قائد القطيع رفع رأسه.
وبص للعجوزة.
فضل يبصلها ثواني طويلة.
هي كمان بصت له.
ولا هي فهمت هو عايز يقول إيه…
ولا هو طبعًا فهم كلمة من كلامها.
لكن في اللحظة دي…
العجوزة حسّت إن النظرة دي فيها حاجة.
يمكن امتنان.
يمكن مجرد نظرة حيوان نجا من الجوع.
لكنها قالت:
— «خلاص… روحوا لأولادكم.»
الذئب استدار.
ومشى ناحية الغابة.
وباقي القطيع مشي وراه.
والصغار اتحركوا وسطهم.
واحد ورا التاني…
لحد ما اختفوا بين الأشجار.
وفي ثواني…
رجع المكان ساكت تاني.
العجوزة فضلت واقفة مكانها.
بصت للثلج.
ماكانش موجود غير آثار تسعة ذئاب…
وآثار صغيرة جدًا لأشبالهم.
دخلت البيت.
قعدت جنب الموقد.
وحطت إيديها على صدرها.
كانت بتفكر في اللي حصل.
تلات أيام وهي فاكرة إن تسعة ذئاب بيحاصروا بيتها.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
كانوا هم اللي محاصرين.
محاصرين بالجوع.
بالبرد.
وبالخوف على صغارهم.
وفي اليوم التالي، خرجت العجوزة للفناء.
ماكانش فيه أي ذئب.
ولا في اليوم اللي بعده.
ولا بعد أسبوع.
اختفوا تمامًا.
لكن كل ما كانت تبص على آثار أقدامهم اللي تركوها على الثلج، كانت تفتكر اللي حصل.
وتفكر في درس عمرها ما كانت تتوقع تتعلمه من تسعة ذئاب.
إن الشكل أحيانًا يخدعنا.
وإن الخوف ممكن يخلينا نشوف التهديد قبل ما نشوف الحاجة.
وإن أقسى المخلوقات شكلًا…
ممكن تكون في أشد لحظاتها احتياجًا للرحمة.
لأن الذئاب ما كانتش عايزة تهاجمها.
كانت أمًا وأبًا وقطيعًا…
يحاولوا ينقذوا صغارهم.
ومن يومها، كل ما كانت تسمع صوتًا في الغابة، ما كانتش تخاف زي الأول.
كانت تفتح الشباك.
تبص ناحية الأشجار.
وتفتكر العيون الصفراء التسعة…
اللي وقفت قدام بابها تلات أيام.
وبعدها رحلت من غير ما تؤذيها.
يمكن لأنهم أخذوا منها الطعام…
لكنهم تركوا لها شيئًا أغلى.
تركوا لها درسًا لن تنساه أبدًا:
الرحمة مش ضعف.
أحيانًا…
الرحمة هي أقوى شيء ممكن تقدمه لكائن لا يستطيع أن يطلب منك النجدة بالكلام.
ولو القصة لمست قلبك، افتكر دايمًا:
مش كل حد واقف على بابك جاي ياخد منك حاجة…
أحيانًا…
بيكون جاي لأنه لم يجد في العالم كله بابًا آخر يطرق عليه.