ولادى المختفيين
المحتويات
واقفة قدام المبنى من عشر دقايق.
سألت
مين فيها؟
قالت
رجل وست.
اقترب نوح مني فجأة.
مسك إيدي.
وقال بصوت مرتجف
الست دي كانت مع ماما.
سألته
مين هي؟
رفع عيني ناحية الباب الزجاجي.
مش عارف اسمها.
ثم أضاف
بس ماما كانت بتخاف منها.
لم أتحرك.
لأن في اللحظة نفسها، المرأة نزلت من العربية.
رفعت وجهها نحو مبنى الشركة.
ونظرت مباشرة إلى كاميرا المراقبة الموجودة فوق الباب.
ثم ابتسمت.
وكأنها كانت تعرف بالضبط إننا نراقبها.
بعدها رفعت هاتفها.
هاتفي رن.
رقم مجهول.
رديت.
جاءني صوت امرأة هادئ
آدم... ما تفتحش الخزنة.
قلت
مين إنتِ؟
سكتت ثانيتين.
ثم قالت
الشخص اللي حاول يحمي هانا.
وقبل ما ألحق أسألها، الخط اتقفل.
بصيت للمفتاح في إيدي.
ثم للولدين.
ولأول مرة فهمت إن اختفاء هانا لم يكن بداية القصة.
كان مجرد بداية السر.
الجزء الثاني الخزنة رقم 17
بعد عشر دقائق، كنت في سيارتي ومعايا لورين والولدين.
ما كنتش عايز أروح للخزنة.
لكن كان فيه شيء واحد أقوى من الخوف
الرغبة في معرفة الحقيقة.
المفتاح كان موجود في جيبي منذ متى؟
مين حطه هناك؟
وليه هانا كانت عارفة إن المفتاح هيوصل لي بعد ست سنين؟
أخذنا طريقًا جانبيًا بعيدًا عن وسط المدينة.
كان مكتب والدي القديم موجودًا داخل مبنى إداري قديم، لم يعد يستخدمه أحد تقريبًا.
لما دخلنا، شعرت وكأني رجعت بالزمن.
رائحة الخشب القديم.
الممرات الهادئة.
الصور المعلقة على الجدران.
كان والدي رجلًا شديد الخصوصية.
لم يكن يحب أن يتحدث عن عمله في البيت.
لكن قبل وفاته بأشهر، قال لي جملة لم أفهمها وقتها
يا آدم، فيه حاجات لو عرفتها متأخر، أحسن من إنك تعرفها بدري.
كنت أعتقد إنه بيتكلم عن العمل.
النهارده فقط فهمت إن كلامه ربما كان عن شيء آخر.
وصلنا إلى غرفة الأرشيف.
وجدت الخزائن القديمة.
الأرقام كانت مكتوبة على الأبواب.
ثم...
أدخلت المفتاح.
دار بسهولة.
فتح الباب.
لكن الخزنة لم تكن تحتوي على أموال.
ولا أوراق عقود.
ولا مجوهرات.
كانت تحتوي على صندوق خشبي صغير.
فتحت الصندوق.
في داخله ملف طبي.
وشهادة ميلاد.
وصورتان.
وضعت أول صورة على الطاولة.
كانت صورة لهانا.
لكنها لم تكن وحدها.
كانت واقفة أمام مستشفى، وحاملة طفلًا رضيعًا.
وعلى ظهر الصورة مكتوب
بعد الولادة بثلاثة أيام.
رفعت الصورة الثانية.
كانت هانا تحمل طفلًا آخر.
والتاريخ كان بعدها بعامين تقريبًا.
شعرت أن الأرض تحركت تحت قدمي.
الولدان أمامي.
طفلان.
وليس طفلًا واحدًا.
وهذا يفسر فرق العمر بينهما.
لكن السؤال الأكبر ظل موجودًا.
مين والد الطفلين؟
قلبت الورقة الطبية.
وكان الاسم موجودًا.
آدم عاشور.
حدقت فيه.
شهادة الميلاد الرسمية كانت تحمل اسمي كوالد.
لكن التاريخ كان قبل اختفاء هانا بسنوات.
لم تكن هناك علاقة سرية.
كل شيء كان موثقًا.
لكنني لم أكن أعرف.
كيف يمكن أن يكون لي طفلان ولم أعرف بوجودهما؟
ثم رأيت ورقة أخرى.
كانت نتيجة فحص وراثي.
والنتيجة تؤكد أنني والد الطفلين.
جلست على الكرسي.
شعرت أن أنفاسي أصبحت أثقل.
نوح اقترب.
إنت زعلان؟
نظرت إليه.
كان طفلًا.
لا ذنب له في أسرار الكبار.
قلت
لا يا نوح.
ثم ابتسمت له رغم ارتباكي.
أنا بس بحاول أفهم حاجات كتير.
قال
ماما قالت إنك هتقول كده.
توقفت.
قالتلك إيه بالضبط؟
قال
قالت إنك مش عارف.
مش عارف إيه؟
قال
إننا ولادك.
لم أعرف ماذا أقول.
كريم، الذي ظل صامتًا طوال الوقت، اقترب مني لأول مرة.
مد يده الصغيرة.
كان يمسك لعبة الثعلب.
ثم قال
ماما قالت إن بابا مش وحش.
انقبض قلبي.
جلست على ركبتي أمامه.
ماما قالتلك كده؟
هز رأسه.
قالت إن بابا ما يعرفش إننا موجودين.
سألته
كانت بتحبني؟
نظر لي قليلًا.
ثم قال
كانت بتبكي لما تشوف صورتك.
لم أتمكن من الرد.
في اللحظة نفسها، سمعت صوتًا من الممر.
خطوات.
لورين رفعت إصبعها أمام فمها.
إشارة للصمت.
أغلقت الصندوق بسرعة.
لكن الباب الخارجي للغرفة انفتح.
دخل رجل في الخمسين تقريبًا.
كان يرتدي معطفًا رماديًا.
نظر إليَّ.
ثم إلى الولدين.
وقال
أنا كنت مستني اليوم ده من زمان.
تقدمت نحوه.
إنت مين؟
قال
اسمي فؤاد.
لورين سألت
إنت اللي وصل الولدين هنا؟
هز رأسه.
لا.
قلت
إذن إنت تعرف هانا؟
قال
أعرفها من قبل ما أنت تعرفها.
شدّيت قبضتي.
اتكلم.
نظر إلى الصندوق.
وقال
هانا لم تهرب منك.
أنا عارف.
لا، أنت لسه ما تعرفش حاجة.
ثم وضع ملفًا آخر على الطاولة.
قال
هانا كانت تعرف إن فيه شخصًا بيحاول يوصل للولدين.
سألته
ليه؟
رد
لأن والدك ترك شيئًا قبل وفاته.
نظرت له.
إيه؟
قال
حسابًا.
فلوس؟
ابتسم ابتسامة قصيرة.
مش فلوس.
ثم فتح الملف.
كانت هناك مستندات تخص شركة والدي.
اكتشفت أن والدي كان قد أنشأ صندوقًا قانونيًا سريًا قبل وفاته، مرتبطًا بأسماء أولاده.
لكن اسمَي نوح وكريم لم يكونا مذكورين كأطفال مجهولين.
كان مكتوبًا
لأحفادي.
تجمدت.
والدي كان يعرف.
قبل وفاته.
كان يعرف بوجود الطفلين.
قلت
ليه ما قالليش؟
فؤاد رد
لأنه مات قبل ما يقدر يقول لك.
وهانا؟
قال
هانا اكتشفت الموضوع بعد وفاته.
وبعدين؟
سكت فؤاد.
ثم قال
اكتشفت إن والدك ما كانش بيحاول يحميك من شخص.
نظر إلى الولدين.
كان بيحاول يحميهم من شخص.
وقبل أن أستوعب كلامه، انطفأت الأنوار.
صرخ كريم.
احتضنته فورًا.
سمعنا صوت ارتطام قوي في الخارج.
ثم صوت باب يُغلق.
لورين أخرجت هاتفها.
قالت
حد دخل المبنى.
تحركت بسرعة نحو الباب.
فؤاد أمسك بذراعي.
ما تخرجش.
قلت
ولادي جوه.
قال
بالضبط. وده اللي عايزينك تعمله.
فجأة، جاء صوت من مكبرات الصوت في الممر.
صوت امرأة.
هادئ.
واضح.
آدم... لو عايز تعرف هانا فين، سيب الملف وخد الولدين وامشِ.
رفعت رأسي.
قلت
إنتِ مين؟
جاء الرد
أنا آخر شخص شاف هانا قبل ما تختفي.
ثم صمت.
بعدها ظهرت رسالة على هاتفي.
صورة.
فتحتها.
كانت صورة حديثة لهانا.
حية.
واقفة في مكان مجهول.
وفي يدها ورقة.
وعلى الورقة كلمة واحدة
لا تثق في فؤاد.
رفعت عيني ببطء.
فؤاد كان واقف أمامي.
وفي اللحظة نفسها، قال
ما تصدقش الصورة.
الجزء الثالث الحقيقة التي أخفتها هانا
لم أكن أعرف أصدق مين.
الرجل الذي أمامي؟
ولا الصورة التي وصلتني؟
ولا هانا نفسها؟
لكن كان فيه شيء واحد أعرفه
أنا لن أسمح لأي شخص أن يستخدم طفلين كوسيلة للضغط عليّ.
أخذت نوح وكريم إلى غرفة داخلية وأغلقت الباب.
قلت لهما
هناخد وقتنا. محدش هيجبركم على أي حاجة.
نوح سألني
هنروح لماما؟
نظرت إليه.
ثم قلت
أيوه.
ولأول مرة منذ ست سنوات، كنت متأكدًا من شيء واحد.
هجيب هانا بنفسي.
فؤاد ظل يكرر أن الصورة مزيفة.
لكنني طلبت منه أن يشرح.
قال
هانا كانت بتحاول تبعد الولدين عن شبكة من الأشخاص اللي كانوا مهتمين بأصول والدك.
قلت
أصول؟
قال
والدك كان يمتلك شركات كثيرة، لكن كان عنده مشروع سري متعلق بمؤسسة خيرية.
لورين قاطعته
إيه علاقة الأطفال؟
قال
المؤسسة كانت تمتلك صندوقًا تعليميًا ضخمًا، والدك كتب فيه إن أي أحفاد له سيكون لهم حق قانوني في جزء منه.
بدأت أفهم.
المشكلة لم تكن في الأطفال أنفسهم.
المشكلة كانت في الأموال والوثائق المرتبطة باسمهم.
قلت
وهانا اكتشفت ده؟
أيوه.
وليه ما قالتليش؟
فؤاد أخذ نفسًا عميقًا.
لأنها اكتشفت إن شخصًا من داخل المؤسسة كان بيزوّر مستندات.
سألت
مين؟
نظر لي.
ثم قال اسمًا لم أتوقعه.
عمك جلال.
تجمدت.
عمي جلال كان أكثر شخص وثقت فيه بعد وفاة والدي.
كان هو الذي تولى إدارة جزء من أعمال العائلة.
كان يأتي إلى منزلي.
كان يجلس معي.
وكان دائمًا يقول لي
أبوك كان يتمنى أشوفك ناجح.
سألت فؤاد
إنت متأكد؟
قال
هانا كانت متأكدة.
أخرج ملفًا.
داخله نسخ من تحويلات مالية.
أسماء.
تواريخ.
توقيعات.
وفي أسفل إحدى الصفحات توقيع جلال.
شعرت بالغضب.
لكنني لم أرد أن أتحرك دون دليل كامل.
قلت
فين هانا؟
فؤاد قال
في مكان آمن.
فين؟
مش هقول.
اقتربت منه.
هانا أم ولادي.
وعشان كده بالذات مش هقولك.
قلت
إذن أنا هلاقيها.
في اللحظة نفسها، رن هاتف لورين.
ردت.
استمعت لثوانٍ.
ثم قالت
في مشكلة.
إيه؟
الشرطة وصلت.
بصيت إليها.
مين بلغهم؟
قالت
حد بلغهم إنك محتجز طفلين.
تجمدت.
لم أكن محتجزًا أحدًا.
لكن بمجرد وصول الشرطة، كان من الممكن أن يأخذوا الطفلين مني إلى أن يتم التحقق من هويتهم.
نظرت إلى نوح وكريم.
قلت
هنخرج من الباب الخلفي.
تحركنا بسرعة.
لكن قبل أن نصل، ظهر رجلان عند الممر.
كانا من رجال الأمن.
قال أحدهما
أستاذ آدم، الشرطة عايزة تتكلم معاك.
قلت
خليهم يستنوا.
ثم سمعت صوتًا أعرفه.
آدم.
تجمدت.
التفت.
كان عمي جلال.
واقفًا خلف رجال الأمن.
نظر إلى الطفلين.
ثم إليَّ.
وقال
أنا جيت آخد ولادك.
اقتربت منه.
إنت عرفت منين إنهم هنا؟
ابتسم.
الشركة كلها عرفت.
قلت
لا. السؤال الحقيقي إنت عرفت منين قبل ما أي حد يبلغك؟
لم يرد.
نوح أمسك بيدي.
جلال نظر إليه.
ولأول مرة رأيت شيئًا غريبًا في عينيه.
خوف.
ثم اختفى بسرعة.
قال
آدم، لازم تسلمني الولدين.
قلت
ليه؟
لأن ده لمصلحتهم.
ضحكت بسخرية.
الغريب إن كل الناس اللي بتقول إنها بتحميهم عايزة تاخدهم مني.
ثم أخرجت الورقة التي وجدتها في خزنة والدي.
ورفعتها أمامه.
قول
متابعة القراءة