ولادى المختفيين

لمحة نيوز

في صباح بارد من صباحات شهر سبتمبر، دخل طفلان صغيران إلى مقر شركتي الرئيسي في شيكاغو، وحوّلا ست سنوات كاملة من اليقين إلى سؤال واحد مرعب.
نظر إليَّ الولد الأكبر مباشرةً وقال ماما قالت لنا إننا لازم نجيلك، لكن قبل ما يقدر يشرح لي السبب، لمحت عينيه الرماديتين المائلتين للأخضر، ثم نظرت إلى عيني أخوه، وفجأة أدركت إن الولدين الاتنين عندهما نفس لون عينيَّ بالضبط.
جاءني الاتصال وأنا أعمل بمفردي في مكتبي، الموجود في طابق مرتفع جدًا فوق وسط مدينة شيكاغو. كانت مساعدتي التنفيذية، لورين بيرس، في الطابق السفلي، والتردد الواضح في صوتها، وهي التي لم أعتد أن أسمع منها أي ارتباك، جعلني أقفل التقرير الموجود على اللابتوب فورًا.
قالت لورين أستاذ آدم، فيه طفلين صغيرين في الاستقبال وبيطلبوا يقابلوك.
قلت لها دوري على أهلهم.
سكتت لورين.
ثم قالت دي المشكلة... هما قالوا لموظفة الاستقبال إن مامتهم هي اللي بعتاهم هنا.
توقفت عن الكتابة وأسندت ظهري إلى الكرسي. كانت لورين تعمل معي منذ ثماني سنوات، وشافت معايا مستثمرين غاضبين، وقضايا قانونية معقدة، واستقالات مفاجئة، ومفاوضات كانت بتتضمن مبالغ من المال أغلب الناس عمرهم ما هيشوفوا زيها في حياتهم.
ولا مرة حاجة من دي قدرت تهزها.
لكن المرة دي... حاجة هزتها فعلًا.
سألتها مين أمهم؟
جاء صمت آخر، لكنه المرة دي كان أطول.
ثم قالت هانا مراد.
تجمدت يدي فوق لوحة المفاتيح.
منذ ما يقرب من ست سنوات، لم ينطق أحد باسم هانا أمامي. كانت في يوم من الأيام المرأة التي كنت أعتقد أنني سأتزوجها.
كنت أتخيل حياتنا بكل تفاصيلها.
بيت مليان أصوات وضحك. أطفال بيجروا في الممرات. صباحات يوم الأحد الهادية. أعياد ميلاد ورأس سنة نقضيها مع بعض. خناقات صغيرة نضحك عليها بعدين. والأهم من كل ده، الراحة الهادية اللي بتحس بيها لما تكبر في السن جنب شخص يعرف كل نسخة منك، ويعرفك في كل مراحل حياتك.
ثم اختفت هانا من حياتي.
كل شيء قيل لي بعد ذلك كان يشير إلى نفس التفسير المؤلم. قيل لي إنها اختارت أن تتركني، وإنها لم تعد تريد أي شيء له علاقة بعلاقتنا، وإنها تعمدت أن تدير ظهرها للمستقبل الذي كنا نخطط له معًا.
وعلى مدار ست سنوات، أجبرت نفسي على تصديق ذلك.
ثم ظهر طفلان في الطابق السفلي.
أغلقت اللابتوب، وركبت المصعد متجهًا إلى البهو.
عندما انفتح باب المصعد، رأيتهما فورًا بجوار مكتب الاستقبال. كان الولد الأكبر يبدو في السابعة تقريبًا، بينما أخوه الأصغر لم يكن عمره يتجاوز الست سنوات.
كانت حقيبة ظهر خضراء قديمة معلقة على كتف الولد الأكبر. أما أخوه الصغير فكان يحتضن بين ذراعيه لعبة ثعلب قماشية قديمة، وكان فراؤها الباهت يوحي بأن هذا الدبدوب الصغير ربما ظل يواسيه خلال ليالٍ أكثر مما يعرفه أي شخص.
كانت ملابسهما نظيفة، لكنها مستهلكة بشكل واضح. أما حذاؤهما الرياضي فكان رقيقًا جدًا بالنسبة لبرد شيكاغو في بداية شهر سبتمبر.
لاحظني الولد الأكبر.
تصلب جسده، وبدأ يحدق في وجهي مباشرة، وكأنه يقارن ملامحي بصورة حفظها عن ظهر قلب.
سألني إنت الأستاذ آدم؟
قلت أيوه.
ابتلع ريقه بصعوبة وقال أنا اسمي نوح. وده أخويا كريم.
تحرك الطفل الأصغر واختبأ قليلًا خلف أخيه.
ثم قال نوح بصوت هادئ ماما قالت لنا نجيلك هنا.
تسارعت ضربات قلبي.
لم أستطع الكلام للحظات.
ثم رفع نوح وجهه بالكامل نحوي.
وهنا رأيت عينيه.
رماديتين مائلتين للأخضر.
لم تكونا مجرد عينين تشبهان عينيَّ، بل كانتا تحملان نفس مزيج الألوان الغريب الموجود في عينيَّ، والذي ورثته أنا عن والدي.
انتقلت عيناي بسرعة إلى كريم.
وكان لديه نفس العينين أيضًا.
شعرت وكأن البهو كله صمت من حولي، بينما بدأت ست سنوات كاملة من الذكريات تتغير أمام عيني، وتعيد ترتيب نفسها داخل رأسي. كانت هانا قد اختفت منذ ما يقرب من ست سنوات، والطفلان الواقفان أمامي كان عمرهما فجأة يجعل تجاهل تلك الحقيقة مستحيلًا.
شد نوح على حزام حقيبة ظهره بقوة.
قالت له ماما قالت إن فيه حاجة لازم تعرفها.
جف حلقي وأنا أسأله إيه هي؟
ظل ينظر داخل عينيَّ.
ثم مد يده ببطء داخل حقيبة الظهر.
الجزء الأول الرسالة المخفية
مدّ نوح إيده ببطء جوه شنطة الظهر.
كنت واقف قدامه ومش قادر أحرك عيني من على إيده.
كان فيه إحساس غريب بيضغط على صدري.
مش خوف بالمعنى المعتاد.
كان أقرب لإحساس إن حياتي كلها على وشك تتقسم إلى نصفين
حياة قبل اللحظة دي...
وحياة بعدها.
طلع نوح ظرف أبيض صغير، متني من النص ومحطوط جوه كيس بلاستيك شفاف.
كان الظرف قديم شوية، لكن عليه اسمي مكتوب بخط إيد.
آدم عاشور.
مجرد رؤية اسمي على الظرف خلتني أحس بقشعريرة.
مد إيده ناحيتي.
ماما قالتلي ما أديهولكش غير لما أتأكد إنك آدم.
بصيت له باستغراب.
وقالتلك إزاي تتأكد؟
رد بمنتهى الجدية
قالتلي أبص في عينيك.
سكت.
الطفل الصغير، كريم، كان لسه مستخبي ورا أخوه، لكن عينيه كانت بتراقبني.
قلت
وماما قالتلكم إيه كمان؟
نوح هز كتفه.
قالت إنك ممكن ما تصدقناش.
فتحت الظرف.
كان جواه ورقة واحدة.
أول سطر فيها كان
آدم، لو الولدين وصلوا لك، يبقى أنا فشلت إني أحميهم بالطريقة اللي كنت مخططالها.
نفسي اتقطع.
كملت القراءة.
قبل ما تسأل أيوه، نوح وكريم ولادي. لكن لازم تعرف الحقيقة كاملة قبل ما تعمل أي خطوة.
وقفت عن القراءة.
رفعت عيني للولدين.
نوح كان مستني.
قلت
هانا فين؟
نوح بص في الأرض.
كريم شد اللعبة اللي في إيده لصدره.
قال نوح
ماما مش معانا.
يعني فين؟
سكت.
وبعدين قال
مش عارفين.
الجملة نزلت عليّ كأنها ضربة.
رجعت أبص للورقة.
آدم، الولدين مش مجرد طفلين محتاجين بيت. هما مفتاح لحقيقة حاول ناس كتير يدفنوها من ست سنين.
وقفت.
ثم قرأت السطر اللي بعده.
أنا ما سبتكش بإرادتي.
إيدي بدأت ترتعش.
لأول مرة منذ ست سنوات، بدأت أشك في الرواية اللي عشت بيها كل يوم.
هانا لم تتركني؟
إذن مين اللي خلاني أصدق إنها اختارت الرحيل؟
قلبت الورقة.
كان فيه عنوان مكتوب.
عنوان بيت قديم في إحدى ضواحي شيكاغو.
وتحته جملة
روح هناك لوحدك، لكن ما تاخدش الولدين معاك.
بصيت لنوح.
ماما قالتلكم تيجوا هنا إمتى؟
قال
امبارح بالليل.
وإزاي جيتوا؟
قال
واحد اسمه سامي وصلنا.
سامي مين؟
بص نوح ناحية باب البهو.
وبعدين قال
مش عارف.
سألت
هو فين دلوقتي؟
نوح هز رأسه.
قال لنا نستناك هنا، ولو ما جيتش قبل الساعة عشرة الصبح نمشي على المكان التاني.
تجمدت.
أي مكان تاني؟
نوح مد إيده داخل الشنطة مرة أخرى.
طلع ورقة صغيرة.
كان مكتوب عليها عنوان آخر.
لكن المرة دي كان عنوان شركتي.
وتحته
لو آدم حاول يحتفظ بالولدين، اتصلوا بالشرطة.
حدقت في الورقة.
العبارة كانت واضحة.
حد حاول يتأكد إني مش هخطف الولدين.
وده معناه إن هانا نفسها كانت متوقعة إن ممكن يحصل شيء.
اقتربت من نوح.
اسمعني كويس يا نوح. أنا مش هعمل أي حاجة تخوفكم. أنتم هتفضلوا هنا معايا، ومحدش هيقرب منكم.
قال
بس ماما قالت ما تثقش في أي حد.
سألته
حتى أنا؟
بص في عيني.
قالت لو لقيت الراجل اللي عينيه زي عينينا... اسمع كلامه، بس ما تثقش فيه غير لما يشوف الحاجة اللي في جيب جاكته.
عقدت حاجبي.
دخلت إيدي في جيب الجاكيت.
وجدت شيئًا لم أضعه هناك.
مفتاح صغير.
قديم.
وعليه رقم محفور
17.
تجمدت.
أنا أعرف المفتاح ده.
كنت قد رأيته قبل ست سنوات.
كان مفتاح خزنة صغيرة في مكتب والدي القديم.
والدي توفي قبل سنوات، والمكتب تم إغلاقه بعدها.
رفعت عيني ناحية لورين.
كانت واقفة بعيدًا تراقبنا.
قلت لها
لورين، اقفلي الدور كله.
قالت
في مشكلة؟
أيوه.
نظرت للولدين.
لكن مش هنا.
في اللحظة نفسها، رن هاتف الاستقبال.
ردت الموظفة.
وبعد ثوانٍ تغير لون وجهها.
بصت ناحيتي.
أستاذ آدم... فيه عربية سوداء

تم نسخ الرابط