سر أمى
بعد ست شهور من يوم ما أمي سابت بيتها في المنصورة وجت تعيش معايا في القاهرة عشان تساعدني في تربية بنتي، بطنها بدأت تكبر يوم ورا يوم...
وفي الوقت اللي جسمها كله كان بيخس ووشها بيدبل، بطنها وحدها كانت بتكبر لحد ما بقت شبه واحدة حامل في شهورها الأخيرة.
أبويا كان ميت من سنين.
وأمي كانت بتترعب كل ما أقول لها كلمة دكتور.
لحد الليلة اللي فقدت فيها أعصابي وصرخت في وشها
مخبية عار إيه تحت هدومك يا ماما؟
بصت لي أمي، وحطت إيديها على بطنها، وقالت جملة عمري ما هنساها
لو عرفتي إيه اللي جوه بطني يا ليلى... هتركعي تحت رجلي تطلبي مني السماح على كل كلمة قولتيها.
ماكنتش أعرف إن بعد ساعات قليلة، وأنا براجع تسجيلات كاميرا المراقبة في بيتي، هشوف جوزي واقف جنب أمي الساعة اتنين بعد نص الليل، ماسك في إيده لفة قماش مليانة دم...
وهسمع أمي بتقوله
بكرة ليلى هتعرف مين اللي دمه بيجري في عروقها.
ساعتها بس فهمت إن البطن اللي كنت فاكرة إنها مخبية عار...
كانت مخبية جريمة.
الحكاية من أولها...
أنا اسمي ليلى، عندي 29 سنة، متجوزة من ياسين، وعايشين في شقة صغيرة في المعادي، من الشقق اللي مساحتها ماتستاهلش نص تمنها، لكن موقعها كان مناسب لشغلي وشغل ياسين.
معانا بنتنا مريم.
مريم كانت أول فرحتنا...
وأول اختبار حقيقي لجوازنا.
بعد الولادة، حياتي اتقلبت.
كنت بشتغل في شركة تكنولوجيا في التجمع، ويومي عبارة عن اجتماعات، مكاتب إزاز، مكالمات مالهاش آخر، زحمة طريق، ومديرين شايفين إن أي حد عنده حياة خارج الشركة يبقى مقصر.
ولما كنت برجع البيت، كنت بلاقي وردية تانية مستنياني.
مريم بتعيط.
هدوم متكومة.
رضاعات.
أطباق في الحوض.
وأنا جسمي أصلًا ماكانش رجع طبيعي بعد الولادة.
حاولت أقنع نفسي إني أقدر.
كل الستات بتخلف.
كل الستات بتربي.
يبقى أنا ليه مش قادرة؟
لكن الحقيقة إني كنت بنهار.
ياسين كمان بدأ يتغير.
ماكانش وحش، لكنه بقى ساكت.
يرجع من الشغل، يبوس مريم، يقعد شوية، وبعدها يسرح في الموبايل أو ينام.
وأنا بقيت عصبية لدرجة إني ساعات كنت بتخانق معاه بسبب صوت معلقة وقعت على الأرض.
في ليلة، بعد ما مريم فضلت تصرخ ساعتين متواصلين، دخلت الحمام وقفلت الباب عليا وعيطت.
تاني يوم كلمت أمي.
كانت في المنصورة.
قلت لها
تعالي اقعدي معايا كام شهر يا ماما... أنا محتاجة لك.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
أجيلك النهاردة؟
عيطت من الكلمة.
بعد يومين كانت عندي.
وصلت بشنطتين قدام، وبرطمان مخلل عاملاه بإيديها، وكيس فيه حاجات لمريم، ونفس الابتسامة التعبانة اللي فضلت على وشها من يوم ما أبويا مات.
أمي ماعرفتش تتخطى موته أبدًا.
كانت بتضحك، تتحرك، تطبخ، تزور الناس...
لكن كان دايمًا في حاجة ناقصة في عينيها.
من أول أسبوع وصلت فيه، البيت اتغير.
كنت بصحى ألاقي الشاي بلبن جاهز.
هدوم مريم مغسولة ومطبقة.
البيت ريحته طبيخ بدل ريحة اللبن والهدوم المبلولة.
ولما أرجع من الشغل، ألاقي بنتي في حضن جدتها بتضحك.
أمي عمرها ما اشتكت.
لا لما مريم رجعت على عبايتها.
ولا لما كانت تصحى لها بالليل.
ولا لما ياسين يرجع متأخر ويسيب طبقه في الحوض.
وكل ما أحاول أديها فلوس، تزق إيدي وتقول
أنا مش جاية أشتغل عندك يا بنتي... أنا جاية عشان إنتي ضنايا.
خمس شهور كاملين...
كنت فاكرة إني أكتر بنت محظوظة في الدنيا.
لحد ما لاحظت بطنها.
في الأول كان مجرد بروز صغير.
وفي ليلة كنا قاعدين في الصالة ومريم بتلعب عند رجلينا، ضحكت وقلت
إيه يا ماما؟ هو محشي القاهرة عجبك للدرجة دي؟
ضحكت.
بس ضحكتها كانت سريعة زيادة عن اللزوم.
شدت العباية وقالت
يا بنتي ده كبر وسوء هضم.
صدقتها.
لكن بعد أسبوعين، بدأت أحس إن في حاجة غلط.
لأن الكبر مش بيكبر البطن لوحدها.
إيديها كانت بتخس.
وشها بيدبل.
عظمة رقبتها بقت واضحة.
وعينيها ظهر فيهم اصفرار خفيف.
بطلت تاكل رز.
وبعدين بطلت تفطر.
كنت أحط قدامها الأكل، ألاقيها بعد شوية بتلف نصه في منديل.
وفي الشهر السادس...
بطن أمي بقت شبه بطن واحدة حامل.
مافيش وصف تاني.
بطن عالية وناشفة بشكل غريب، بينما باقي جسمها كان بيختفي.
وبالليل...
بدأت أسمعها بتتوجع.
أنين مكتوم من الصالة.
أفتح الباب ألاقيها نايمة.
أسألها
كنتي بتتوجعي؟
تقول
حلم وحش.
لحد يوم رجعت فيه من الشغل بدري.
فتحت الباب، ولقيت مريم قاعدة على الأرض.
ساكتة.
وده لوحده كان مرعب.
وأمي على الكنبة.
العرق مغرق طرحتها، إيدها ماسكة ضهرها، والإيد التانية على بطنها.
ماما!
جريت عليها.
مالك؟!
لمست إيديها.
كانت ساقعة.
مش سقعية سخونية...
سقعية خلت قلبي يقع.
وبصيت لبطنها.
أنا حملت مريم.
عارفة شكل الحمل.
عارفة التقل.
عارفة انحناءة الجسم.
عارفة الست لما جسمها يبقى شايل حاجة جواه.
وأمي...
كانت شكلها حامل.
لكن أبويا ميت من سنين.
وأمي عدت الخمسين.
فمين؟
الليلة دي حكيت لياسين.
قلت له
لازم نفهم.
زعق
اسكتي يا ليلى... دي أمك!
ما أنا عارفة إنها أمي! عشان كدة بقول نوديها المستشفى.
وهي قالت مش عايزة.
بتكذب يا ياسين!
بص لي بطريقة وجعتني.
وقال
أو يمكن إنتي اللي قلبك بقى قاسي.
الكلمة فضلت ترن في دماغي.
قاسية.
تاني يوم حجزت لأمي عند دكتور من غير ما أقول لها.
ولما عرفت، وشها اتغير.
مسكت إيدي كأنها بتتعلق بيا.
مستشفى لا... أبوس إيدك.
يا ماما بطنك بتكبر!
عينيها راحت ناحية سرير مريم.
وبعدين ناحية باب الشقة.
وقالت
في حقايق مابتخفش لما الدكتور بيسميها يا ليلى.
من الليلة دي...
بدأت أراقبها.
لاحظت إنها بطلت تغير هدومها قدام حد.
باب الحمام بقى يتقفل بالمفتاح.
وكل يوم تقريبًا وقت المغرب، تقف في البلكونة تتكلم في الموبايل بصوت واطي.
وتعيط.
مرة دخلت أوضة مريم فجأة.
لقيتها بتخبي حاجة تحت المرتبة.
بعد ما خرجت، رفعت المرتبة.
لقيت خيط أحمر مربوط.
ووصل مستشفى الاسم اللي عليه ممسوح.
وصورة قديمة أبيض وأسود مقطوعة من