رجل العظم

لمحة نيوز

جنب الحلة.
وكان مستني.
بس ملامحه ماكانتش ملامح واحد بيطبخ أكلة عادية.
كانت ملامح واحد
مستني ياكل أي حاجة تسكّت جوعه.
عم محمود حط إيده على بقه.
افتكر كل مرة الراجل قال فيها
للكلب.
افتكر كل أسبوع.
كل سبت.
كل كيس.
كل جنيه كان بيعده.
افتكر إنه كان بيشتري العضم بأقل تمن ممكن
لأنه ماكانش قادر يشتري لحمة.
بل ماكانش قادر يشتري أكل كفاية لنفسه أصلًا.

الراجل قعد جنب الحلة فترة طويلة.
ولما المياه بدأت تغلي، ظهرت ريحة الشوربة في المكان.
قرب وشه من الحلة.
وقفل عينيه.
وكأن الريحة لوحدها كانت كفاية تخليه يحس إنه أكل.
بعد شوية، حط لنفسه طبق صغير.
لكن قبل ما يبدأ ياكل، وقف.
دخل ناحية أوضة تانية.
ورجع ومعاه رغيف عيش ناشف.
حطه جنب الطبق.
وبعدين قعد.
أخد أول معلقة
وأكل ببطء شديد.
عم محمود ماقدرش يكمل.
بعد أربع سنين من الشك والفضول
الحقيقة كانت أقسى من أي تفسير اخترعه في دماغه.

رجع عم محمود على بيته الليلة دي.
مراته لاحظت إنه ساكت.
قالت له
مالك يا محمود؟
ما ردش.
قعد على الكرسي وبص قدامه.
قالت
حصل حاجة في المحل؟
هز راسه.
لأ.
طب إيه اللي مضايقك؟
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال
فاكرة الراجل اللي بييجي كل سبت ياخد عضم ويقول إنه للكلب؟
قالت
أيوه.
مفيش كلب.
مراته بصت له باستغراب.
يعني إيه؟
قال
العضم كان ليه هو.
سكتت.
وبعدين قالت
يا نهار أبيض
عم محمود قال
أربع سنين.
أربع سنين بيعمل كده؟
أيوه.
طب ما كان يقول إنه محتاج.
عم محمود بص لها وقال
كان بيحافظ على كرامته.
الجملة دي خرجت منه بصعوبة.
وقال
يمكن كان أسهل عليه يقول للكلب بدل ما يقول أنا جعان.

تاني يوم، عم محمود فتح المحل بدري.
وأول حاجة عملها إنه دخل المخزن.
بص على اللحمة.
بص على العضم.
وبعدين بدأ يفكر.
هو عارف إن الراجل ممكن يرفض صدقة.
وعارف إنه لو قال له
أنا عرفت الحقيقة
ممكن الراجل يختفي وما يرجعش تاني.
فكر كتير
لحد ما لقى طريقة.

جاء يوم السبت.
نفس المعاد.
ونفس الرجل.
دخل المحل بنفس الهدوء.
وقال
عضم.
عم محمود حط الكيس قدامه.
لكن المرة دي كان الكيس أتقل.
الراجل بص له.
ده كتير.
عم محمود قال
أهو اللي طلع النهارده.
الراجل هز راسه.
بس أنا بدفع على قد اللي باخده.
عم محمود ابتسم.
ما تقلقش.
الراجل مد الفلوس.
عم محمود ما أخدهاش كلها.
قال
خلي الباقي.
الراجل بص له باستغراب.
ليه؟
عشان الأسبوع الجاي العضم غلي.
الراجل سكت.
وبعدين حط الفلوس ومشي.

السبت اللي بعده
حصل نفس الكلام.
واللي بعده
واللي بعده.
عم محمود بدأ يحط مع العضم حاجات تانية.
شوية رز.
خضار.
رغيفين عيش.
وأحيانًا قطعة لحمة صغيرة.
لكن كان بيعمل كل ده من غير ما يقول إنها صدقة.
كان يقول
دي حاجات زيادة عندي.
أو
الزبون اللي قبلك نسيها.
أو
عندي كمية زيادة ومش عايزها تبوظ.
والراجل كان في كل مرة يحاول يرفض.
لأ، كفاية.
فيقول له عم محمود
يا عم خدها، هو أنا هبيع لك كيس رز يعني؟
فيبتسم الرجل لأول مرة.
ابتسامة صغيرة جدًا
لكنها كانت أول ابتسامة يشوفها عم محمود على وشه

تم نسخ الرابط