رجل العظم
كل يوم سبت، كان راجل عجوز بيدخل محل الجزارة ويشتري نفس كمية العضم بالظبط، ويقول للجزار للكلب لكن الجزار عمره ما شاف معاه كلب واحد!
أربع سنين كاملة، والراجل بييجي في نفس اليوم، وفي نفس المعاد تقريبًا.
لحد ما الجزار في يوم قرر يمشي وراه
واللي شافه من شباك بيته، خلاه يقف مكانه مش قادر يتحرك.
لأن الحقيقة كانت أبشع وأوجع بكتير من أي حاجة كان ممكن يتخيلها
كان محل الجزارة بتاع عم محمود موجود في شارع قديم في منطقة شعبية هادية.
محل صغير، لكنه معروف في المنطقة من سنين.
عم محمود كان راجل في أواخر الخمسينات، قضى عمره بين السكاكين، اللحمة، والزبائن اللي حافظهم واحد واحد.
كان يعرف مين بيحب اللحمة من غير دهون، ومين بياخد الكبدة، ومين بيطلب العضم عشان يعمل شوربة.
وعشان كده، كان بيلفت نظره أي زبون غريب.
لكن الراجل ده
كان أغرب زبون شافه في حياته.
أول مرة دخل المحل، كانت من حوالي أربع سنين.
كان يوم سبت.
دخل بهدوء، وقف قدام التلاجة، وبص ناحية عم محمود من غير ما يقول صباح الخير حتى.
راجل طويل ونحيف، شعره أبيض بالكامل، وملامحه جامدة بشكل يخليك تحس إنه شايل هموم سنين طويلة على كتافه.
كان لابس بالطو أسود قديم، وشال صوف حوالين رقبته، رغم إن الجو وقتها ماكانش برد قوي.
قرب من الميزان وقال بصوت هادي
عايز عضم.
عم محمود سأله
عضم بس؟
الراجل هز راسه.
أيوه.
وزوّد بعدها
للكلب.
عم محمود حط له كمية مناسبة في كيس، والراجل دفع كام جنيه معدودين، خد الكيس، وخرج.
الموضوع انتهى.
أو ده اللي عم محمود كان فاكره.
السبت اللي بعده
الراجل رجع.
نفس المعاد تقريبًا.
نفس اللبس.
نفس الهدوء.
ونفس الطلب.
عايز عضم.
عم محمود بص له وقال
للكلب برضه؟
الراجل هز راسه وقال
أيوه للكلب.
عم محمود ابتسم ابتسامة صغيرة.
ربنا يخليهولك.
الراجل ما ردش.
خد الكيس ومشي.
وبعدها بأسبوع
رجع تاني.
والأسبوع اللي بعده
رجع.
وبعد شهر
وبعد ست شهور
وبعد سنة.
كل يوم سبت.
ولا مرة اتأخر.
ولا مرة نسي.
ولا مرة اشترى كمية مختلفة.
نفس العضم.
نفس الفلوس تقريبًا.
نفس الكيس.
ونفس الجملة
للكلب.
في البداية، عم محمود ما اهتمش.
قال لنفسه
يمكن الراجل بيحب يطبخ للكلب بنفسه.
لكن مع مرور الوقت، حاجة بدأت تضايقه.
كان فيه سؤال واحد مش راضي يخرج من دماغه
فين الكلب؟
عم محمود كان بيشوف الراجل داخل المحل كل أسبوع.
وبيشوفه خارج المحل.
وكان الشارع قدام المحل دايمًا زحمة.
لكن عمره ما شافه مرة واحدة ومعاه كلب.
لا كلب كبير
ولا كلب صغير
ولا حتى جرو.
ولا مرة.
في يوم، الراجل دخل كعادته.
عم محمود جهز له الكمية قبل حتى ما يطلب.
حط العضم في الكيس، وربطه.
وبعدين قال له
هو كلبك كبير ولا إيه؟
الراجل سكت ثواني.
عم محمود افتكر إنه زعل.
لكن بعد لحظات، الراجل قال
كبير.
عم محمود ضحك وقال
أصل العضم ده كتير عليه لو كلب صغير.
الراجل بص له نظرة غريبة.
نظرة خلت الابتسامة تختفي من على وش عم محمود.
وبعدين قال
هو محتاجه.
وخد الكيس ومشي.
عم محمود فضل باصص وراه.
وحس لأول مرة إن فيه حاجة غلط.
مرت سنتين.
ثم تلاتة.
والرجل ما اتغيرش.
لكن عم محمود بدأ يلاحظ حاجات تانية.
الراجل كان بييجي بفلوس معدودة بالظبط.
أحيانًا كان يفتح جيبه ويعد العملات قبل ما يدخل المحل.
ولو عم محمود قال له
خد شوية زيادة.
كان يرفض فورًا.
لا.
يا عم خدهم، ده عضم مش هيفرق.
لا كفاية.
كان يقولها ويخرج.
كأن كل قرش في جيبه له حساب.
وفي مرة، عم محمود شافه واقف بره المحل قبل ما يدخل.
كان ماسك الفلوس في إيده.
عدّها مرة.
وبعدين عدّها تاني.
وبعدين رجع حط واحدة من العملات في جيبه.
ودخل.
وقال
عضم.
عم محمود بص للفلوس اللي حطها قدامه.
كانت أقل من المعتاد.
فقال له
الفلوس دي ناقصة.
الراجل بص له في صمت.
وبعدين قال
معلش.
عم محمود كان لسه هيسأله.
لكن الراجل كمل
لو مش هينفع خلاص.
عم محمود بص في وشه.
وشاف إحساس غريب.
مش إحساس واحد بيحاول يفاصل.
ده كان إحساس واحد خايف ما يقدرش يشتري اللي محتاجه.
فقال له
خد.
وحط له العضم في الكيس.
الراجل أخده وقال
ربنا يكرمك.
وبعدين خرج بسرعة.
عم محمود فضل واقف مكانه.
من اليوم ده، الموضوع ما بقاش مجرد فضول.
بقى شاغل باله.
كان كل سبت، أول ما الساعة تقرب من نفس المعاد، يرفع عينه ناحية باب المحل.
ويستنى.
ولما الراجل يدخل، يراقبه.
كان يحاول يلاحظ أي تفصيلة.
إيده.
هدومه.
وشه.
حذاءه.
أي حاجة ممكن تكشف له الحقيقة.
لكن مفيش.
الراجل يدخل لوحده
ويخرج لوحده.
لحد يوم سبت
عم محمود أخد قرار.
قال لنفسه
أنا لازم أعرف.
مش عشان يتدخل في حياته.
ولا عشان يفضحه.
لكن لأنه بدأ يحس إن حكاية الكلب دي مش منطقية.
وفي نفس اليوم، لما الراجل خرج من المحل، عم محمود استنى شوية.
وبعدين خرج وراه.
حافظ على مسافة بعيدة.
كان الراجل بيمشي ببطء.
يمشي شوية، يقف.
يبص حواليه.
وبعدين يكمل.
عم محمود كان مستخبي وراه كل ما الراجل يلف.
لحد ما خرجوا من الشارع الرئيسي.
ودخلوا حارة ضيقة.
الحارة كانت هادية جدًا.
بيوت قديمة، حيطانها باهتة، وشبابيكها صغيرة.
الراجل كمل لحد ما وقف قدام بيت قديم من دورين.
فتح الباب ودخل.
عم محمود وقف بعيد.
وبص للبيت.
قال لنفسه
أهو يمكن الكلب موجود جوه.
استنى شوية.
وبعدين قرب أكتر.
شاف نور طالع من شباك في الدور الأرضي.
الشباك كان مفتوح جزئيًا.
عم محمود قرب بحذر.
رفع عينه
وبص.
في اللحظة دي
قلبه وقف.
ماكانش فيه كلب.
ولا حتى أثر لكلب.
ماكانش فيه أوضة كبيرة، ولا بيت مليان أثاث.
كانت أوضة صغيرة جدًا.
شبه فاضية.
موجود فيها بوتاجاز قديم، ترابيزة خشب متهالكة، وكرسي واحد.
وفي جنب الحيطة حلة صغيرة على النار.
الراجل دخل.
حط الكيس على الترابيزة.
وبعدين قعد على الكرسي.
فضل ساكت.
ما فتحش الكيس على طول.
فضل باصص له كأنه بيجمع شجاعته.
وبعدين مد إيده
وفك الكيس.
طلع العضم.
حطه قدامه.
عم محمود قرب من الشباك أكتر.
وفجأة شاف الراجل بياخد نفس عميق.
وبعدين بدأ يحط العضم في الحلة.
ساعتها فهم.
العضم ماكانش للكلب.
الكلب أصلًا
ماكانش موجود.
الراجل كان بيشتري العضم
عشان ياكله هو.
عم محمود حس إن رجليه مش شايلينه.
رجع خطوة لورا.
وبص تاني من الشباك.
الراجل كان بيحط شوية مياه فوق العضم.
وبعدين ولع النار.
قعد