حادثة جوزى

لمحة نيوز

والفلوس اللي بعتها خالتي؟
قالت
دي كمان موثقة.
وبعدين بصت لي وقالت
والأهم ما ترجعيش تدفعي جنيه واحد.
هزيت راسي.
مش هدفع.
لأول مرة من أربع سنين، قلت الجملة دي من غير خوف.
مش هدفع.
رجعت البيت، ولقيت أحمد قاعد على الكرسي المتحرك.
أول ما شافني قال
فين كنتي؟
حطيت شنطتي على الترابيزة.
عند المحامية.
وشه اتغير.
محامية ليه؟
عشان أبدأ إجراءات الطلاق.
فضل ساكت.
وبعدين قال
إنتِ بتهزري؟
لأ.
بعد كل اللي حصل؟
ضحكت بمرارة.
بعد كل اللي حصل بالذات.
قام من الكرسي.
المرة دي ما مثلش.
ما ارتعشتش رجله.
ما احتاجش يمسك الحيطة.
وقف قدامي.
إنتِ مش هتعملي كده.
بصيت له وقلت
ليه؟
عشان الناس هتقول إني كنت محتاجك وسيبتيني لما خفيت.
الناس هتعرف إنك كنت بتكدب عليّا.
اتوتر.
أنا ما كنتش بكدب.
فتحت موبايلي وشغلت فيديو قديم.
كان أحمد فيه ماشي في الشارع.
الفيديو كان متصور من أكتر من سنة.
ظهر وهو بينزل من عربية، وبيمشي مسافة طويلة، وبعدها بيشتري حاجات ويرجع.
وشه اصفر.
قلت
ده كمان مش كدب؟
سكت.
شغلت تسجيل تاني.
صوت نوال كان واضح
لازم الكرسي يفضل مكانه عشان مريم ما تشكش.
أحمد بص لأمه.
نوال حطت إيدها على وشها.
أنا آسفة.
قال لها أحمد بعصبية
اسكتي!
رديت
لأ، خليها تتكلم.
وبصيت لنوال.
إنتِ كنتي عارفة من إمتى؟
نوال قعدت على الكرسي.
فضلت ساكتة فترة طويلة.
وبعدين قالت
من بعد أول سنة.
حسيت كأن حد ضربني في صدري.
أول سنة؟
هزت راسها.
في البداية أحمد فعلًا كان عنده إصابة ومش قادر يمشي كويس. بعد فترة الدكتور قال إن حالته اتحسنت جدًا، وإنه ممكن يمشي بالتدريب.
بصيت لأحمد.
قالت نوال
هو قال لي إنه خايف ترجعي لحياتك وتسيبيه.
أحمد قاطعها
ماما!
لكنها كملت.
وبعدها بدأ يمثل.
سألتها
والفلوس؟
نوال بدأت تعيط.
في البداية كنا بندفع للعلاج فعلًا.
وبعدين؟
سكتت.
قالت
بعدين أحمد بدأ يستغل الموضوع.
أحمد صرخ
كفاية!
لكن نوال كانت خلاص انهارت.
هو اللي طلب مني أقول لك إن العملية محتاجة فلوس. وهو اللي جاب الورقة بتاعة المركز.
قلت
ومبلغ السبعمية ألف؟
نوال غطت وشها.
ما كانش فيه عملية.
غمضت عيني.
كنت عارفة.
لكن سماعها بصوتها كان مختلف.
الفلوس راحت فين؟
سكتت.
أحمد قال
أنا هحل الموضوع.
بصيت له.
لأ. أنا اللي هحل الموضوع المرة دي.
خرجت من البيت.
وكان معايا نسخة من كل حاجة.
بعدها بأيام، اتفتح تحقيق رسمي في التحويلات.
واتضح إن الحساب اللي اتبعت له الفلوس ما كانش تابع لأي مستشفى أو مركز تأهيل.
كان حسابًا شخصيًا.
والأغرب إن جزء من الأموال اتسحب نقدًا بعد ساعات من تحويلها.
وجزء تاني اتدفع لسداد ديون قديمة.
أما باقي المبلغ، فكان أحمد بيحاول يبرر استخدامه باعتباره مصاريف شخصية.
لكن المستندات كانت واضحة.
ومع كل ورقة جديدة تظهر، كانت الكذبة بتنهار أكتر.
أما موضوع الشقة، فكان مختلف.
المحامية أكدت لي إن بيع الشقة تم بشكل قانوني، وإنها كانت ملكي عن طريق الميراث.
كنت زعلانة إني بعتها.
لكن على الأقل، ما سمحتش لهم ياخدوا فلوسها.
كنت فصلت مبلغ البيع عن كل حسابات البيت قبل ما أكتشف الحقيقة، وده أنقذني من خسارة أكبر.
خالتي فاطمة كمان رجعت جزء من فلوسها بعد ما بدأت الإجراءات، والباقي اتسجل كدين على أحمد بعد إثبات سبب تحويله.
أما نوال
فهي اختارت تقول الحقيقة كاملة.
يمكن لأنها أخيرًا فهمت إن الصمت مش هيحمي ابنها.
وفي يوم من الأيام، وأنا خارجة من مكتب المحامية، لقيت أمي مستنياني.
وقفت قدامها.
سنين من الغضب كانت بينا.
قالت
أنا آسفة.
بصيت لها.
على إيه؟
على اليوم اللي قلت لك فيه سيبيه.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
كنت غلطانة في الطريقة. كنت خايفة عليكي، لكن كلامي خلاكي تفتكري إني شايفة جوزك عبء.
دموعي نزلت.
وأنا غلطت لما اتهمتك إنك مش بتحبي بابا.
ابتسمت بحزن.
أنا ما كنتش عايزة منك تسيبيه عشان رجله.
وبعدين مسكت إيدي وقالت
كنت عايزاكي ما تسيبيش نفسك عشانه.
الكلمة دي دخلت قلبي.
لأني فهمت أخيرًا إنها كانت تقصد إيه من أربع سنين.
بعدها بدأت حياتي من جديد.
اشتغلت، لكن المرة دي مش عشان أسدد كوارث غيري.
اشتغلت عشان نفسي.
ورجعت أمارس الحياكة اللي كنت بعملها بالليل وأنا مرهقة.
وبدأت أبيع الشغل اللي بعمله أونلاين.
بعد فترة، المشروع كبر.
وبقيت أقدر أعيش من شغلي.
وفي يوم، وأنا بفتح صندوق قديم، لقيت وردة ناشفة من ورد فرحي.
فضلت أبص لها.
زمان كنت فاكرة إن أسعد يوم في حياتي كان يوم ما اتجوزت أحمد.
لكن دلوقتي عرفت إن أجمل يوم كان يوم بطلت أعيش حياة مبنية على كذب.
أما أحمد، فبعد انتهاء القضية وإجراءات الطلاق، بقى مضطر يواجه حياته بنفسه.
والغريب إن العلاج اللي كان بيحكي عنه طول السنين ما كانش محتاج معجزة.
كان محتاج بس تدريب والتزام.
لأنه فعلًا كان قادر يمشي من زمان.
لكنه اختار يستخدم كرسي متحرك كجزء من كذبته.
وفي آخر جلسة بينا، قبل ما ننهي كل شيء، سألته
ليه عملت كده؟
فضل ساكت.
وبعدين قال
كنت خايف تخسريني.
هزيت راسي.
وعشان ما تخسرنيش، قررت تخدعني؟
ما ردش.
قلت له
لو كنت طلبت مني أقف جنبك، كنت وقفت.
حتى لو كنت هفضل معاك سنين؟
أيوه.
وبعدين قلت
لكنك ما طلبتش مني الحب. إنت طلبت مني أضحي بحياتي وأنا فاكرة إنك محتاجني.
سكت.
وأنا كملت
أنا ما ندمتش إني اهتميت بيك وأنت مصاب. دي كانت إنسانيتي.
إيه اللي ندمتي عليه؟
بصيت له وقلت
إني صدقت إن التضحية معناها إني لازم أختفي.
خرجت من المكان وأنا لأول مرة مش حاسة بالذنب.
بعد شهور، رجعت لبيت أمي.
مش عشان أعيش معاها.
لكن عشان آخد منها حاجة كانت محتفظة بيها.
البنكة الخشب القديمة اللي جدي كان عاملها بإيده.
كانت في المخزن.
نضفتها، وصلحتها، وحطيتها في بيتي الجديد.
قعدت عليها بالليل.
ولأول مرة من سنين، ما كانش عندي مواعيد أدوية.
ولا جلسة علاج.
ولا فاتورة مستشفى.
ولا حد مستني مني أتنازل عن أكلي.
ولا حد بيطلب مني فلوس.
كنت لوحدي.
لكن المرة دي
الوحدة كانت راحة.
بصيت للورد الناشف اللي حطيته جنب البنكة.
وفكرت في الجملة اللي قلتها لنفسي يوم بعت شقة جدي
الفلوس بتتعوض لكن رجليه لأ.
كنت وقتها فاكرة إن دي أكبر تضحية ممكن أعملها عشان إنسان بحبه.
لكن الحقيقة اللي اتعلمتها كانت مختلفة
الفلوس ممكن تتعوض فعلًا.
لكن السنين اللي بتضيعيها وإنتِ بتعيشي في كذبة
محدش يقدر يرجعها.
وعشان كده، لو في حاجة واحدة خرجت بيها من كل اللي حصل، فهي
ساعد اللي بتحبيه، وقف جنبه، وضحي عشانه لو احتاجك لكن أوعى تسمحي لحد يقنعك إن حبك ليه لازم يكون على حساب نفسك.

تم نسخ الرابط