حادثة جوزى
المحتويات
المتحرك، البطانية مغطية رجليه، ووشه عليه ملامح التعب.
أنا في الوقت ده كنت بقيت أعرف أفرق كويس بين الألم الحقيقي وبين ليلة وحشة أو يوم تعبان.
لكن اللي ما كنتش أعرف أفرّق بينه هو الحقيقة والكذبة اللي اتكررت قدامي سنين.
أول شرخ في الكذبة ظهر بسبب حاجة تافهة جدًا.
في ليلة، وأنا برتب البطانية بتاعة أحمد، لقيت عليها حبيبات سكر صغيرة لونها دهبي ولازقة في القماش.
مسكت واحدة منها بين صوابعي وقلت باستغراب
إيه ده؟ جاب هنا إزاي؟
حماتي نوال ردت من المطبخ بسرعة
الست عزيزة كانت جايبة كيكة، واترمت حتة منها عليه.
هزيت راسي وسكت.
حاولت ما أفكرش في الموضوع.
لكن بعد شهر تقريبًا، لقيت قميص أحمد ريحته فانيليا وبرفان ست.
وقفت ماسكاه قدام وشي.
وسألت
أحمد إيه ريحة البرفان دي؟
قبل ما هو يرد، نوال قالت من غير حتى ما تبص لي
الجارة تاني.
بصيت لها.
الجارة؟
قالت بمنتهى الهدوء
أيوه، كانت معدية امبارح وسلمت عليه.
كنت عايزة أصدقها.
والحقيقة إن تصديقها كان أسهل بكتير من إني أواجه فكرة إن اتنين ممكن يبصوا في عيني كل يوم ويكدبوا عليّا بكل البرود ده.
خصوصًا إني كنت مرهقة.
كنت بشتغل طول اليوم، وبرجع البيت أعتني بأحمد، وأدفع مصاريف العلاج، وأحسب كل جنيه قبل ما أصرفه.
فكان أسهل عليّا أقول
أنا تعبانة وبشك في حاجات مالهاش معنى.
لحد ما ظهرت حاجة اسمها الفرصة.
في يوم، أحمد ناداني وطلع لي ورقة مطبوعة.
قال إن دي مقايسة من عيادة خاصة في الإسكندرية.
حسب كلامه، كان فيه دكتور متخصص جدًا يقدر يعمل له عملية، وبعد العملية هيدخله برنامج تأهيل متطور، والبرنامج ده ممكن يساعده يرجع يمشي.
بصيت للرقم الموجود في الورقة.
سبعمية ألف جنيه.
حسيت إن نفسي اتقطع.
سبعمية ألف!
أحمد بص لي وقال
أوعي تستلفي عشاني.
قالها بالطريقة اللي كنت دايمًا بعتبرها تضحية.
بصوت الراجل اللي مش عايز يبقى حمل على مراته.
وقال
أنا مش عايز أضيّع مستقبلك بسببي.
دموعي نزلت.
وقبل ما أتكلم، دخلت نوال الأوضة وهي ماسكة ظرف.
حطته قدامي وقالت
هنا أربعمية ألف.
بصيت لها بدهشة.
قالت
كنت بحوشهم من إيجار الشقة ومن الفلوس اللي كنتي بتديهالي عشان مصاريف البيت.
وبعدين أضافت
وخالتك فاطمة وافقت تسلفنا التلتمية ألف الباقيين.
فضلت أبص للفلوس وأنا مش مصدقة.
كنت حاسة بامتنان رهيب.
افتكرت إن أخيرًا ربنا بعت لنا باب للخروج من الأزمة.
بكيت وأنا بقول
ربنا يخليكم ليا.
الفلوس اتحولت لحساب قالت نوال إنه حساب مسؤول تنسيق البرنامج الطبي.
وعدت الأيام.
أسبوع.
أسبوعين.
شهر.
والعملية ما حصلتش.
في الأول قالوا إن فيه تحليل ناقص.
وبعدها قالوا إن الدكتور مسافر بره البلد.
وبعدين قالوا إن فيه قائمة انتظار طويلة.
وكل مرة كنت أسأل
طب إمتى بالظبط العملية؟
كانت نوال تقول
أول ما الدور ييجي.
وأحمد كان دايمًا يقول
اصبري يا مريم.
لحد ما في يوم قلت
أنا هتصل بالعيادة بنفسي وأسألهم.
أول ما قلت الجملة دي، أحمد انفجر في وشي.
لأ!
اتخضيت.
عمره ما زعق فيا بالطريقة دي.
قرب مني وقال
كل حاجة بتتعمل عن طريق ترشيح خاص. لو بدأنا نسأل ونتصرف من نفسنا، ممكن يخرجونا من البرنامج كله.
سكت.
وبعدين اعتذرت له.
آه
أنا اللي اعتذرت.
مع إني ما عملتش أي حاجة غلط.
بس كنت متعودة.
متعودة إني أصدقه.
متعودة إني أسكت.
ومتعودة إني أخاف إن أي سؤال أسأله ممكن يضيّع فرصة علاج أحمد.
بعدها بفترة قصيرة، المستأجرين اللي كانوا ساكنين في شقة جدي مشيوا.
وفجأة مصدر الدخل الوحيد اللي كنت بعتمد عليه اختفى.
المصاريف بقت أكبر من قدرتي.
أنا عليّا تلتمية ألف جنيه لخالتي فاطمة.
جلسات العلاج مستمرة.
الأدوية مستمرة.
ومصاريف البيت مستمرة.
وفي نفس الوقت، نوال لسه بتكرر نفس الجملة
العملية ممكن تتحدد في أي وقت.
كنت حاسة إني بغرق.
وفي وسط ده كله، أمي عرفت إني بدأت أفكر أبيع شقة جدي.
جت لي من غير ما تتصل.
وأول ما دخلت، قالت
الشقة دي جدك سابهالك عشان يبقى عندك حاجة تخصك.
رديت وأنا متوترة
أنا محتاجة الفلوس عشان أحمد.
قالت
أنا مش بقولك ما تساعديش جوزك.
أمال بتقولي إيه؟
بصت لي طويلًا وقالت
بقولك ما تضيعيش آخر حاجة جدك سابهالك.
رديت بعصبية
الحيطان مش أهم من بني آدم.
أمي قربت مني وقالت
أنا مش بتكلم عن الحيطان يا مريم.
وسكتت لحظة.
وبعدين قالت
أنا بتكلم عنك إنتِ.
بصيت لها.
قالت
إنتِ بتختفي واحدة واحدة جوه البيت ده.
الكلمة دي وجعتني.
لكن بدل ما أسمعها، اعتبرتها محاولة منها إنها تمنعني أساعد جوزي.
ما سمعتش كلامها.
وبعت الشقة.
تلاتة مليون وستمية ألف جنيه.
في يوم البيع، خرجت من البنك وأنا ماسكة مستندات البيع، لكن إحساسي كان غريب.
كنت حاسة إني ما بعتش شقة.
كنت حاسة إني اقتلعت آخر لوح خشب كان جدي بناه بإيده عشان يفضل سند ليا لو الدنيا وقعت.
ومع ذلك، قلت لنفسي
أحمد أهم.
رجعت البيت قبل ميعادي بحوالي أربع ساعات.
وأول حاجة سمعتها كانت الموسيقى.
وقفت عند باب البيت.
استغربت.
أحمد كان دايمًا بيقول إن الصوت العالي بيعمل له صداع نصفي.
مشيت في الطرقة بهدوء.
وفجأة شفت حاجة على الأرض.
جزمة بكعب عالي.
مش بتاعتي.
وقفت مكاني.
ومن جوه المطبخ سمعت ضحكة ست.
ضحكة واضحة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
مسكت مقبض باب الأوضة.
وفتحته.
وتجمدت.
أحمد كان واقف قدام الدولاب.
واقف على رجليه.
مش متسند.
مش بيرتعش.
مش بيستخدم كرسي.
كان واقف بمنتهى الثبات وهو بيزرر قميصه.
فضلت أبص له وأنا مش قادرة أتنفس.
وبعدين
مشى خطوتين ناحية السرير.
خطوتين كاملين.
بثقة راجل بقاله وقت طويل جدًا بيمشي.
بصيت للكرسي المتحرك.
كان مرمي في جنب الأوضة.
ما صرختش.
ما واجهتوش.
ما سألتهوش حتى
إنت بتعمل إيه؟
قفلت الباب بالراحة.
ونزلت السلم.
وخرجت من البيت.
كنت حاسة إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
لكن ما عملتش أي صوت.
رجعت بالليل وكأني ما شفتش حاجة.
وكأن حياتي لسه طبيعية.
كأن جوزي لسه عاجز عن المشي.
وكأن أنا لسه الزوجة اللي بتضحي بكل حاجة عشانه.
استنيت لحد نص الليل.
والبيت كله هدي.
وفجأة
سمعت صوت خطوات.
خطوات واضحة.
حد بيمشي في الطرقة.
وبعدها سمعت صوت نوال.
كان صوتها واطي، لكنه غاضب
أنا قلت لك الموضوع ده هيستمر كام شهر مش أربع سنين!
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
مريم باعت شقة جدها ولسه بتفكر إزاي نطلع منها فلوس أكتر!
سمعت أحمد يضحك.
ضحكة باردة ما سمعتهاش منه قبل كده.
وقال
لو كانت عايزة تعرف الحقيقة، كانت عرفت من زمان.
حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
في اللحظة دي فهمت إن اكتشافي إن أحمد بيمشي ما كانش أسوأ حاجة.
الأسوأ كان السؤال اللي ضرب دماغي
بقاله قد إيه بيقدر يمشي؟
وليه مثل عليّا كل السنين دي؟
والأخطر من كل ده
الفلوس اللي ضحيت بكل حاجة عشان أجيبها لعلاجه راحت فين فعلًا؟
الجزء الرابع والأخير
من يوم ما حطيت الأوراق قدام أحمد ونوال، كل حاجة اتغيرت.
ما بقيتش الست اللي بتخاف من زعلهم.
ولا الست اللي بتحسب كل كلمة قبل ما تقولها عشان ما تتعبش أحمد.
أنا كنت خلاص عرفت الحقيقة.
والأهم إني عرفت إن اللي حصل ما كانش مجرد كذبة صغيرة.
دي كانت خطة كاملة اتبنت على تعبي وثقتي فيه.
تاني يوم الصبح، روحت للمحامية أستاذة أميرة ومعايا كل المستندات.
حطيت قدامها
إيصالات التحويلات.
الورقة اللي قالوا إنها عرض العملية.
بيانات الحساب اللي اتحول له مبلغ السبعمية ألف.
رسائل حماتي.
الرسائل اللي تثبت إن أحمد كان قادر يتحرك من بدري.
وتسجيلات كانت أمي نصحتني أعملها بعد ما بدأت أشك.
أميرة فضلت تقلب في الأوراق بهدوء.
وبعد فترة قالت
مريم، الموضوع أكبر من مجرد كذب على الزوجة.
بصيت لها.
قالت
لو ثبت إن الحساب اتفتح أو اتستخدم للحصول على فلوس بناءً على معلومات كاذبة، وإن العملية أصلًا ما كانتش موجودة، فإحنا قدام واقعة احتيال لازم تتعامل رسميًا.
سألتها
متابعة القراءة