حادثة جوزى

لمحة نيوز

 لو جوزك خلاص مش هيقدر يمشي، سيبيه قبل ما يضيّع مستقبلك وحياتك.
دي كانت الجملة اللي أمي قالتها لي بعد حادث جوزي بأسبوعين.
بصيت لها وقتها كأني مش مصدقة اللي سمعته، ومن شدة غضبي طلبت منها تخرج من بيتي.
وفعلًا خرجت.
ومن اليوم ده، ما كلمتهاش تقريبًا لمدة أربع سنين.
في الوقت ده كنت عندي 32 سنة، ومتجوزة أحمد بقالنا أربع أيام بس.
أربع أيام فقط!
حتى ورد فرحنا كان لسه موجود. كنت حاطة شوية من الورد الناشف في علبة صغيرة، وكنت كل ما أفتحها أبتسم وأنا فاكرة اليوم اللي اتجوزنا فيه.
أحمد كان شغال في تركيب الهياكل المعدنية والأسقف في مواقع البناء في القاهرة. وكان دايمًا من نوعية الرجالة اللي تقول
طول ما إيدي بتتحرك، يبقى هعرف أجيب شغل وأصرف على بيتي.
كان راجل مجتهد، وما كانش بيحب يعتمد على حد.
لكن يوم الاتنين، بعد فرحنا بأيام قليلة، خرج الصبح بدري وراح موقع شغله.
الساعة كانت لسه حوالي عشرة الصبح لما موبايلي رن.
رديت، لقيت راجل معرفوش.
قال بسرعة
حضرتك زوجة أحمد؟
قلبي اتقبض.
أيوه خير؟
سكت ثواني، وبعدها قال
جوز حضرتك وقع من السقالة في موقع الشغل. الإسعاف نقلته على المستشفى.
ما افتكرتش بعدها إزاي لبست هدومي ولا إزاي وصلت المستشفى.
كنت بجري في الممرات وأنا مش قادرة أستوعب إن الراجل اللي خرج من البيت الصبح وهو سليم، ممكن يكون دلوقتي بين الحياة والموت.
الدكاترة قالوا إن عنده إصابة في فقرتين من العمود الفقري، وإن جذور الأعصاب اتأثرت بشكل كبير.
وكانت المشكلة الأكبر إن محدش يقدر يحدد إمتى هيقدر يمشي تاني.
الدكتور المتخصص في الأعصاب كان حريص جدًا في كلامه.
قال لي
فيه احتمال إنه يستعيد القدرة على المشي، لكن الموضوع ممكن ياخد شهور وممكن سنين.
أنا ما سمعتش غير كلمتين
فيه احتمال.
بالنسبة لي، الكلمتين دول كانوا كفاية.
طالما فيه احتمال، يبقى أنا مش هسيبه.
في الليلة دي، دخلت له أوضة المستشفى.
كان نايم على السرير، ووشه شاحب، وعينيه مليانة خوف.
أول ما شافني، قال
عايزك تمشي يا مريم.
افتكرت إني ما سمعتش كويس.
قربت منه وقلت
إيه؟
قال بصوت مكسور
إحنا لسه متجوزين من كام يوم. مفيش بينا أولاد وإنتِ لسه قدامك العمر كله. تقدري تبدأي حياتك من جديد.
بصيت له فترة طويلة.
وبعدين مسكت إيده وقلت
أنا اتجوزتك إنت مش رجليك.
ما ردش.
بس دموعه نزلت.
حماتي نوال كانت واقفة عند باب الأوضة، ولما سمعت كلامي بدأت تعيط.
لكن أمي سعاد كان رد فعلها مختلف تمامًا.
بعد ما خرجنا من المستشفى، بصت لي وقالت
الواد ده كان شغال من غير عقد، ومفيش عنده تحويشة، ودلوقتي هيبقى محتاجك في كل حاجة. ما تحوّليش أربع أيام جواز لأربعين سنة من التضحية.
الكلام وجعني جدًا.
وجعني لدرجة إني وقتها ما قدرتش أشوف خوفها عليّا.
شوفته قسوة.
صرخت فيها
لو بابا هو اللي حصل له كده، كنتِ هتسيبيه برضه؟
وشها اتغير.
ما ردتش.
بس قالت بهدوء
أنا خايفة عليكي يا مريم.
أنا ما سمعتش الجملة دي.
كنت غضبانة.
فقالت لي
لما تهدي ابقي كلميني.
ومشيت.
ومن يومها، علاقتي بأمي اتقطعت.
حياتي كلها اتحولت لجدول من المواعيد والأدوية والحسابات.
كان عندي شقة جدي الله يرحمه في منطقة عين شمس.
أجّرتها، وبدأنا نستخدم إيجارها في جلسات العلاج الطبيعي والمصاريف الطبية.
أما البيت اللي كنا عايشين فيه، فكان ملك حماتي نوال.
وبسبب ظروف أحمد، نوال قررت تنتقل تعيش معانا وتساعدني.
في البداية كنت شاكرة لها.
كنت بقول لنفسي
على الأقل مش لوحدي.
لكن مع الوقت، بدأت حياتي تبقى أصعب.
أنا سبت شغلي في المغسلة لأن ساعات العمل ما بقتش مناسبة.
الصبح اشتغلت في مطعم صغير.
وبعد الظهر كنت بروح أنضف شقق للإيجار اليومي.
وبالليل، بعد ما أرجع البيت، كنت بقعد أحيك بلوفرات وبطاطين للناس بالطلب، عشان أقدر أوفّر فلوس أكتر.
كنت بنام ساعات قليلة جدًا.
وأصحى قبل الفجر.
أجهز الفطار.
أجهز أدوية أحمد.
أساعده في الحركة.
أروح الشغل.
أرجع أطبخ.
أنضف.
أغسل.
وأقعد معاه في جلسات التمرينات.
وكل يوم كنت بقول لنفسي
هتعدي لازم تعدي.
بعد حوالي تلات شهور، حصل شيء خلانا كلنا نفرح.
أحمد بدأ يحس بألم في رجله.
كان ألم بسيط.
لكن بالنسبة لنا كان كأنه خبر حمل.
فضلنا نضحك ونعيط في نفس الوقت.
الدكتور قال إن الإحساس ممكن يكون علامة إيجابية.
ومن اليوم ده بدأنا رحلة جديدة.
تمارين.
علاج طبيعي.
كرسي متحرك.
دعامات.
وعصيان للمساعدة.
وحتى قضبان اتثبتت جنب الحيطة عشان أحمد يتدرب عليها.
حماتي نوال كانت هي اللي بتتابع مواعيد الدكاترة في أوقات كتير، لأن أنا كنت مش قادرة أغيب عن شغلي أكتر من كده.
ومع الوقت، بدأت حياتي تبقى كلها تضحيات صغيرة محدش بياخد باله منها.
في يوم رجعت البيت بعد 14 ساعة كاملة من الشغل.
كنت منهكة لدرجة إني كنت حاسة إن رجلي مش شايلاني.
دخلت المطبخ، ولقيت آخر قطعة فراخ موجودة في الطبق.
فرحت.
قلت لنفسي
أخيرًا هاكل حاجة كويسة.
لكن حماتي نوال بصت لي وقالت
دي لأحمد.
بصيت لها باستغراب.
قالت
هو محتاج بروتين عشان العضلات ترجع تقوى.
بصيت للطبق.
وبعدين بصيت لأحمد.
ما اتخانقتش.
ما اعترضتش.
خدت قطعة الفراخ وحطيتها في طبقه.
وقلت
خلاص.
أحمد أكلها.
وأنا كنت من الساعة خمسة الصبح ما دخلش معدتي غير فنجان قهوة وحتة عيش صغيرة.
ومع ذلك، ما قلتش حاجة.
كنت بقول لنفسي
المهم هو يتحسن.
بعد فترة، حصل موقف تاني.
الجزمة اللي كنت بلبسها للشغل اتقطعت من تحت بسبب المطر.
الجزء السفلي اتفتح بالكامل، وبقيت الميه تدخل رجلي وأنا ماشية.
استنيت لحد ما رجعت البيت وطلبت من حماتي شوية فلوس من المبلغ اللي كنا بنحوشه.
قلت لها
أنا محتاجة جزمة جديدة. دي خلاص ما بقتش نافعة.
بصت لي وقالت
استحملي شوية.
استغربت.
فكملت
كل جنيه مهم عشان أدوية أحمد وعلاجه.
بصيت للجزمة.
وبعدين قلت
حاضر.
في نفس الليلة، قعدت أصلح الجزمة القديمة بلزق قوي.
حطيت عليها حلة تقيلة عشان الجزء المفتوح يثبت وهو بينشف.
كنت قاعدة على الأرض، وإيدي كلها مليانة لزق.
من جوه الأوضة، أحمد كان سامعني.
قال
بكرة هكلم أمي.
رفعت عيني ناحية باب الأوضة.
استنيت.
كنت متأكدة إنه هيقول لها إني محتاجة جزمة.
كنت مستنية منه يقول لها إن مراته بتشتغل طول اليوم وبتضحي بكل حاجة عشانه.
لكن
ما كلمهاش.
ولا في اليوم ده.
ولا بعدها.
وبمرور الشهور، بدأت ألاحظ حاجات غريبة.
حاجات صغيرة في البداية، لكن مع الوقت بقيت صعب أتجاهلها.
مرة لقيت تراب وملح عالقين في شبشب أحمد.
استغربت.
لأنه حسب كلامه، ما كانش بيقدر يقوم من السرير أو الكرسي المتحرك من غير مساعدة.
ومرة دخلت أوضته، ولقيت حاجات اتحطت على رف عالي.
رف ما كانش يقدر يوصل له وهو قاعد.
وقلت لنفسي
يمكن نوال هي اللي حطتها.
لكن مرة تانية، بدأت ألاحظ إن عضلات رجليه شكلها اتغير.
ما بقتش ضعيفة بالشكل اللي كنت متوقعاه من راجل قضى شهور طويلة من غير ما يقف على رجليه.
كانت عضلاته باينة.
أقوى.
وأشد.
وفي كل مرة كنت أحاول أسأل، كانت الإجابة جاهزة.
التمارين هي اللي بتعمل كده.
أو
العلاج الطبيعي بدأ يجيب نتيجة.
أو
الدكتور قال إن الأعصاب بتتحسن.
وكان أحمد ونوال دايمًا متفقين على نفس الكلام.
نفس التفسير.
نفس التفاصيل.
لدرجة إني بدأت أحس إنهم متفقين مسبقًا على كل إجابة.
لكن وقتها، ما كنتش أعرف الحقيقة.
ما كنتش أعرف إن الموضوع ما كانش مجرد كذبة بدأت بعد الحادث.
الحقيقة كانت أسوأ بكتير.
لأن جوزي وحماتي كانوا بيمثلوا عليّا من فترة أطول بكتير مما كنت أتخيل وكان فيه سر اتخبّى عني من أول أيام الحادث.
الجزء التاني
في الشتا التالت بعد الحادث، كان أحمد لسه بيستقبلني كل يوم وهو قاعد على الكرسي

تم نسخ الرابط