بنتى اختفت ورجعت بطفلة
المحتويات
بسرعة ناحية الشباك وقفل الستائر.
وقال لي
يا مدام، ابعدي عن الشبابيك لو سمحتي.
حفيديَّ، آدم اللي عنده سبع سنين، وملك اللي عندها أربع سنين، كانوا واقفين في الطرقة.
بيبصوا للرضيعة كأنها ظهرت فجأة من قصة خيالية.
داليا بصت لهم وقالت
اطلعوا فوق مع تيتا.
قلت فورًا
لأ. إنتِ كمان هتطلعي معانا.
لكن الضابط هز راسه.
هي لازم تفضل هنا.
بصيت له بغضب
دي بنتي.
رد
والطفلة دي ممكن تكون دليل في قضية.
داليا انتفضت لما سمعت الكلمة.
دليل.
الرضيعة أصدرت صوتًا خافتًا.
داليا قربتها من صدرها، وباست رأسها وهمست
أنا آسفة.
لكنني ما عرفتش...
هل كانت بتعتذر للطفلة؟
ولا ليا؟
ولا لأولادها؟
من عشرة أيام فقط، داليا سابت آدم وملك عندي وقالت إنها راجعة قبل العشا.
وبعدها اختفت.
عشرة أيام وأنا بتخيل أبشع حاجات ممكن أم تتخيلها.
عربيتها وقعت في ترعة.
جثتها مرمية في مكان مهجور.
حد غريب يرد على تليفونها.
لكن الحقيقة كانت أغرب من كل الكوابيس دي.
بنتي رجعت...
وهي شايلة طفلة محدش يعرف إنها موجودة أصلًا.
بصيت لها وقلت
إنتِ عملتي إيه يا داليا؟
رفعت عينيها ناحيتي.
رجعتها.
رجعتيها؟ رجعتيها منين؟!
وقبل ما تجاوب...
الطفلة بدأت تعيط.
داليا فتحت البطانية شوية عشان تعدل وضعها.
وساعتها شفت دراع الرضيعة.
واتجمدت.
كان فيه علامات بنفسجية صغيرة على دراعها الشمال.
في البداية افتكرتها كدمات.
لكن لأ...
دي كانت آثار إبر.
قلت وأنا حاسة معدتي بتتقلب
يا نهار أبيض... إيه اللي عمل فيها كده؟
داليا غطت دراع الطفلة بسرعة.
كانوا بيعملوا عليها اختبارات.
مين؟!
داليا بصت ناحية الشباك المقفول.
وبصوت واطي جدًا قالت
الدكتور فؤاد نصار.
الاسم وقع عليَّ كالصاعقة.
أنا أعرف الاسم ده.
كل الناس في منطقتنا تعرفه.
الدكتور فؤاد نصار كان صاحب ومدير مركز الأمل للأسرة والخصوبة، مركز ولادة وخصوبة خاص كبير، على بعد حوالي نص ساعة من عندنا.
إعلاناته كانت في كل مكان.
غرف بيضا فخمة.
موسيقى هادية.
أمهات مبتسمات شايلين أطفالهم.
وفؤاد نصار يبص للكاميرا ويقول
كل طفل يستحق بداية آمنة.
هو نفسه كان الدكتور اللي تابع ولادة ملك.
داليا وثقت فيه.
وأنا كمان وثقت فيه.
واحد من الضباط قعد قدام داليا وسألها
الطفلة دي جبتيها منين بالضبط؟
من مركز الأمل.
إنتِ خرجتيها من المركز؟
أيوه.
ملامح الضابط اتغيرت.
يعني حضرتك بتقولي إنك خطفتيها؟
داليا بصت للرضيعة.
لأ.
أمال بنت مين؟
داليا رفعت عينيها...
وبصت لي مباشرة.
وقالت
بنتي أنا.
الصالة كلها سكتت.
أنا ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
وقلت
بنتك؟! إنتِ ما كنتيش حامل!
عارفة.
أنا أمك يا داليا! لو كنتِ حامل كنت هعرف!
بدأت دموعها تنزل.
يا ماما... أنا قلت إنها بنتي. ما قلتش إني أنا اللي ولدتها.
بعد حوالي خمس دقايق، وصلت عربيتين مدنيتين.
دخلت المحققة نهى سالم.
ست في أواخر الأربعينات، قصيرة، بدأ الشيب يظهر في شعرها، وصوتها هادي بطريقة غريبة.
وراها دخلت موظفة من حماية الطفل، شايلة شنطة طبية للرضع.
فحصوا السوار من غير ما يشيلوه.
وبعدين طلبوا يقفلوا كل الأجهزة.
موبايلي.
موبايلات الضباط.
حتى التلفزيون اتقفل.
المحققة نهى حطت كل الأجهزة داخل صندوق معدني مخصص للأدلة.
قلت
ممكن أفهم إيه اللي بيحصل؟
قالت
جهاز التتبع لسه بيبعت إشارة.
لمين؟
ده اللي بنحاول نعرفه.
داليا قالت فورًا
للمركز.
نهى بصت لها.
متأكدة؟
شفت الشاشة بنفسي.
شاشة إيه؟
ردت
الشاشة اللي عليها كل الأطفال.
موظفة حماية الطفل مدت إيديها عشان تاخد الرضيعة من داليا.
لأول مرة داليا قاومت.
ضمتها لصدرها.
هي تعبانة.
لازم نفحصها.
ما تودوهاش المستشفى المركزي.
ليه؟
داليا ردت
لأن فؤاد نصار له ناس هناك.
المحققة نهى قربت منها وقالت
داليا... لازم تحكي من البداية.
بنتي بصت للأرض.
وبعدين بصت ناحية السلم.
مش قدام آدم وملك.
أخدت الطفلين وطلعت بيهم فوق.
وقبل ما ندخل الأوضة، آدم وقفني.
وسألني
تيتا... البيبي دي أختنا؟
السؤال وجعني.
قلت
مش عارفة يا حبيبي.
قال
ماما قالت إن اسمها رحمة.
بصيت له بسرعة.
قالت لك إمتى؟
قبل ما تمشي.
اتجمدت إيدي على سور السلم.
من عشرة أيام؟!
هز راسه.
قالت لو رجعت ومعاها بيبي، لازم نكون كويسين معاها... عشان البيبي كانت لوحدها.
وقتها فهمت.
داليا كانت عارفة.
الحكاية ما بدأتش خلال الأيام العشرة اللي اختفت فيهم.
بنتي كانت مخططة لكل ده من قبل ما تسيب أولادها عندي.
لما رجعت للصالة، لقيت المحققة نهى حاطة جهاز تسجيل على الترابيزة.
داليا قاعدة وبطانية ملفوفة حوالين كتفها.
والرضيعة نايمة في سرير أطفال متنقل جنبها.
وقفت عند الباب.
داليا أخدت نفسًا طويلًا.
وقالت
من تلات شهور... وصلني جواب.
نهى سألت
من مين؟
ما كانش عليه اسم.
مكتوب فيه إيه؟
داليا سكتت ثواني.
ثم قالت
مكتوب إن واحد من الأجنة بتوعي... ما تمش التخلص منه.
حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
قبل خمس سنين، بعد ولادة ملك، داليا وطليقها كريم كانوا بيفكروا يجيبوا طفل تالت.
داليا كانت عملت علاج للخصوبة قبل حملها في الطفلين.
وكان فيه أجنة مجمدة متبقية.
بعد طلاقها من كريم...
الاتنين وقعوا أوراق رسمية بطلب التخلص من الأجنة المتبقية.
داليا فضلت أسبوع كامل بتعيط.
وبعدين قالت لي إن الموضوع انتهى.
قلت لها
بس المركز بعت لك تأكيد إنهم اتخلصوا منهم!
ردت
كدبوا علينا.
المحققة نهى سألت
يعني المركز احتفظ بجنين من غير إذنك؟
داليا هزت راسها.
مش واحد بس.
وبصت ناحية رحمة.
ثم قالت
زرعوا الجنين بتاعي في رحم ست تانية.
نهى سألت
من غير إذنك؟
ومن غير إذنها هي كمان.
الست اللي حملت في رحمة كان اسمها تسنيم.
عندها ستة وعشرين سنة.
مش متجوزة وقتها، وكانت بتتعالج في المركز بعد تعرضها لمشاكل حمل متكررة.
الدكتور فؤاد قال لها إنهم هيزرعوا لها جنينًا تم تكوينه من بويضة خاصة بها وحيوان منوي من متبرع، وفق الإجراءات اللي اتقالت لها.
لكن في الأسبوع الثامن والعشرين من الحمل...
تسنيم سمعت بالصدفة ممرضتين بيتخانقوا.
واحدة فيهم كانت بتتهم التانية إنها غيرت أرقام التعريف الموجودة على ملفات الأجنة.
تسنيم بدأت تسأل.
وبعد يومين فقط...
المركز أعلن إن حالتها النفسية أصبحت خطيرة.
حجزوها في غرفة خاصة.
أخدوا تليفونها.
ومنعوا الزيارات عنها.
وقالوا لأهلها إنها غير مستقرة نفسيًا ومش عايزة تشوف حد.
نهى سألت
طيب وصلت لداليا إزاي؟
قالت داليا
ممرضة ساعدتها.
اسمها؟
كارولين... أقصد كاريمان.
نهى بصت فورًا للضابط اللي جنبها.
وأنا كمان عرفت الاسم.
كاريمان كانت ممرضة اتبلغ عن اختفائها قبل اختفاء داليا بثمانية أيام.
صورتها ظهرت في الأخبار جنب صورة بنتي.
ستين مفقودتين.
قضيتين منفصلتين.
لكن الحقيقة...
إن القضيتين عمرهم ما كانوا منفصلين.
قالت نهى
كاريمان هي اللي بعتت لك الجواب؟
أيوه. وبعتت معاه تحاليل جينية وسجلات الأجنة... وصورة من توقيعي على طلب التخلص منها.
وصدقتيها؟
في الأول لأ.
داليا فتحت الجاكيت المتسخ اللي كانت لابساه.
ومن داخل البطانة...
طلعت فلاشة صغيرة كانت مخيطة جوه الجاكيت.
قالت
قابلتها.
فين؟
في استراحة على الطريق بره المحافظة.
وقالت لك إيه؟
بنتي رفعت عينيها وقالت
قالت إن مركز الأمل بيعمل كده من سنين.
كانوا بيستهدفوا الأسر اللي عندها أجنة محفوظة.
بعض الأهالي طلبوا التخلص منها.
بعضهم توقف عن دفع رسوم الحفظ.
وبعضهم سافر أو غير عنوانه ولم يعد يتواصل مع المركز.
فؤاد نصار كان بيسجل الأجنة دي رسميًا على إنها تم التخلص منها.
لكن في الحقيقة...
كان بيبيعها.
مش تبني قانوني.
ولا تبرع أجنة بموافقة أصحابها.
لكن ترتيبات سرية مع عملاء أغنياء مستعدين يدفعوا مبالغ ضخمة عشان يكون عندهم أطفال.
بعض الأطفال كانوا بيفضلوا مع الستات اللي حملوا فيهم.
لكن أطفال تانيين...
لأ.
سألت
يعني إيه لأ؟
وش داليا شحب.
وقالت
فؤاد كان هو اللي بيقرر مين يستحق ياخد الطفل.
رحمة اتحركت داخل السرير الصغير.
داليا فضلت باصة لها.
ثم قالت
تسنيم ما كانش مفروض تخرج من المركز وهي معاها رحمة.
حسب الملفات...
تسنيم كانت بالنسبة لهم مجرد حاضنة للجنين.
بعد الولادة، كان المفروض رحمة تتسلم لزوجين
متابعة القراءة