بنتى اختفت ورجعت بطفلة
بنتي طلبت مني أقعد مع أولادها شوية...
اختفت بعدها لمدة عشرة أيام كاملة.
ولما رجعت...
كانت شايلة طفل حديث الولادة بين إيديها!
في اليوم اللي بنتي داليا سابت عندي حفيديَّ، آدم وملك، كانت هادية جدًا.
مفيش في شكلها أي حاجة غريبة.
بالعكس...
قربت من الطفلين، باست كل واحد فيهم، وبعدها مدت لي شنطة ظهر صغيرة فيها شوية هدوم وحاجاتهم الضرورية.
ابتسمت لي وقالت
هرجع قبل العشا يا ماما.
كنت سمعت الجملة دي منها مئات المرات قبل كده.
داليا كانت ساعات تسيب الأولاد عندي عشان تخلص مشوار، تروح شغل، تقابل حد، أو حتى تاخد لنفسها كام ساعة وترجع.
عشان كده...
مفيش أي حاجة في الصبح ده خلتني أقلق.
كل شيء كان طبيعي.
إلا حاجة واحدة بس...
قبل ما داليا تركب عربيتها، وقفت عند باب العربية.
وبعدين لفت وبصت ناحية البيت.
فضلت باصة له لثواني طويلة.
نظرتها كانت غريبة.
كأنها...
بتحاول تحفظ شكل البيت في ذاكرتها.
أو كأنها مش متأكدة إنها هتشوفه تاني.
وقتها كنت هانادي عليها وأسألها
داليا... إنتِ كويسة؟
لكنني ما سألتش.
اكتفيت إني رفعت إيدي ولوحت لها.
هي كمان لوحت لي.
ركبت عربيتها...
ومشيت.
وده كان آخر مرة أشوف فيها بنتي...
لمدة عشرة أيام كاملة.
جاء وقت العشا.
داليا ما رجعتش.
في الأول ما قلقتش.
قلت يمكن اتعطلت.
يمكن مشوارها طول.
يمكن قابلت واحدة صاحبتها.
عدت ساعة...
واتنين...
وتلاتة.
والليل دخل.
اتصلت بيها.
التليفون كان مقفول.
حاولت مرة تانية.
مقفول.
بعت لها رسايل.
مفيش رد.
عدى نص الليل.
وبدأت أقلق بجد.
آدم وملك ناموا عندي.
أما أنا...
ما عرفتش أنام.
فضلت قاعدة في الصالة والموبايل في إيدي، وكل شوية أبص ناحية الشباك، مستنية أشوف نور عربيتها وهي داخلة الشارع.
لكن الصبح طلع...
وداليا ما رجعتش.
اتصلنا بالشرطة.
وبدأ البحث عنها.
في الأول، كلنا كنا متخيلين إن الموضوع ممكن يكون بسيط.
حادثة.
مشكلة في العربية.
تليفونها ضاع.
أي تفسير...
إلا إنها اختفت بإرادتها.
لكن مع مرور الساعات، الموضوع بقى أغرب.
موبايل داليا كان مغلقًا تمامًا.
بطاقاتها البنكية لم تُستخدم.
ولا جنيه واحد اتسحب من حساباتها.
عربيتها نفسها...
اختفت.
الشرطة دورت عليها.
راجعوا الطرق.
سألوا أصحابها.
سألوا زمايلها.
بحثوا في المستشفيات.
حاولوا يوصلوا لأي كاميرا ممكن تكون صورت عربيتها.
لكن كل يوم كان بينتهي بنفس النتيجة.
لا شهود.
لا كاميرات سجلت حاجة مفيدة.
لا عربية.
لا مكالمات.
ولا أي خيط يدلنا داليا راحت فين.
كأن بنتي خرجت من بيتي...
وبعدها اختفت من على وش الأرض.
وفي وسط كل ده...
كنت أنا فجأة مسئولة عن طفلين مرعوبين.
ملك كانت كل شوية تسألني
ماما هترجع إمتى؟
وآدم، رغم إنه كان بيحاول يبان قوي قدام أخته، كان بيصحى بالليل ويسألني
تيتا... هي ماما سابتنا؟
كنت أضمه وأقول
لأ يا حبيبي... ماما أكيد راجعة.
لكن الحقيقة؟
أنا نفسي ما كنتش عارفة إذا كانت هترجع أصلًا ولا لأ.
كل ليلة كنت بنام وأنا حاطة الموبايل جنب ودني.
وكل صوت عربية في الشارع كان بيخليني أقوم أجري على الشباك.
مر يوم.
واتنين.
وتلاتة.
أسبوع كامل.
ولا أثر لداليا.
وبدأت الأفكار السودا تدخل دماغي.
يمكن حد خطفها.
يمكن حصل لها حادث.
يمكن...
كنت بخاف حتى أكمل الفكرة.
لحد ما جاء اليوم العاشر.
كان لسه الفجر طالع.
الشمس بدأت تنور الشارع، وأنا تقريبًا ما كنتش نمت طول الليل.
وفجأة...
سمعت صوت عربية وقفت قدام البيت.
في البداية ما اهتمتش.
لكن بعد ثواني، حسيت إن الصوت مألوف.
قمت بسرعة واتجهت ناحية الشباك.
وأول ما بصيت...
قلبي وقف.
كانت عربية داليا.
نفس العربية اللي الشرطة بتدور عليها بقالها عشرة أيام.
كانت واقفة قدام بيتي.
جريت ناحية الباب.
فتحته وخرجت حافية تقريبًا من شدة الاستعجال.
باب العربية اتفتح...
ونزلت بنتي.
داليا!
كنت عايزة أجري عليها وأحضنها.
كنت عايزة أصرخ فيها.
كنت عايزة أسألها كانت فين.
لكن أول ما قربت منها...
وقفت مكاني.
داليا ما كانتش بالشكل اللي خرجت بيه من عندي.
كانت مرهقة جدًا.
وشها شاحب.
شعرها مبهدل.
هدومها متسخة.
وتحت عينيها هالات غامقة، كأنها ما نامتش من أيام.
وبعدين لاحظت حاجة تانية.
كان فيه أثر كدمة جديدة حوالين معصم إيدها.
لكن حتى الكدمة ما كانتش أكتر حاجة صدمتني.
لأن داليا...
كانت شايلة حاجة بين إيديها.
في الأول افتكرتها بطانية.
لكن بعدها سمعت صوتًا خافتًا.
صوت طفل.
بصيت كويس.
واتجمدت.
كان فيه رضيع حديث الولادة بين إيدي بنتي.
طفل صغير جدًا...
ملفوف في بطانية.
عقلي حرفيًا رفض يستوعب المنظر.
بصيت للطفل.
وبعدين لداليا.
وبعدين رجعت أبص للطفل تاني.
مستحيل.
داليا لم تكن حاملًا.
أنا أمها.
كنت بشوفها باستمرار.
من عشرة أيام فقط كانت واقفة قدامي.
مفيش بطن.
مفيش حمل.
مفيش أي شيء.
فمن أين جاء هذا الطفل؟!
فتحت فمي عشان أسألها.
لكن قبل ما أنطق بكلمة واحدة...
داليا بصت مباشرة في عيني.
وقالت بصوت هادي جدًا
أرجوكي يا ماما... ما تسألينيش عن أي حاجة.
بصيت لها وأنا مش مصدقة.
داليا، إنتِ...
قاطعتني
مش دلوقتي.
وبكل هدوء...
عدت من جنبي ودخلت البيت.
وأنا دخلت وراها وأنا حاسة إني ماشية في حلم.
أو كابوس.
آدم وملك كانوا صحيوا على صوتنا.
أول ما شافوا أمهم، جروا عليها.
ماما!
ملك حضنت رجلها وهي بتعيط.
وآدم فضل يسألها
كنتِ فين؟ إحنا دورنا عليكي! تيتا قالت إن الشرطة بتدور عليكي!
لكن داليا لم تجب.
بدلًا من كده...
قعدت على الكنبة.
وشالت طرف البطانية عن وش الرضيع.
وبدأت تعرف الطفل لأولادها.
بكل هدوء.
كأن اللي بيحصل طبيعي جدًا.
كأن الطفل ده كان موجود في حياتنا من سنين.
كأنها لم تختفِ عشرة أيام.
وكأن الشرطة لم تبحث عنها.
وكأنها لم تعد إلى البيت فجأة وهي تحمل رضيعًا مجهولًا.
وقفت أراقبها للحظات.
وشعور سيئ جدًا بدأ يكبر جوايا.
حاجة في الموضوع كانت غلط.
غلط بشكل مرعب.
بصيت للكدمة اللي على إيد بنتي.
وبصيت للطفل.
وبصيت للطريقة الغريبة اللي داليا كانت بتتصرف بيها.
وبهدوء...
رجعت خطوتين لورا.
دخلت المطبخ.
قفلت الباب نص قفلة.
طلعت موبايلي.
واتصلت بالطوارئ.
قلت لهم إن بنتي المفقودة من عشرة أيام رجعت فجأة.
وإنها تحمل طفلًا حديث الولادة لا أعرفه.
وإنها ترفض أن تخبرني أين كانت أو من أين جاء الطفل.
أقل من عشرين دقيقة...
وسمعت خبطًا على الباب.
اتنين من ضباط الشرطة وصلوا.
دخلوا البيت.
داليا كانت لسه قاعدة على الكنبة.
والرضيع بين إيديها.
واحد من الضباط قرب منها بحذر.
وقال لها بصوت هادي
يا مدام داليا... محتاجين ناخد الطفل منك دلوقتي.
كنت متوقعة إنها تصرخ.
أو تضم الطفل لصدرها.
أو ترفض.
لكن اللي حصل كان أغرب.
داليا لم تقاوم.
لم تعترض.
حتى إنها لم تبدُ خائفة.
رفعت عينيها للضابط...
وابتسمت.
ابتسامة هادية جدًا.
وبعدين قالت
لازم تعملوا مسح للكاحل.
الضابط وقف مكانه.
إيه؟
داليا كررت
كاحل الطفل... افحصوه.
بص الضابط لزميله.
وبعدين مد إيده وأخذ الرضيع بحذر.
رفع طرف البطانية.
الطفل كان لابس شراب صغير.
نزعه الضابط ببطء.
وأنا واقفة على بعد خطوات، مش فاهمة إحنا بندور على إيه.
لكن في اللحظة اللي ظهر فيها كاحل الطفل...
ملامح الضابط اتغيرت تمامًا.
اختفت النظرة الهادية من وشه.
قرب كاحل الرضيع من عينيه.
بص له لثانية...
ثانيتين...
ثم رفع عينيه ناحية داليا.
ما قالش ولا كلمة.
مد إيده فورًا لجهاز اللاسلكي المعلق في كتفه.
ضغط عليه بسرعة...
وقال بصوت مختلف تمامًا عن صوته من لحظات
المركز... معايا حالة محتاجة دعم فوري.
سكت لحظة وهو ما زال محدقًا في كاحل الطفل.
ثم أكمل
وابعتوا فريق التحقيق حالًا.
وقتها...
أنا فهمت إن بنتي لم تعد إلى البيت ومعها مجرد طفل مجهول.
داليا رجعت ومعاها شيء كانت الشرطة نفسها بتدور عليه.
الضابط شال الشراب الصغير من رجل الرضيعة.
كان حوالين كاحلها سوار بلاستيك أبيض.
لكن ده ما كانش سوار مستشفى عادي.
كان أرفع بكتير، وفيه مربع أسود صغير جدًا مزروع جنب القفل.
الضابط بص له لمدة نص ثانية تقريبًا...
وفجأة مد إيده لجهاز اللاسلكي وقال بسرعة
المركز، محتاج مباحث الجرائم الكبرى وحماية الطفل فورًا على العنوان ده. عندنا اشتباه في جهاز تتبع شغال... وفيه رضيعة في الموضوع.
بنتي داليا كانت قاعدة على الكنبة، حاطة إيديها الاتنين فوق بعض في حجرها.
الغريب إنها ما اتفاجئتش.
بالعكس...
لأول مرة من ساعة ما رجعت، حسيت إن وشها ارتاح.
وقفت بين الضابط وبينها وقلت
يعني إيه جهاز تتبع؟ مين بيتتبع طفلة رضيعة؟!
الضابط التاني اتحرك