اضحكي ليا انا وبس
ابتسمي ليا أنا وبس ولما رفعت عيني، المطعم كله عرف إن أخطر راجل في البلد اختارني
لو كنت أعرف إن الليلة دي هتغيّر حياتي للأبد مكنتش دخلت المطعم أصلًا.
بس أنا وقتها كنت شايلة صينية أكل أغلى من فاتورة الكهربا بتاعتي، وكل اللي كان شاغل بالي إني أخلص الشيفت وألحق أروح أطمن على أمي.
اسمي سلمى حسن، عندي أربعة وعشرين سنة، وبشتغل ويتر في أفخم مطعم في وسط القاهرة.
كنت فقيرة، مرهقة، ومشغولة طول الوقت بمحاولة أخلي حياتي ما تقعش فوق دماغي.
أمي من سنتين كانت اتعرضت لجلطة.
من يومها وهي محتاجة رعاية مستمرة، وأنا كل يوم بصحى على نفس الدوامة
شغل
فلوس
مصاريف علاج
مركز رعاية
وبعدين شغل تاني.
كنت بدرس تمريض زمان، وكان نفسي أبقى ممرضة.
بس الأحلام ساعات بتبقى رفاهية لما تكوني مسؤولة عن بيت كامل لوحدك.
المطعم اللي بشتغل فيه كان اسمه قصر النيل.
مكان من النوع اللي الناس فيه بتطلب زجاجة مشروب بآلاف الجنيهات وكأنهم بيطلبوا إزازة مية.
ثريات ضخمة، رخام لامع، ستاير تقيلة، موسيقى هادية، وناس بتضحك بصوت واطي لأن حتى ضحكتهم كانت غالية.
أما أنا؟
كنت مجرد جزء من الديكور.
يونيفورم أسود.
شعر مربوط.
ابتسامة محفوظة.
وصوت هادي.
تحت أمرك يا فندم.
صحة وهنا.
مساء الخير.
وبس.
كنت متعودة أبقى غير مرئية.
لحد ما دخل هو.
آدم الديب.
أول ما باب المطعم اتفتح، الكلام اتقطع.
مش لأن حد طلب من الناس تسكت.
لكن لأن وجوده لوحده كان كفاية.
راجل طويل، عريض الكتفين، لابس بدلة سوداء مفصلة عليه كأنها معمولة مخصوص عشان تخلي الناس تخاف.
وشعره أسود مرتب، وملامحه هادية بشكل يخوف.
لكن أكتر حاجة لفتتني كانت عينه.
بني غامق، وفيها لمعة ذهبية غريبة.
بصيتله ثانيتين وبعدين نزلت عيني بسرعة.
إنتي بتبصي على مين؟
صوت زميلتي دينا خلاني أتنفض.
همست
مين ده؟
بصتلي كأني سألتها عن قنبلة.
آدم الديب.
مين؟
قربت مني وقالت بصوت واطي
إنتي جديدة ولا إيه؟ ده الديب بنفسه.
ابتسمت بتوتر.
يعني إيه الديب؟
دينا بلعت ريقها.
يعني العيلة اللي محدش بيحب يسأل هي بتشتغل في إيه بالظبط.
سكت.
كنت سمعت اسم الديب قبل كده.
رجال أعمال.
شركات.
موانئ.
عقارات.
نوادي.
لكن كان فيه كلام تاني بيتقال في السر.
إن عيلة الديب ليها نفوذ في كل حاجة بتحصل في المدينة بعد نص الليل.
وإن آدم، من بعد اختفاء أبوه الغامض من سنتين، بقى هو صاحب الكلمة الأخيرة.
ابعدي عن ترابيزة رقم تمانية.
قالتها دينا وهي ماسكة دراعي.
ضحكت.
اطمني، هو مش هيلاحظني أصلًا.
بس كنت غلطانة.
غلطانة جدًا.
عدت الساعات وأنا بحاول أتجنب ترابيزة تمانية.
لحد الساعة واحدة إلا ربع.
وفجأة سمعت صوت مدير المطعم، الأستاذ حسام.
سلمى!
بصيتله.
أيوه يا أستاذ حسام؟
خدي ترابيزة تمانية.
اتجمدت.
أنا؟
أيوه إنتي.
بس
قاطعني
الويتر اللي هناك مشي. ودي أهم ترابيزة في المطعم. متغلطيش.
ناولني زجاجة نبيذ مستورد.
إيدي اترعشت لما شفت سعرها.
الزجاجة دي لو اتباعت كانت ممكن تدفع إيجار شقتنا كام شهر.
حملتها وبدأت أمشي.
كل خطوة ناحية ترابيزة تمانية كانت بتحسّسني إني ماشية ناحية مصيبة.
وصلت.
سكتت الترابيزة كلها.
رفعت عيني.
آدم كان باصصلي.
مش للزجاجة.
مش للصينية.
ليا أنا.
قلت بصوت ثابت على قد ما قدرت
مساء الخير يا فندم. أنا سلمى، وهكون مسؤولة عن خدمتكم لباقي السهرة.
ما ردش.
فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال
سلمى.
كرر اسمي كأنه بيحفظه.
أيوه يا فندم.
افتحيها.
فتحت الزجاجة.
صبّيت له.
داق نقطة صغيرة.
وبعدين حط الكوباية على الترابيزة.
كويس.
رجعت أصب للباقيين.
لما وصلت لرجل كبير قاعد جنبه، لابس بدلة رمادي وساعة باين تمنها من آخر القاعة، بصلي من فوق لتحت.
ابتسم ابتسامة مقرفة.
وقال
إنتي حلوة أوي.
سكت.
مد إيده ناحية الكوباية وقال
طب مفيش ابتسامة كده يا قمر؟
حاولت أبتسم.
مش عشان هو يستاهل.
عشان دي شغلتي.
لكن قبل ما ابتسامتي تكتمل
صوت آدم قطع المكان.
هادئ جدًا.
ابتسمي ليا أنا وبس.
الصمت نزل على المطعم كله.
الرجل الكبير سحب إيده بسرعة.
أنا مقصدتش يا آدم بيه.
آدم ما بصلهوش حتى.
كان لسه باصصلي.
روحي كملي شغلك يا سلمى.
هزيت راسي.
حاضر.
لفيت ومشيت.
بس قلبي كان بيخبط بعنف.
لأني لأول مرة في حياتي حسيت إن جملة بسيطة ممكن تكون أخطر من تهديد صريح.
أول ما دخلت المطبخ، دينا جريت عليا.
إيه اللي حصل؟
ولا حاجة.
متقوليش ولا حاجة! المطعم كله سكت لما اتكلم!
قبل ما أرد، الأستاذ حسام دخل بسرعة.
وشه كان أصفر.
سلمى.
أيوه؟
آدم بيه عايزك.
قلبي وقع.
ليه؟
اتردد لحظة.
قال الحساب.
استغربت.
الحساب؟
هز راسه.
أيوه.
مسحت إيدي في المريلة ومشيت.
رجعت للترابيزة.
آدم كان لوحده تقريبًا.
الراجل اللي طلب مني أبتسم كان قاعد ساكت، ووشه متوتر.
آدم أشار للكرسي المقابل.
اقعدي.
بصيتله باستغراب.
أنا؟
أيوه.
قعدت على طرف الكرسي.
مد إيده بملف جلدي.
فتحته.
جواه الحساب.
مدفوع بالكامل.
لكن كان فيه حاجة تانية.
ظرف.
فتحته وأنا مترددة.
ولما شفت الرقم
اتنفست بصعوبة.
المبلغ كان يكفي مصاريف علاج أمي لفترة طويلة.
رفعت عيني بسرعة.
أنا مش هقدر آخد ده.
هتقدري.
ليه؟
ميل بجسمه للأمام.
لأنك النهارده وقفتي ثابتة قدام راجل كان فاكر إن الفلوس بتديله حق يقلل من الناس.
بصيت للرجل الكبير.
آدم كمل
اسمه كمال الشناوي.
كمال اتوتر.
وهو مش مجرد زبون.
سكت.
آدم قال
كمال عنده علاقات مع ناس في أماكن حساسة. وكان فاكر إن الليلة دي هتعدي زي أي ليلة.
أي ليلة؟
آدم ما ردش.
لأن في اللحظة دي
باب المطعم اتفتح.
دخل أربعة رجال.
اتنين منهم شرطة.
وواحد لابس بدلة رسمية عليها شارة جهة حكومية.
كمال وقف فجأة.
إيه ده؟
واحد من الضباط قال
كمال الشناوي؟
وشه اتغير.
أيوه.
أنت مطلوب للتحقيق في قضية غسيل أموال وابتزاز وشبكة فساد.
بصيت لآدم.
كان هادي جدًا.
ولا كأنه اتفاجئ.
همست
إنت كنت عارف؟
رفع عينه ليا.
كنت مستنيهم.
طب أنا مالي؟
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي هتفضل تطاردني سنين
إنتي مش الهدف يا سلمى إنتي الشاهدة.
اتجمدت.
شاهدة على إيه؟
آدم فتح الملف تاني.
طلع منه صورة.
وحطها قدامي.
كانت صورتي.
أنا.
وأنا بخدم الترابيزة.
لكن الصورة التانية كانت أخطر.
كانت بتصور كمال وهو بيسلم ظرف لرجل تاني.
وأنا
واقفة جنبهم.
سمعت آدم يقول
الظرف اللي شوفتيه وهو بيسلمه الليلة دي، فيه أسماء ناس كبار.
بلعت ريقي.
وأنا شفت إيه بالظبط؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
هتعرفي بكرة.
وقبل ما أقدر أسأله، واحد من رجال الشرطة قرب من الترابيزة.
لكن آدم رفع إيده.
استنى.
بصلي.
في حاجة أهم.
إيه؟
قرب الملف مني.
وفي اللحظة دي، الموبايل اللي في جيبي رن.
طلعت التليفون.
رقم مركز رعاية أمي.
رديت بسرعة
ألو؟
جالي صوت الممرضة مرعوب
مدام سلمى لازم تيجي حالًا.
قلبي انقبض.
ماما حصلها إيه؟
سكتت ثانيتين.
وبعدين قالت
في راجل جه هنا وسأل عليها بالاسم.
مين؟
مش عارفة بس قبل ما يمشي قال حاجة غريبة جدًا.
قال إيه؟
الممرضة خفضت صوتها
قال لنا نقولك إن آدم الديب مش هيقدر يحميكي من اللي جاي.
بصيت قدامي.
آدم كان لسه واقف.
ولأول مرة
شوفت حاجة مختلفة في عينه.
الخوف.
ومعاه فهمت إن اللي حصل الليلة دي في المطعم
مكانش البداية.
كان مجرد أول خيط في سر أكبر بكتير من حياتي كلها.
الجزء الثاني اللي بيدور عليكي مش جاي يسألك
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش قادرة أنطق.
صوت الممرضة لسه بيرن في ودني
آدم الديب مش هيقدر يحميكي من اللي جاي.
رفعت عيني ناحية آدم.
كان واقف قدامي، ساكت، لكن ملامحه اتغيرت تمامًا.
قلت بصوت مرتعش
إنت سمعت؟
هز راسه.
أيوه.
مين الراجل اللي راح لماما؟
مردش.
قرب مني خطوة.
ماما في مركز الرعاية دلوقتي؟
أيوه.
هنروح لها.
هنروح؟
أيوه.
ضحكت بعصبية.
إنت فاكر إن بعد كل اللي حصل ده، هركب عربيتك وأروح معاك عادي؟
بص في عيني.
لو فضلتِ هنا خمس دقايق كمان، ممكن ما تلحقيش تروحي أصلًا.
سكت.
الجملة كانت مرعبة.
لكن اللي خوّفني أكتر
إنه قالها من غير ذرة مبالغة.
خرجنا من باب المطعم الخلفي.
كان فيه عربية سوداء مستنية.
فتحت الباب ووقفت مكاني.
أنا مش هركب.
آدم بصلي.
سلمى.
إنت أخطر من كل الناس اللي حوالينك.
سكت لحظة.
وبعدين قال بهدوء
ممكن.
اتصدمت من إجابته.
إنت معترف؟
أنا مش هكدب عليكي.
قرب مني وقال
بس الليلة دي، الخطر الحقيقي مش أنا.
بصيت وراه.
في آخر الشارع، عربية فضية كانت واقفة من غير أنوار.
آدم لمحها.
وفجأة اتغيرت ملامحه.
اركبي.
ليه؟
دلوقتي.
ركبت.
هو ركب جنبي، والسائق انطلق بسرعة.
بعد ثواني، العربية الفضية بدأت تتحرك ورانا.
قلبي بدأ يخبط.
هما بيتابعونا؟
آدم ما ردش.
بس مد إيده تحت المقعد وطلع مسدسًا.
شهقت.
إنت بتعمل إيه؟!
قال