الولد صرخ وقال امى فى الزبالة
المحتويات
كمان كان لسه هناك.
الطفل كان متكور على نفسه جنب الحيطة.
وشه شاحب جدًا.
وشفايفه بدأت تزرق من برد الفجر.
وكان لسه ضامم الدبدوب القديم على صدره بنفس القوة.
أول ما سمع صوت موتور العربية، فتح عينيه.
شاف عمر.
حاول يقوم، لكنه اترنح وكاد يقع.
وقال بصوت ضعيف
رجعت...
كأنه نفسه مش مصدق إن الراجل اللي سابه ومشي رجع فعلًا.
عمر نزل بسرعة من العربية واتجه ناحيته.
إنت فضلت هنا طول الليل؟!
آدم هز راسه.
أيوه.
ليه ما رحتش أي مكان دافي؟
الطفل بص ناحية صندوق القمامة وقال
ماما كانت بتخاف من الضلمة.
وسكت لحظة.
ماكنتش عايز أسيبها لوحدها.
الجملة دي كسرت حاجة جوا عمر.
المرة دي ما حاولش يقاوم إحساسه.
طلع موبايله فورًا واتصل باللواء خالد مراد، ضابط كبير يعرفه من سنين وكان مدين له بأكتر من خدمة.
أول ما خالد رد، عمر قال من غير مقدمات
محتاج عربية شرطة وإسعاف في الشارع الخلفي للسوق. حالًا.
خالد استغرب.
حصل إيه؟
عمر بص للصندوق.
ممكن يكون فيه ست محبوسة جوه صندوق قمامة.
سكت الطرف التاني.
وبعدين عمر سمع ضحكة صغيرة مش مصدقة.
عمر... إنت بتتكلم بجد؟
رد عمر بصرامة
عمري ما كنت جاد بالشكل ده.
بعد وقت قصير، صوت عربيات الشرطة بدأ يقرب.
السكان وأصحاب المحلات بدأوا يطلوا من الشبابيك.
الراجل صاحب عربية الأكل اللي كان موجود امبارح وقف شغله.
والست بتاعة الخضار اللي كانت شايفة آدم من اليوم اللي فات عملت علامة خوف وهي شايفة الطفل واقف لازق في عمر كأنه آخر شخص ممكن يحميه.
نزل اللواء خالد من العربية وملامح الضيق واضحة على وشه.
بص للصندوق.
وبعدين بص للطفل.
وقال
كل ده علشان كلام طفل؟
عمر ثبت عينه فيه.
وقال كلمتين بس
افتح الصندوق.
خالد أشار لاثنين من أفراد الشرطة.
قربوا من الصندوق.
واحد منهم خبط على الغطا الحديد.
مرة.
مرتين.
ثلاثة.
مفيش صوت.
بص لزميله، وبعدين قال
مفيش أي حاجة يا فندم.
خالد كان هيتكلم...
لكن آدم فجأة فلت من إيد عمر.
جري ناحية الصندوق بكل قوته.
وحط إيديه الصغيرة على الحديد وصرخ
ماما!
الناس كلها سكتت.
ماما! أنا آدم!
صوته كان بيرتد بين حيطان الشارع.
جبتلك ناس تساعدك! أنا جبت المساعدة يا ماما!
ثانية مرت.
ولا حاجة حصلت.
ثانيتين.
ثلاثة.
أحد أفراد الشرطة بدأ يهز راسه.
لكن فجأة...
دق.
صوت خافت جدًا جه من جوه الصندوق.
الجميع تجمد.
وبعد لحظات...
دق.
صوت تاني.
ضعيف.
جاف.
كأنه إيد بتحاول تخبط من الداخل، لكن صاحبها مش قادر يرفعها.
الصمت نزل على الشارع كله.
اللواء خالد وشه اتغير.
اختفت منه كل علامات الاستهزاء.
صرخ فورًا
افتحوه!
الشرطة حاولت ترفع الغطا، لكنه كان عالق بسبب الصدأ.
واحد منهم جاب عتلة حديد.
دخلها تحت الغطا.
ضغط بكل قوته.
الحديد بدأ يصرّ بصوت مزعج.
لحد ما...
اتفتح.
في نفس اللحظة، طلعت ريحة خانقة.
رطوبة.
قمامة متعفنة.
وأكل فاسد.
وريحة مكان مقفول من وقت طويل.
ست من الواقفين صرخت.
واحد من أفراد الشرطة رجع خطوة للخلف من هول اللي شافه.
لأن تحت أكياس الزبالة السوداء...
والكرتون...
وبقايا الأكل...
كانت فيه ست.
كانت سلمى، أم آدم.
فستانها المشجر كان مقطوع.
وشها مليان آثار ضرب.
معصميها عليهم جروح غائرة واضحة.
وشعرها ملزق في وشها وفيه دم ناشف.
جسمها كان متني بطريقة مؤلمة، كأن الشخص اللي رماها هناك ماكانش فارق معاه تعيش أو تموت.
كأنه رماها علشان تختفي من الدنيا.
لكنها...
كانت لسه بتتنفس.
بصعوبة شديدة.
لكن عايشة.
ماماااا!
صرخة آدم خلت كل الموجودين يبصوا له.
الطفل حاول يطلع فوق الصندوق.
لكن عمر لحقه.
مسكه من وسطه وضمه لصدره بقوة.
سيبني! ماما! سيبني أروح لماما!
سلمى حركت جفنها بصعوبة.
فتحت عينها جزء صغير جدًا.
وشفايفها المتشققة اتحركت وهي بتحاول تاخد نفس.
وبصوت يكاد مايتسمعش قالت
آ...دم...
الطفل انهار في العياط.
أنا هنا يا ماما! أنا هنا! ما سبتكيش! والله ما سبتك!
صوت الإسعاف وصل وسط صراخه.
المسعفين نزلوا بسرعة.
وبدأوا يطلعوا سلمى بحذر شديد.
وفي الوقت نفسه، خالد بدأ يدي أوامر للشرطة
محدش يلمس حاجة!
اقفلوا المكان!
عايز تصوير لكل حاجة جوه الصندوق!
وهاتولي كاميرات الشارع والمحلات اللي حواليه!
أما الناس اللي كانوا بيضحكوا على آدم قبل ساعات...
فكان شكلهم مختلف تمامًا.
بعضهم كان بيعيط.
بعضهم ماسك موبايله وبيصور.
وآخرون واقفين حاطين إيديهم على بوقهم من الصدمة.
وعمر...
كان واقف مكانه.
مش قادر يتحرك.
وعقله بيكرر سؤالًا واحدًا
كان هيحصل إيه لو ما رجعتش؟
ماذا لو سلمى ماتت هناك؟
ماذا لو آدم فضل يخبط على الأبواب لحد ما أمه تلفظ آخر نفس؟
والأسوأ...
إنه هو نفسه كان واحدًا من الناس اللي رفضوا يصدقوه.
في المستشفى، مرت ساعات طويلة قبل ما سلمى تستعيد وعيها.
الأطباء قالوا إنها كانت مصابة بجفاف شديد، وكدمات وإصابات متعددة في جسمها، وإنها كانت في حالة خوف وصدمة عصبية شديدة.
آدم كان مستني برا.
وعمر رفض يمشي.
لما أخيرًا سمحوا لهم يدخلوا، أول شخص شافته سلمى كان ابنها.
بمجرد ما عينيها وقعت عليه...
بدأت تعيط.
من غير صوت.
آدم جري ناحية السرير.
ماما...
مدت صوابعها المرتعشة ولمست شعره.
اللواء خالد كان واقف جنب السرير.
انتظر شوية قبل ما يسألها
مين عمل فيكي كده يا مدام سلمى؟
الخوف ظهر فورًا في عينيها.
بصت لابنها.
وبعدين بصت لعمر.
وأخيرًا قالت
أخويا...
خالد قرب.
اسمه إيه؟
سلمى بلعت ريقها بصعوبة.
حسام.
الاسم وقع في الأوضة كالحجر.
عمر افتكر فورًا كلام آدم من اليوم اللي فات
خالي حسام هو اللي حطها جوه. أنا شوفته.
خالد سأل
ليه أخوكي يعمل فيكي كده؟
سلمى أغمضت عينيها للحظة.
وبعدين بدأت تتكلم.
كان عايزني أمضي له على بيت أبويا وأمي.
خالد عقد حواجبه.
البيت ملكك؟
جزء كبير منه باسمي بعد وفاة أهلي... وكمان كان عايز فلوس آدم.
عمر سأل
فلوس آدم؟
بصت له سلمى.
أبوه قبل ما يموت ساب له مبلغ في حساب باسمه... مايتصرفش فيه غير لما يكبر. حسام كان عايزني ألاقي طريقة أسحب الفلوس أو أتنازل عنها.
صوتها بدأ يرتعش.
ولما رفضت...
سكتت.
دموعها نزلت.
ضربني.
آدم مسك إيد أمه.
سلمى كملت
وبعدها اداني حاجة... مش عارفة كانت إيه. حسيت جسمي كله بقى تقيل ومابقتش قادرة أقاوم.
عمر كان قابض إيده بقوة.
وبعدين؟
سلمى بصت للسقف.
قال لي إن محدش هيصدقني.
خالد سأل
قالك كده؟
أيوه.
وبصوت مخنوق، كملت
قال لي إنتِ أرملة فقيرة ومش معاكي حد... وأنا راجل الناس كلها بتحترمني. مين هيصدقك إنتِ؟
عمر حس الدم بيغلي في عروقه.
لكن اللي حصل بعد كده أثبت إن حسام كان مجهز كل حاجة من قبلها.
في نفس الليلة...
ظهر حسام على كل القنوات تقريبًا.
راجل مهندم.
قميصه نضيف.
صوته هادي.
وعينيه مليانة دموع بدت حقيقية لأي شخص مايعرفش الحقيقة.
وقف قدام الكاميرات وقال
أختي سلمى بتمر بظروف نفسية صعبة جدًا من بعد وفاة جوزها.
مسح دموعه.
بدأت تشوف حاجات مش موجودة... وتقول كلام غريب.
وبعدين قال الجملة الأخطر
للأسف، حاولت تأذي نفسها قبل كده.
المذيع سأله
يعني حضرتك بتقول إن الإصابات اللي عليها ممكن تكون نتيجة محاولة إيذاء نفسها؟
حسام تنهد.
أنا مش عايز أتهم أختي بأي حاجة. دي أختي وأنا بحبها... كل اللي كنت عايزه إني أدخلها مكان متخصص تتعالج فيه.
ثم أضاف
وأحمي ابنها منها لحد ما تتحسن.
عمر كان بيتفرج على اللقاء من المستشفى.
وماكانش مصدق.
حسام قلب القصة كلها.
في ساعات قليلة...
حوّل نفسه من متهم إلى أخ حنون.
وحوّل سلمى...
من ضحية إلى متهمة.
والأسوأ إن خطته نجحت مؤقتًا.
في اليوم التالي، وصل موظفون من الرعاية الاجتماعية للمستشفى.
آدم كان قاعد جنب سرير أمه لما دخلوا.
قالت واحدة منهم
لازم الطفل ييجي معانا مؤقتًا لحد ما التحقيقات والتقييمات تخلص.
سلمى انتفضت رغم تعبها.
لأ!
آدم استخبى جنبها.
مش همشي!
الموظفة حاولت تهديه.
يا حبيبي، ده إجراء مؤقت.
ماما مش مجنونة!
مسك آدم طرف السرير بكل قوته.
والله ماما مش مجنونة!
متابعة القراءة