يوم جنازة أبويا

لمحة نيوز

جوه متعفنة. وكل واحد فيكم عايز يطلع منها نضيف ويسيبني أنا أغرق.
أمي قالت
إنت اخترت تشتغل مع كمال.
كريم لف ناحيتها.
علشان حد كان لازم يحافظ على اللي بتاعنا!
قلت
مفيش حاجة من دي بتاعتنا.
بصلي.
قلت
الفلوس مسروقة. الشركة اتبنت فوق جرائم. إنت مش بتحافظ على ميراث يا كريم. إنت بتحافظ على مسروقات.
وشه اتغير.
شغل الولاعة.
وقرب النار من الظرف.
داليا كانت ماسكة مسدسها لتحت.
مش قادرة تضرب من غير ما تخاطر بأمي.
كريم قال
الورقة دي فيها توقيع ماما. بتثبت إنها باعت رفعت. لو اتحرقت، مش هيفضل دليل.
بصيت له.
وفجأة قلت
احرقها.
سكت.
حتى داليا بصتلي.
قلت
يلا يا كريم. احرقها.
اتردد.
كملت
إحنا معانا التحويلات والتسجيلات والكمبيوترات. ومعانا رجالة كمال. الورقة دي مش هتنقذك.
ماكنتش متأكدة إن ده حقيقي.
لكن كنت محتاجة أخليه يشك.
بص للورقة.
وبصلي.
ولأول مرة...
الخوف ظهر في عينه.
وفي الثانية دي...
أمي ضربت الترابيزة برجليها.
الظرف وقع.
الولاعة طارت من إيد كريم.
داليا اندفعت.
كريم مد إيده ورا ضهره ناحية مسدسه.
لكنه ما لحقش.
اتنين من القوة رموا نفسهم عليه.
وقع على الأرض.
اتكلبش.
وأول ما وقفوه...
صرخ باسمي.
فريدة!
بصيت له.
إنتِ دمرتي العيلة!
قربت منه.
وقلت
لأ يا كريم.
سكت شوية.
العيلة اتدمرت يوم ما كل واحد فيكم قرر إن السكوت أسهل من الصح.
كمال لقوه بعد دقائق في النفق القديم.
كان بيحاول يهرب من فتحة خلفية.
معاه شنطة دولارات.
جوازات سفر مزورة.
وذاكرة إلكترونية مشفرة.
لما شافني، ابتسم.
نفس الابتسامة اللي كان بيبتسمها ليا وأنا طفلة.
قال
أمك كدبت عليكي طول عمرك.
قلت
عارفة.
اسأليها مين وقع أمر تسليم رفعت.
عارفة.
ضحك.
يبقى عارفة إنها مش ضحية.
بصيت ناحية أمي.
ولأول مرة...
هي ما حاولتش تدافع عن نفسها.
في عربية الإسعاف، وهما بينضفوا الجرح من جبينها، أمي قالت
في حاجة رفعت ما يعرفهاش.
بصيت لها.
إيه؟
قالتها.
هي وقعت أمر تسليم رفعت بإرادتها.
كريم ما أجبرهاش من البداية.
خالي كمال قال لها إنه بس هيخوف رفعت علشان يسلم الملفات.
ووعدها إنه يسدد ديون كريم.
ويبعد اسمي تمامًا عن القضية.
قالت
صدقته.
رديت
لأ.
بصتلي.
قلت
إنتِ ما صدقتيهوش. إنتِ اخترتي ما تسأليش هيعملوا إيه في بابا.
عيطت.
كنت فاكرة إني أعرف أسيطر عليه.
بصيت في شنطتها.
كان فيها منديل قديم مطرز عليه أول حروف من اسمي.
المنديل اللي كانت بتاخده معاها كل مرة تحضرلي فيها حفل عسكري.
وقتها فهمت أصعب حقيقة في القصة كلها.
أمي كانت بتحبني فعلًا.
مافيش شك.
لكن الحب ما بيمسحش الذنب.
الشخص ممكن يحبك...
وفي نفس الوقت يؤذيك بشكل ما يتصلحش.
سألتها
فكرتي تقوليلي الحقيقة كام مرة؟
قالت
كل يوم.
قلت
يبقى كل يوم اخترتي تكدبي عليا.
ما ردتش.
قلت
سامح وثق فيكي. رفعت استناكي تعترفي. وأنا طول عمري كنت شايفاكي ست محاصرة وضحية.
اتنهدت.
قلت
كل واحد فينا اخترع نسخة منك يقدر يحبها.
أمي همست
أنا لسه أمك.
غمضت عيني ثانية.
عارفة.
وبصيت لها.
وده اللي مخليها توجع أكتر.
بعد شوية، عربية إسعاف تانية وصلت.
رفعت كان جواها.
لما أمي شافته...
شهقت.
حاولت تقوم.
رفعت...
هو بص لها.
لكن ما قربش.
مدت إيدها.
رجع خطوة.
ما صرخش.
ما شتمهاش.
بس قال
اديتك تلاتين سنة تقولي الحقيقة يا إلهام.
عيطت.
قال
مش هقدر أديكي سنة زيادة.
قالت
عملت كل ده علشان ولادنا.
هز راسه.
لأ.
بص لها بحزن.
عملتيه علشان ما تخسريش الحياة اللي كنتِ عايشة فيها. ولادنا هما اللي دفعوا التمن.
وقتها حسيت بحاجة جوايا بتتكسر.
لكنها ما كانتش العيلة.
كانت الصورة اللي كنت رسمتها للعيلة طول عمري.
الشهور اللي بعد كده كانت قاسية.
والقضية بقت رأي عام.
كمال العرابي اتوجهت له اتهامات بتكوين شبكة إجرامية، وغسل أموال، وتهريب سلاح، وخطف، ومحاولة قتل رفعت، والتورط في مقتل سامح الشرقاوي.
قضية سامح اتفتحت من جديد بعد حوالي تلاتين سنة.
الورشة اللي اتعامل معاها كمال كانت لسه موجودة في السجلات.
وأحد الميكانيكية القدامى، بعد ما بقى راجل كبير ومريض، وافق يعترف بكل اللي حصل.
كريم اتوجهت له اتهامات بالشروع في قتل رفعت، وخطف أمي، وإتلاف الأدلة.
لكن التحقيقات كشفت أكتر.
كان مختلس ملايين من الشركة.
جزء راح للقمار.
جزء في عقارات.
وجزء اتدفع رشاوى.
أمي قررت تتعاون.
سلمت كلمات السر.
أرقام الحسابات.
الأسماء.
وكل الأسرار اللي كانت مخبياها.
تعاونها خفف بعض التهم.
لكنه ما لغاش مسؤوليتها.
وفي النهاية...
اتحكم عليها في قضايا غسل أموال، وتزوير مستندات، والتستر على جرائم.
يوم الحكم، بصتلي.
ما قالتش
سامحيني.
قالت جملة واحدة
يا ريتني كنت شجاعة بدري... قبل ما أخليكي إنتِ تبقي شجاعة مكاننا كلنا.
ما عرفتش أرد.
أما رفعت...
فنجا.
لكن الإصابة سابت أثر دائم في رجله.
بقى يمشي بعصاية.
بعد القضية انتقل لبيت صغير بعيد عن القاهرة.
وقضى أسابيع طويلة في التحقيقات والشهادة.
وعمره ما رجع لأمي.
أما أنا...
فطلبت بنفسي مراجعة كاملة لمسيرتي العسكرية.
كنت عايزة أتأكد إن نفوذ شركة العيلة ما ساعدنيش في يوم من الأيام من غير ما أعرف.
المراجعة أثبتت إن كل حاجة في سجلي سليمة.
وبرغم كده...
تنازلت عن أي ميراث من عيلة العرابي.
كل الممتلكات اللي تمت مصادرتها راحت للدولة، واتخصص جزء منها لتعويض ضحايا الشبكة.
بعد شهور...
ركبت العربية مع رفعت.
ورجعنا نفس المدافن.
نفس المكان اللي وقفت فيه وأنا فاكرة إني بدفن أبويا.
وقفنا قدام القبر.
وكان اسمه لسه مكتوب على الشاهد
رفعت منصور
قلت
لازم نشيل الشاهد ده.
قال
لأ.
ضحكت باستغراب.
يا بابا إنت حي.
سند إيديه الاتنين على عصايته.
وبص للقبر.
الراجل اللي سمح للخوف يتحكم في بيته تلاتين سنة...
سكت.
الراجل ده مات هنا فعلًا.
بصيت له.
وقلت
ما تقررش عني حاجة تاني بالشكل ده.
مش هعمل.
وما تخبيش حقيقة وتقول بتحميني.
رفع حاجبه.
ما بقاش عندي حقايق.
قلت
أحسن لك.
ضحك.
لأول مرة من شهور...
ضحكنا سوا.
قبل ما نمشي، طلعت لوحة صغيرة كنت مجهزاها.
ثبتها تحت اسمه.
ما كتبتش
الأب المثالي.
ولا
البطل.
كتبت
رفعت منصور اختار يكون أب... وقت ما محدش كان مجبره يكون واحد.
قرأ الجملة.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال
سامح كان هيحبك أوي.
بصيت له.
يمكن.
وقربت منه.
بس إنت اللي ربيتني.
إنت اللي علمتني أركب العجلة.
إنت اللي استنيتني بالساعات بره الكلية.
إنت اللي فضلت واقف في أول صف في كل حفل.
وإنت اللي عملت نفسك مش بتعيط لما أخدت أول ترقية.
ابتسم.
قلت
الدم يفسر أنا جيت منين.
مسكت إيده.
لكنه ما يحددش مين أبويا.
رفعت نزل راسه.
وفي اللحظة دي...
أنا عيطت.
لأول مرة من يوم الجنازة.
ما عيطتش على الراجل اللي كان المفروض يكون جوه التابوت.
عيطت على سامح...
أبويا اللي عمري ما عرفته.
عيطت على أمي...
اللي حولت الخوف لعُرف تعيش بيه.
وعلى كريم...
اللي افتكر إن الميراث معناه إن من حقه يمتلك حتى الجريمة.
وعلى رفعت...
اللي حبني لدرجة إنه وهو بيحاول يحميني، كاد يخسرني.
وعيّطت على نفسي.
على السنين اللي عشتها وأنا فاكرة إن عيلتي حاجة...
واكتشفت إنها حاجة تانية خالص.
لكن وسط كل ده...
فهمت حاجة.
الحقيقة مش دايمًا بتلم العيلة.
ومش كل اعتراف نهايته حضن ومسامحة.
أحيانًا الحقيقة بتكسر آخر حاجة كانت ماسكة الناس في بعض.
لكن ده مش معناه إنها شر.
لأن في أوقات...
وظيفة الحقيقة الوحيدة هي إنها تمنع الكدبة من إنها تتورث.
خرجنا من المدافن.
كانت السما صافية.
مديت إيدي في جيبي.
ولمست المفتاح النحاس القديم.
مفتاح المخزن رقم 17.
جهات التحقيق كانت فضت المخزن من زمان.
مابقاش جواه ملفات.
ولا كمبيوترات.
ولا أسرار.
ومع ذلك...
احتفظت بالمفتاح.
مش علشان يفتح باب.
لكن علشان يفضل يفكرني بحاجة عمري ما أنساها
لا الرتبة.
ولا الزي.
ولا اسم العيلة.
ولا الدم.
يقدروا يحولوا الغلط لصح.
والوفاء للعيلة مش معناه إنك تخبي جرائمهم...
ولا تحميهم من نتيجة اختياراتهم.
الوفاء الحقيقي إنك توقفهم قبل ما يحولوا السكوت نفسه لجريمة جديدة.
تمت.

تم نسخ الرابط