يوم جنازة أبويا

لمحة نيوز

كل سنة كانت بتعدي، الاعتراف بالحقيقة كان بيبقى أصعب.
أمي ما أمرتش بقتل سامح.
لكنها سمحت لقاتله إنه يقعد على سفرتنا كل عيد.
قبلت هداياه.
ووقعت حسابات مزورة علشان تخفي الجريمة.
رفعت اتجوزها علشان يحمينا.
لكن جوازهم ما كانش تمثيلية.
هو حبها فعلًا.
ولما كريم اتولد، صدق إن عيلتنا ممكن تبدأ من جديد.
لكن فلوس كمال فضلت تدخل بيتنا.
أمي كانت بتسميها
أرباح قانونية.
وأبويا كان بيحتفظ بكل فاتورة.
كل تحويل.
كل مكالمة.
لحد ما المخزن رقم 17 اتحول لأرشيف كامل لجرائم العيلة.
سألته
ليه استنيت عشرين سنة؟
قال
لما كنتِ طالبة في الكلية العسكرية، كمال فهم إنك في يوم ممكن توصلي لمعلومات تدمره. قال لي لو اتكلمت، مستقبلك هينتهي قبل ما يبدأ. وبعدها هددني إنه يلفق لك أدلة.
صرخت
كان لازم تقولي!
بصلي وقال
إنتِ بنتي. كنت عايز أديكي حياة ما تبدأش بجثة.
كان وشه شاحب والجرح في جنبه مش مقفول كويس.
وبرغم كده، كان لسه قلقان عليا.
سألته
إزاي زورت موتك؟
قبلها بأسبوع، الشغالة لقت جنب الشاي بتاعه دواء ممكن يسبب اضطراب خطير في ضربات القلب.
خطة كريم وكمال كانت بسيطة.
يقتلوه.
يطلعوا شهادة وفاة عن طريق دكتور مرتشي.
وبعدين يحرقوا الجثمان قبل ما أنا أطلب تشريح.
لكن رفعت سبقهم.
داليا كانت بتحقق في مجموعة العرابي بقالها سنتين.
وبمساعدة دكتور تحت الحماية ودار جنازات متعاونة معاهم، عملوا خطة الموت الوهمي.
ورا إزاز النعش، حطوا جثة راجل مجهول قريب من سن أبويا.
الغطاء أخفى جسمه.
وساعة رفعت خلتنا نصدق.
وبعدها اتقفل التابوت...
واتدفن فاضي.
بصيت لأبويا والدموع في عيني.
إنت خلتني أبوس الإزاز وأنا فاكرة إنك ميت.
نزل عينه للأرض.
مفيش اعتذار يكفي اللي عملته فيكي.
كنت عايزة أصرخ فيه.
وفي نفس الوقت كنت عايزة أشكر ربنا إنه حي.
قلت
الأول ننقذ ماما. بعدين نتكلم عن اللي عملته فيا.
المزرعة القديمة كانت ملك جدي.
كنت فاكرة ممراتها.
المصلى الصغير.
ونفق الخدمة القديم.
وبما إني ما كنتش أقدر أشارك رسميًا في العملية، رسمت كل المداخل للقوة.
رفعت فضل مستني في عربية إسعاف، وأنا رحت مع داليا لحد أقصى نقطة مسموح لي أوصلها.
القوة قبضت على تلات رجالة.
ولقت أجهزة كمبيوتر متكسرة.
ورق بيتحرق.
وصناديق متجهزة علشان تتنقل.
لكن...
مفيش إلهام.
ومفيش كريم.
وقتها افتكرت جملة كانت جدتي بتقولها وإحنا صغيرين لما نلعب استغماية
في البيت ده، الحاجة اللي محدش المفروض يلاقيها... دايمًا بتستخبى تحت الأولياء.
جريت ناحية المصلى.
داليا ورايا.
كان فيه صورة دينية كبيرة فوق المذبح.
أحد الضباط لاحظ خدوش جديدة على الأرض.
حركنا القاعدة.
ظهر سلم ضيق نازل لتحت.
نزلنا.
تحت كان فيه أوضة رطبة.
وأمي...
كانت مربوطة في كرسي.
وقدامها فوق ترابيزة كان الظرف الناقص من المخزن رقم 17.
وكريم واقف قدامها...
وفي إيده ولاعة.
قال
خطوة واحدة كمان وهحرقه.
طول عمري كنت بدافع عن كريم.
دفعت ديونه.
وكنت بفسر غضبه على إنه إحساس بالنقص.
لكن الحقيقة...
كان كراهية.
قلت
سيب ماما يا كريم.
ضحك.
علشان إيه؟ علشان تختارك إنتِ تاني؟
الموضوع مالوش علاقة بيا.
صرخ
كل حاجة ليها علاقة بيكي! بابا جمع أدلة عشرين سنة علشان يديهالك إنتِ. ماما حمتك قبل حتى ما تتولدي. وأنا؟ أنا ورثت الديون والتهديدات وشركة متعفنة من جوه.
أمي رفعت وشها وقالت
إنت اللي اخترت تشتغل مع خالك.
رد
لأن حد كان لازم يحافظ على اللي بتاعنا.
قلت
ولا حاجة من دي كانت بتاعتنا. دي فلوس مسروقة.
قرب شعلة الولاعة من الظرف.
داليا كانت ماسكة مسدسها لتحت، مستنية زاوية آمنة.
كريم قال
الورقة دي بتثبت إن ماما وقعت أمر تسليم رفعت. لما تتحرق، مش هيفضل غير كلامها قصاد كلامي.
قلت
يبقى احرقها.
الكل بصلي.
قلت
احرقها يا كريم. إحنا معانا الكمبيوترات والتحويلات والتسجيلات ورجالة كمال. الورقة دي مش هتنقذك.
كانت كدبة.
لكنها اشتغلت.
كريم بص للظرف للحظة.
شك في أهميته.
وفي اللحظة دي...
أمي ركلت الترابيزة.
الولاعة وقعت.
داليا اندفعت.
كريم حاول يطلع مسدس من ضهره، لكن اتنين من القوة وقعوه على الأرض قبل ما يعرف يوجهه.
ولما حطوا الكلبشات في إيده...
ما صرخش من الخوف.
صرخ باسمي.
إنتِ اللي دمرتي العيلة يا فريدة!
قربت منه.
لأ. العيلة اتدمرت من اليوم اللي كل واحد فيها قرر إن السكوت أسهل من إنه يعمل الصح.
لقوا كمال جوه النفق.
معاه دولارات.
جوازات سفر مزورة.
وذاكرة إلكترونية مشفرة.
أول ما شافني ابتسم، كأنه لسه خالي اللي كنت بحبه وأنا صغيرة.
قال
أمك كدبت عليكي طول عمرك. اسأليها مين اللي وقع.
قلت
أنا عارفة.
يبقى عارفة كمان إنها مش ضحية.
بصيت لأمي.
وهي...
ما هربتش بعينيها.
جوه عربية الإسعاف، وهما بينضفوا الجرح اللي في جبينها، أمي اعترفت بالجزء اللي حتى رفعت ما كانش يعرفه.
هي فعلًا وقعت الأمر.
ومش لأن كريم أجبرها من البداية.
هي وقعته بإرادتها...
الليلة اللي قبل موت رفعت المزيف.
كمال قال لها إنه بس عايز يخوف رفعت ويسترجع الملفات.
وفي المقابل، هيمسح ديون كريم ويبعدني أنا عن التحقيق.
أمي قالت
اخترت أصدقه... مرة تانية.
بصيت لها.
إنتِ ما اخترتيش تصدقيه. إنتِ اخترتي ما تسأليش هما هيعملوا إيه في بابا.
الدموع نزلت على وشها.
قالت
كنت فاكرة إني أقدر أسيطر على أخويا.
وأثناء ما المسعفين بيكشفوا عليها، لمحت في شنطتها منديل مطرز عليه أول حروف من اسمي.
نفس المنديل اللي كانت بتاخده معاها في كل احتفال عسكري ليا.
وقتها فهمت حاجة صعبة.
الإنسان ممكن يحبك بصدق...
وفي نفس الوقت يعمل حاجات أذاها ما يتغفرش بسهولة.
حب أمي ليا ما كانش بيخلي قراراتها بريئة.
كان بس بيخلي الحكم عليها أصعب.
سألتها
عمرك فكرتي تقوليلي الحقيقة؟
قالت
كل يوم.
رديت
يبقى إنتِ اخترتي تكدبي عليا كل يوم.
نزلت عينيها.
مافيش إجابة كانت تقدر ترجع السنين اللي عشناها فوق الكدبة دي.
قلت
سامح افتكر إنه يقدر يثق فيكي. رفعت افتكر إنك في يوم هتتكلمي. وأنا فضلت شايفاكي ست محاصرة ومظلومة. كل واحد فينا اخترع نسخة منك تساعده يفضل يحبك.
همست
أنا لسه أمك.
قلت
أيوه. وده بالذات هو اللي مخلي الموضوع يوجع أكتر.
رفعت وصل على ترولي طبي.
أول ما أمي شافته حي حاولت تقوم.
رفعت...
لكنه ما سمحلهاش تلمسه.
مافيش صريخ.
مافيش شتيمة.
كان فيه بس سكوت...
أقسى من أي خناقة.
رفعت قال
اديتك تلاتين سنة تقولي الحقيقة يا إلهام. مش هقدر أديكي سنة زيادة.
غطت بوقها بإيديها.
أنا عملت ده علشان ولادنا.
هز راسه.
لأ. عملتيه علشان ما تخسريش الحياة اللي كانت مريحة بالنسبة لك. ولادنا هما اللي دفعوا التمن.
حسيت حاجة جوايا بتتكسر.
لكن اللي اتكسر ما كانش عيلتي.
كانت الصورة اللي طول عمري بدافع عنها للعيلة.
الشهور اللي بعدها كانت علنية...
وقاسية.
النيابة وجهت لكمال اتهامات بتكوين شبكة إجرامية، وغسل أموال، وتهريب سلاح، وخطف، والشروع في قتل رفعت، والتورط في مقتل سامح الشرقاوي.
قضية حادث سنة 1997 اتفتحت من جديد.
الورشة كانت لسه مسجلة.
وواحد من الميكانيكية، بعد ما كبر ومرض، وافق يشهد.
كريم اتهموه بالشروع في قتل رفعت، وخطف أمي، وإتلاف الأدلة.
وكمان اكتشفوا إنه اختلس ملايين من مجموعة العرابي وصرفها على القمار والعقارات ورشاوى لمسؤولين.
أمي تعاونت مع التحقيق.
سلمت كلمات السر.
الأسماء.
الحسابات.
تعاونها خفف بعض التهم...
لكنه ما مسحش جرائمها.
واتحكم عليها في قضايا غسل أموال وتزوير مستندات والتستر على جرائم.
يوم الحكم...
ما طلبتش مني أسامحها.
قالت بس
يا ريتني كنت شجاعة بدري... قبل ما أضطرك تبقي شجاعة مكاننا كلنا.
أما رفعت، فنجا.
لكن فقد جزء من قدرته على الحركة في رجل واحدة.
انتقل يعيش في بيت صغير في الإسماعيلية، وقضى أسابيع بيدلي بشهادته.
وعمره ما رجع لإلهام.
أنا طلبت مراجعة داخلية كاملة علشان أتأكد إن مفيش شركة مرتبطة بعيلتي أثرت على مسيرتي العسكرية.
ما لقوش أي مخالفة.
ومع ذلك...
تنازلت عن أي ميراث.
أما الممتلكات اللي اتصادرت، فاتخصص جزء منها لتعويض الضحايا.
بعد شهور، أخدت رفعت ورجعنا للمدافن اللي دفنا فيها التابوت الفاضي.
كنا واقفين لوحدنا قدام شاهد القبر المكتوب عليه اسمه.
قلت
المفروض نشيله.
قال
لأ.
بصيت له باستغراب.
إنت حي.
سند إيديه الاتنين على العصاية وقال
الراجل اللي سمح للخوف إنه يحكم بيته تلاتين سنة... مات هنا فعلًا.
بصيت له فترة.
وبعدين قلت
إوعى في يوم تقرر عني حاجة بالشكل ده تاني.
مش هعمل كده.
وما تخبيش عني حقيقة بحجة إنك بتحميني.
ما بقاش عندي حقايق تانية.
ضيقت عيني وقلت
أحسن لك.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
قبل ما نمشي، حطيت لوحة صغيرة تحت اسمه.
ما كتبتش عليها
الأب المثالي.
ولا
البطل.
كتبت
رفعت منصور اختار يكون أب... في وقت ماكانش فيه أي شيء يجبره على الاختيار.
قرأها
تم نسخ الرابط