اكتشفت أن جوزى متجوز عليا

لمحة نيوز

ملامحه للحظة...
لكن سرعان ما استعاد هدوءه.
وقال
آه... الصورة.
وإيه يعني؟
الناس الكبيرة بتعمل احتفالات كتير.
قلت وأنا باصة في عينيه
أنا مش بسأل عن الاحتفال.
أنا بسأل عن الجواز.
سكت.
فسألته مرة تانية
إنت متجوز سعاد رسمي؟
بعد ثواني طويلة...
رد بمنتهى البرود
أيوه.
الكلمة نزلت على قلبي كأنها سكينة.
لكن اللي وجعني أكتر...
إنه ما حاولش حتى ينكر.
قلت بصوت مرتعش
يعني أنا طول عمري... كنت إيه؟
رد وهو متضايق
إنتِ مراتي اللي عاشت معايا.
وسعاد مراتي اللي اتكتب اسمها في الورق.
حسيت إن نفسي اتقطع.
وليه؟
تنهد وقال
وقتها أهلها كانوا رافضين يعيشوا معايا علشان كنت فقير.
لكن والدها كان مريض، وكان نفسه يشوفها متجوزة قبل ما يموت.
فسجلنا الجواز... واتفقنا نأجل الفرح.
بعدها الظروف اتغيرت.
وأهلها سفروها برة.
وأنتِ دخلتي حياتي.
بصيت له بعدم تصديق.
ودخلت حياتك... من غير ما تقولي إنك متجوز؟
قال بمنتهى البساطة
كنت فاكر الموضوع انتهى.
صرخت لأول مرة
انتهى؟
يعني خمسين سنة كدب اسمها انتهى؟
منى قربت وهي بتعيط.
بابا... قول لماما إنك بتحبها.
لكن محمود رد بسرعة
أنا محبتش غير سعاد.
الجملة دي...
كانت أقسى من أي خيانة.
سكت البيت كله.
حتى كريم نزل عينه في الأرض.
أما أنا...
فحسيت إن خمسين سنة من عمري اتحرقوا في ثانية.
كملت كلامه كأنه بيحكي قصة عادية.
بس الواجب كان يحتم عليا أعيش معاكي.
وأصرف عليكي.
وأربي الأولاد.
ابتسمت بمرارة.
يعني كنت بتتصدق عليا؟
قال بضيق
ليه مصممة تفهمي كل حاجة غلط؟
أنا عمري ما قصرت معاكي.
هززت راسي.
لأ...
إنت قصرت في الحاجة الوحيدة اللي الست بتحتاجها.
الاحترام.
في اللحظة دي...
رن جرس الباب.
فتح كريم.
دخلت ست شيك في أوائل السبعينات.
لابسة بدلة أنيقة، وشعرها مصبوغ بعناية.
أول ما شفتها...
عرفتها.
سعاد.
بصتلي بابتسامة هادئة وقالت
أنا سمعت إن حضرتك عرفتي الحقيقة.
فحبيت أجيلك بنفسي.
ضحكت وأنا مش مصدقة.
جية تشمتي؟
هزت راسها بسرعة.
لأ.
أنا جاية أعتذر.
كل الموجودين اتفاجئوا.
حتى محمود بص لها باستغراب.
قالت وهي بتتنهد
أنا طلبت من محمود أكتر من مرة يقولك الحقيقة.
لكنه كان دايمًا يقول إن الوقت فات.
وإن معرفتك دلوقتي هتدمر الأسرة.
بصيت لمحمود.
فلف وشه بعيد.
عرفت وقتها...
إنها بتقول الحقيقة.
لكن الاعتذار...
بعد خمسين سنة...
كان متأخر أوي.
مسكت شنطتي.
وعديت من جنبهم كلهم.
ولا حد قدر يمنعني.
وأنا خارجة...
وقفت قدام الباب للحظة.
لفيت بصيت على البيت.
البيت اللي ضاع فيه شبابي.
وقلت بهدوء
من النهارده...
دوركم تعرفوا قيمة الست...
بعد ما خسرتوها.
وقفلت الباب ورايا...
من غير ما أبص خلفي.
الفصل الرابع
أول مكان روحت له...
ما كانش بيت حد من قرايبي.
ولا بيت واحدة من صحباتي.
روحت دار رعاية للمسنين كانت واحدة جارتي زمان اشتغلت فيها.
مديرة الدار بصتلي باستغراب لما شافتني داخلة بشنطة صغيرة.
قالت بلطف
حضرتك جاية تزوري حد؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
وقلت
لأ... جاية أدور على مكان أعيش فيه.
بعد ما خلصت إجراءات الإقامة، ادتني أوضة صغيرة فيها سرير وشباك بيطل على جنينة.
أول ليلة...
نمت من غير ما أصحى الفجر أعمل فطار.
ولا حد ناداني أجيب له كباية شاي.
ولا حد زعق علشان هدومه لسه متكوتش.
ولأول مرة من خمسين سنة...
حسيت إن الهدوء ليه صوت.
في الناحية التانية...
البيت اتقلب.
تاني يوم الصبح...
محمود صحي متعود يلاقي الفطار على السفرة.
لكن المطبخ كان فاضي.
فتح التلاجة.
ما لقاش غير شوية خضار وعلب دوا.
بص على كريم وقال بعصبية
هي فين؟
رد كريم وهو متوتر
مش بترد على التليفون.
مراته حاولت تعمل فطار.
لكن الأكل اتحرق.
والعيال رفضوا ياكلوه.
بعدها بكام يوم...
بدأت الهدوم تتراكم.
البيت اللي كان بيلمع طول عمره...
بقى مليان تراب.
ومحمود لأول مرة اكتشف إنه حتى مش عارف مكان علبة الدوا بتاع الضغط.
بعد أسبوع...
وصلني اتصال من منى.
أول ما رديت...
فضلت تعيط.
يا ماما... ارجعي.
قلت بهدوء
ليه؟
البيت من غيرك مش بيت.
ابتسمت بحزن.
دلوقتي افتكرتوا؟
قالت وهي بتشهق
بابا بقى عصبي جدًا.
وكريم كل يوم بيتخانق مع مراته.
ولولو ومَلِك بيسألوا عليكي.
قلت
وأنا لما كنت بسأل على حقي...
مين سمعني؟
سكتت.
ثم قالت بصوت مكسور
أنا غلطت.
سامحيني.
أغمضت عيني.
كنت مستنية الجملة دي من سنين.
لكنها خرجت...
بعد ما كل حاجة اتكسرت.
قلت لها
أنا مسامحاكي يا بنتي.
لكن المسامحة مش معناها إني هرجع.
بعد شهر...
لقيت محمود واقف قدام باب الدار.
كان شكله مختلف.
وشه شاحب.
وشعره الأبيض بقى أكتر.
ولما شافني...
فضل واقف ساكت.
قال أخيرًا
تعالي نرجع البيت.
سألته
أي بيت؟
قال
بيتنا.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
لكنها كانت ضحكة كلها وجع.
هو عمره كان بيتي؟
مد إيده بكيس صغير.
وقال
أنا عملت قسيمة جواز باسمك.
تعالي نمضيها.
بصيت للورقة...
وبعدين بصيت له.
وقلت
أنا كنت محتاجة الورقة دي...
من خمسين سنة.
مش دلوقتي.
حاول يقاطعني.
لكن رفعت إيدي.
زمان...
كنت هعتبرها أجمل هدية.
أما النهارده...
فهي مجرد ورقة.
سكت، والدموع لمعت في عينيه لأول مرة.
وقال بصوت مبحوح
أنا ندمت.
رديت بهدوء
الندم بييجي لما يكون لسه في وقت تصلح فيه الغلط.
إنت جيت...
بعد ما العمر كله خلص.
لفيت ودخلت الدار.
وسبت محمود واقف قدام الباب...
شايل في إيده قسيمة جواز...
كان لازم يدهالي...
من خمسين سنة.
الفصل الخامس الأخير
مرّت ثلاثة شهور.
وحياتي اتغيرت بشكل ما كنتش أتخيله.
بقيت أصحى على مزاجي.
أشرب القهوة وهي سخنة.
أقعد في الجنينة أقرا جريدة، أو أتعلم أستخدم الموبايل أكتر.
ولأول مرة في حياتي...
بقيت أعرف يعني إيه أعيش لنفسي.
في يوم، مديرة الدار قالت لي
في حد مستني حضرتك بره.
افتكرت إنه محمود.
لكن أول ما خرجت...
اتفاجئت إنها سعاد.
كانت ماسكة ظرف أبيض.
قعدت قدامي وقالت بهدوء
أنا جاية أقفل صفحة مفتوحة بقالها خمسين سنة.
حطت الظرف قدامي.
فتحته...
لقيت عقد زواجها من محمود.
وبجواره حكم طلاق رسمي صادر من المحكمة قبل أيام.
بصيت لها باستغراب.
قالت وهي تبتسم بحزن
أنا طلّقته.
سألتها
بعد العمر ده كله؟
ردت
أنا كنت فاكرة إني كسبت.
لكن لما شفتك، فهمت إننا إحنا الاتنين خسرنا.
أنا ضيعت عمري مستنية راجل عمره ما عاش معايا.
وإنتِ ضيعتي عمرك مع راجل عمره ما اداكي حقك.
أما هو...
فخسر الستين اللي حبوه بصدق.
قامت من مكانها.
وقبل ما تمشي قالت
سامحيني... لو تقدري.
بصيت لها وهي ماشية.
ولأول مرة...
ما حسيتش ناحيتها بأي كراهية.
لأن الحقيقة...
إنها كانت ضحية هي كمان.
بعد أسبوع...
رن تليفوني.
كان كريم.
صوته كان مكسور.
يا ماما...
بابا في المستشفى.
روحت.
دخلت أوضة الرعاية.
لقيت محمود على السرير، جسمه ضعف جدًا.
أول ما شافني...
ابتسم.
وقال بصوت ضعيف
كنت مستنيك.
وقفت على مسافة.
من غير ما أقرب.
قال
سامحيني.
أنا
تم نسخ الرابط