وقّعت أوراق الطلاق
المحتويات
الأزرق بيلمع تحت أشعة الشمس، والمباني القديمة متراصة على التلال.
حسيت لأول مرة من سنين
إني بتنفس.
ليلى كانت لازقة وشها في الإزاز، وقالت بحماس
ماما إحنا وصلنا؟
ابتسمت وربتُّ على شعرها.
آه يا حبيبتي وصلنا.
تاليا صحيت من النوم وهي بتفرك عينيها.
هنعيش هنا؟
بصيت لهم ، وقلت بابتسامة هادئة
هنبدأ من جديد والمكان اللي هنحس فيه بالأمان هو اللي هيبقى بيتنا.
بعد دقائق، هبطت الطيارة.
خرجنا من صالة الوصول، ولقيت ست كبيرة في السن واقفة ماسكة لافتة مكتوب عليها
ياسمين الوادي
ليلى قرأت الاسم بصوت عالي.
ماما هو ليه مكتوب الوادي؟
قبل ما أرد
الست ابتسمت وقالت
لأن ده اسم عيلة والدتك الحقيقي.
وقفت مكاني.
حضرتك مدام سعاد؟
ابتسمت وعينيها دمعت.
أخيرًا شفتك يا بنت هدى.
أول ما سمعت اسم أمي
قلبي وجعني.
أنا طول عمري كنت فاكرة إن أمي ماتت وهي ست غلبانة، ملهاش حد.
لكن الحقيقة
كانت مختلفة تمامًا.
حضنتني مدام سعاد بقوة، وقالت
جدك قبل ما يموت وصاني عليكي وقال لي مهما طال الوقت، لازم ألاقي حفيدته.
نزلت دموعي لأول مرة من يوم الطلاق.
همست
أنا اللي اتأخرت.
هزت رأسها.
لأ إنتِ رجعتي في الوقت المناسب.
ركبنا العربية.
كانت نفس المرسيدس اللي استقبلتني قدام مكتب المحامي.
ليلى ضحكت وقالت
العربية سافرت معانا؟
ضحكت مدام سعاد.
دي واحدة تانية من عربيات العيلة.
العيلة عندها كام عربية؟
ضحكت وقالت
كتير لدرجة إن مامتكم هتتكسف منهم.
بصيت من الشباك وأنا لسه مش مستوعبة.
أنا؟
بقيت صاحبة كل ده؟
بعد حوالي ساعة
وصلنا قدام بوابة حديد ضخمة.
البوابة اتفتحت لوحدها.
والعربية دخلت طريق طويل وسط أشجار الزيتون والورد.
وفي آخر الطريق
ظهر بيت كبير مبني بالحجر الأبيض، وشبابيكه لونها أزرق، وجنينة واسعة بتنتهي عند البحر.
ليلى فتحت بقها من الدهشة.
ده فندق؟
ابتسمت مدام سعاد.
لأ.
أمال إيه؟
ده بيتكم.
بصيت لها بعدم تصديق.
بيتنا؟
قالت وهي بتبتسم
بيت عيلة الوادي واللي من النهارده رجع لصاحبته.
نزلنا من العربية.
وقبل ما أوصل للباب
اتفاجئت إن مجموعة من الناس مستنياني.
الطباخة.
والجنايني.
والمدير.
وكلهم أول ما شافوني
ابتسموا.
ولا حد انحنى.
ولا حد عاملني كأني غريبة.
بالعكس
كل واحد فيهم كان بيقول نفس الجملة
حمد لله على السلامة نورتِ بيتك.
الطباخة، أم حسن، حضنت ليلى وآدم فورًا، وجابت لهم فطاير لسه طالعة من الفرن.
أما أنا
فكنت لسه مش مصدقة اللي بيحصل.
في المساء
طلعت أقف في البلكونة.
البحر قدامي.
والهوا بيلمس وشي.
مدام سعاد وقفت جنبي وقالت
في حاجة لازم تعرفيها.
بصيت لها.
قالت
جدك ما سابلكيش بيت بس.
استغربت.
أمال ساب إيه؟
فتحت ملف كبير كان في إيدها.
وقالت بهدوء
سابلك شركات
وأراضي
وأسهم
وثروة تقدر بمئات الملايين.
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
إيه؟!
ابتسمت.
ودي مجرد البداية.
سكتت لحظة
ثم قالت الجملة اللي غيرت كل حاجة
بس في شرط واحد كان جدك كاتبه في الوصية.
قلبي دق بسرعة.
شرط إيه؟
قالت وهي بتسلمني ظرف قديم مختوم بالشمع الأحمر
قال إن الظرف ده ما يتفتحش إلا بعد ما ترجعي بإرادتك.
بصيت للظرف
وكان مكتوب عليه بخط واضح
إلى حفيدتي ياسمين الحقيقة كلها هنا.
في اللحظة دي
ماكنتش أعرف إن الرسالة اللي جوه الظرف
مش هتغير حياتي أنا وبس
دي هتكون بداية النهاية لعيلة كريم كلها.
الجزء الرابع
فضلت أبص للظرف القديم في إيدي.
الورق كان اصفر من الزمن، وختم الشمع الأحمر لسه زي ما هو، كأن جدي كان متأكد إن اللحظة دي هتيجي مهما طال الوقت.
بصتلي مدام سعاد وقالت بهدوء
قبل ما تفتحيه لازم تعرفي إن اللي هتقريه هيغير كل حاجة كنتِ فاكرة إنك عرفاها عن حياتك.
بلعت ريقي.
وببطء كسرت ختم الشمع.
كان جواه جواب واحد ومفتاح نحاسي قديم.
بدأت أقرا.
حفيدتي ياسمين
لو الجواب ده وصل لإيدك، يبقى أنا للأسف مش موجود، لكني واثق إنك أخيرًا وصلتي للحقيقة.
يمكن طول عمرك صدقتي إن والدتك كانت ست بسيطة، وإن حياتها كانت عادية لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
أمك هدى كانت الوريثة الوحيدة لعيلة الوادي، واحدة من أقدم وأغنى العائلات.
ولما اتجوزت والدك عن حب، ناس كتير حاولوا يسيطروا على ثروتنا.
ولما رفضت بدأت المؤامرات.
وقفت عن القراءة.
قلبي كان بيدق بعنف.
رفعت عيني لمدام سعاد.
همست
يعني ماما ما ماتتش وفاة طبيعية؟
مدام سعاد نزلت دموعها لأول مرة.
وقالت
لأ يا ياسمين موتها كان وراه أسرار كتير.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
رجعت بصيت في الجواب وكملت.
بعد وفاة أمك، اضطرينا نبعدك عن كل حاجة علشان نحميكي.
غيرنا بيانات كتير، وخبينا اسم عيلة الوادي، لأن الناس اللي كانوا طمعانين في الثروة كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة يوصلولك.
قفلت الجواب لحظة.
مين الناس دول؟
سألت وأنا بصوت مرتعش.
مدام سعاد أخدت نفس طويل.
وقالت
للأسف بعضهم لسه موجود.
في نفس التوقيت
كان كريم قاعد في مكتب أبوه.
رما الموبايل على المكتب بعصبية.
وقال
عايز أفهم الحقيقة.
الحاج فؤاد فضل ساكت.
أما الحاجة نجوى، فكانت باصة في الأرض.
صرخ كريم
مين اللي كان بيمتلك الشقة؟!
رد أبوه أخيرًا
كانت باسم عيلة ياسمين من قبل الجواز.
شهق كريم.
يعني كنتوا عارفين؟!
هز أبوه رأسه.
آه.
وسكتوا؟!
قال ببرود
كنا فاكرين إن بعد الجواز كل حاجة هتبقى ليك.
كريم قرب منه بغضب.
يعني استخدمتوني؟!
ردت أمه بسرعة
إحنا كنا بنحاول نحافظ على مستقبل العيلة.
ضحك كريم ضحكة كلها سخرية.
العيلة اللي ضاعت بسبب طمعها.
رن تليفون كريم.
كان المحامي.
رد بسرعة.
ها طمني.
لكن اللي سمعه
خلّى وشه يفقد آخر نقطة دم.
إيه؟!
سكت.
ثم قال
إزاي؟!
المحامي رد
وصل قرار من المحكمة بمنع التصرف في كل الأصول اللي اتنقلت من حسابات الشركة خلال آخر سنتين.
يعني إيه؟
يعني حساباتك متجمدة.
والشركة؟
كمان.
والفيلا؟
عليها حجز احترازي.
كريم حس إن الدنيا اسودت قدامه.
وقبل ما يقفل
قال المحامي آخر جملة.
وفي استدعاء للتحقيق في شبهة الاستيلاء على أموال مش من حقك.
وقع الموبايل من إيده.
لأول مرة
بدأ يحس إنه ممكن يخسر كل حاجة.
الشركة
والفلوس
وسمعته
وحتى الناس اللي ساب مراته وولاده علشانهم.
أما ياسمين
فكانت واقفة في بلكونة بيت جدها، باصة على البحر.
ولأول مرة من سنين
حست إنها مش محتاجة تنتقم.
لأن الحقيقة
بدأت تنتقم لوحدها.
الجزء الأخير النهاية
مر أسبوعان.
كل يوم كانت
متابعة القراءة