لقيت بنت في شارع
فكانت اعترافات واحد من المحامين.
قال إن أبويا اكتشف كل حاجة من سنين.
ولما رفض يشاركهم، حاولوا يضغطوا عليه.
ولما فشلوا…
لفقوا له تهمة مالية عشان يسكت.
لكنه احتفظ بالدليل الحقيقي، وخباه قبل وفاته.
التحقيقات أثبتت إن وفاة أبويا كانت طبيعية بالفعل.
لكنه مات وهو شايل هم الحقيقة، وخايف إنها تضيع بعده.
عمي فؤاد اتحكم عليه بالسجن بعد إدانته في قضايا التزوير والاستيلاء على أملاك الغير وغسل الأموال.
وكتير من العائلات رجعتلها حقوقها بعد سنين من الظلم.
أما منى…
فقدرت تعيش شهرين كمان.
كنت بزورها كل يوم تقريبًا.
وفي آخر زيارة، طلبت مني أقرب.
وقالت وهي بتبتسم:
“أنا مطمنة دلوقتي.”
بصيتلها وسألت:
“على إيه؟”
قالت:
“على سلمى.”
وبعد ساعات…
رحلت في هدوء.
يوم الجنازة، كانت سلمى ماسكة إيدي بقوة.
سألتني بصوت صغير:
“ماما راحت فين؟”
ركعت قدامها.
وقلت:
“راحت عند ربنا… لكنها كانت بتحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا.”
حضنتني وهي بتعيط.
ولأول مرة من سنين…
حسيت إن حضن طفل ممكن يكسر أقسى قلب.
مرت ستة أشهر.
في يوم، كنت قاعد في المكتب.
سمعت خبط خفيف على الباب.
دخلت السكرتيرة وقالت:
“في آنسة صغيرة مصرة تقابلك.”
ابتسمت.
“دخليها.”
دخلت سلمى.
لابسة يونيفورم المدرسة.
وشنطتها جديدة.
والكوتشي الأبيض… بقى صغير على رجلها.
جريت عليا.
ومن غير كلام، حضنتني.
وبعدين طلعت من جيبها حصالة بلاستيك عليها رسومات كرتون.
حطتها على المكتب.
قلت باستغراب:
“إيه دي؟”
قالت بفخر:
“وعدي.”
فتحت الحصالة.
كان فيها عملات معدنية وجنيهات قليلة.
يمكن متكملش ميت جنيه.
ابتسمت وقلت:
“أنا قلتلك مش عايز فلوس.”
هزت راسها بعناد.
“ماما كانت بتقول… الوعد دين.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قفلت الحصالة، ورجعتها لها.
وقلت:
“خليها… عشان أول حلم هتحققيه.”
سألتني:
“يعني مش زعلان؟”
ابتسمت.
“أنا كسبت أكتر بكتير من تمن الجزمة.”
“كسبت إيه؟”
بصيتلها وقلت:
“كسبت عيلة.”
بعد ثلاث سنوات، أنشأت مؤسسة باسم “وعد”، كانت بتوفر أحذية وشنط مدرسية للأطفال غير القادرين، وتتكفل بتعليمهم.
وأول صورة اتعلقت على حائط المؤسسة…
ماكنتش صورتي.
ولا صورة أبويا.
كانت صورة بنت صغيرة، واقفة في الشارع، لابسة كوتشي أبيض، وبتبتسم من قلبها.
تحت الصورة، اتكتب سطر واحد:
“أحيانًا… أغلى هدية في حياتك، بتبدأ بطلب بسيط من طفل.”