لقيت بنت في شارع
استغربت.
“أنا صاحب المجموعة… وعمري ما شفتك.”
ابتسم ابتسامة صفراء.
“لأن شغلي كله بيكون من ورا الستار.”
منى فجأة اتوترت.
وشها اصفر أكتر.
وقالت بصوت متقطع:
“إوعى… تديهاله…”
بصيتلها بسرعة.
“ليه؟”
قالت وهي بتاخد نفسها بالعافية:
“لأنه… مش جاي علشان يساعد.”
في اللحظة دي، حسام مد إيده ناحية العلبة.
لكن سحبتها بسرعة.
قلتله:
“لو عندك حق فيها، هات أمر من النيابة.”
اتغيرت ملامحه.
ولأول مرة اختفت الابتسامة.
لف ومشي من غير كلمة.
لكن قبل ما يخرج، وقف عند الباب وقال:
“في حاجات… لما تعرفها… هتتمنى إنك ما فتحتش العلبة.”
وسابنا.
فضلت بصص للباب كام ثانية.
بعدها فتحت العلبة تاني.
كان فيها الصورة…
ومفتاح نحاس صغير جدًا.
وتحت الصورة ظرف قديم متقفل بالشمع الأحمر.
فتحت الظرف بحذر.
لقيت جواب بخط أبويا.
“لو الجواب ده وصل لك يا كريم، يبقى أنا غالبًا مش موجود.
لو كل حاجة كانت ماشية طبيعي، كنت حكيتلك بنفسي.
لكن لو حد حاول ياخد العلبة، اعرف إن الحقيقة بدأت تطلع للنور.”
قلبي كان بيدق بعنف.
كملت قراية.
“من خمسة وعشرين سنة، مجموعة من رجال الأعمال استولوا على أرض ناس غلابة بالتزوير. حاولوا يشتروني… ولما رفضت، خبّيت الدليل الوحيد اللي يثبت حقوق الناس. المفتاح اللي في العلبة هيوصلك للدليل.”
وقفت عند آخر سطر.
“أوعى تثق في أي حد بيشتغل باسم الشركة… حتى لو كان قريب منك.”
اتسمرت مكاني.
قريب مني؟
مين؟
في نفس اللحظة، موبايلي رن.
المتصل كان مدير مكتبي.
رديت.
جالي صوته وهو بيصرخ:
“يا باشمهندس… لازم تيجي حالًا!”
“في إيه؟”
“مكتب حضرتك… حد دخله وقلبه كله.”
حسيت ببرودة في جسمي.
“إيه اللي اتسرق؟”
سكت لحظة…
وقال الجملة اللي خلتني أعرف إن الموضوع أكبر بكتير مما كنت متخيل:
“الغريبة يا فندم… محدش لمس ولا جنيه.”
“لكن الخزنة اللي فيها ملفات والد حضرتك… هي اللي اتفتحت.”
قفلت المكالمة، وبصيت لمنى.
لقيتها بتبتسم لأول مرة.
ابتسامة كلها تعب… لكنها مطمنة.
وقالت:
“يبقى عرفوا… إنك بدأت تدور.”
وفي اللحظة دي…
أجهزة مراقبة القلب بدأت تصدر إنذارًا حادًا، والممرضين جروا ناحية السرير، بينما العلبة القديمة كانت لسه في إيدي… والمفتاح النحاسي الصغير بقى هو الأمل الوحيد لفهم الحقيقة.
الجزء الرابع
صوت جهاز القلب قلب الأوضة كلها.
الممرضين دخلوا يجروا، والدكتور زقني برة وهو بيقول:
“لو سمحت استنى برة.”
وقفت في الطرقة، وإيدي ماسكة العلبة كأنها آخر حاجة فاضلة من الحقيقة.
بعد دقايق طويلة، خرج الدكتور.
وشه كان مرهق.
قال بهدوء:
“الحالة مستقرة… لكن ممنوع أي انفعال تاني.”
اتنفست الصعداء.
في اللحظة دي افتكرت كلام أبويا في الجواب.
“المفتاح هيوصلك للدليل.”
بصيت للمفتاح الصغير.
مكانش عليه أي علامة… غير رقم محفور بخط دقيق:
27
فضلت أفكر.
رقم مكتب؟
رقم شقة؟
رقم خزنة؟
وفجأة افتكرت.
في مبنى الشركة القديم، اللي اتقفل من أكتر من عشر سنين، كان فيه بدروم مليان خزائن حديد.
آخر مرة نزلته وأنا صغير، سألت أبويا:
“الخزنة رقم 27 دي فيها إيه؟”
ضحك يومها وقال:
“دي متتفتحش غير في الوقت المناسب.”
قلبي دق بعنف.
ركبت العربية وطلعت على المبنى القديم.
كان مهجور.
التراب مالي المكان.
والسكون يخوف.
البواب العجوز أول ما شافني، عرفني من أول نظرة.
قال باستغراب:
“يا ساتر… أول مرة أشوف حد يدخل هنا من سنين.”
قلتله:
“محتاج أنزل البدروم.”
بصلي ثانية، وبعدها طلع سلسلة مفاتيح كبيرة.
“لسه محتفظ بيها… زي ما والدك طلب.”
الكلمة وقفتني.
“أبويا؟”
هز راسه.
“قبل وفاته بشهر جه هنا، وقالي بالحرف: لو ابني كريم جه في يوم وسأل على البدروم… اديله المفاتيح من غير أي سؤال.”
نزلت السلم.
كل خطوة كان صداها بيرجعلي.
لحد ما وصلت للخزائن.
صف طويل من الحديد الصدئ.
وقفت قدام رقم 27.
دخلت المفتاح.
في الأول مرضيش يلف.
حاولت تاني.
سمعت صوت “تك”.
والباب اتفتح ببطء.
جوا الخزنة…
ماكانش فيه فلوس.
ولا دهب.
كان فيه صندوق خشب صغير، وكام ملف، وفلاشة إلكترونية.
فتحت أول ملف.
العنوان كان مكتوب بخط كبير:
“أصحاب الأرض الحقيقيون.”
تحت العنوان عشرات العقود.
وصور.
وبصمات.
وأسماء عائلات كاملة.
كلها تثبت إن أراضي بمليارات الجنيهات اتاخدت منهم بالتزوير.
وبين الورق، صورة جماعية قديمة.
وقفت عندها.
في الصورة كان أبويا.
وحواليه خمسة رجال.
أربعة منهم عرفتهم فورًا…
رجال أعمال مشهورين.
لكن الخامس…
خلاني أنسى أتنفس.
كان عمي فؤاد.
أخو أبويا.
الراجل اللي كان بمثابة أب تاني ليا.
الراجل اللي هو بنفسه سلمني إدارة الشركة بعد وفاة والدي.
الراجل اللي كنت بثق فيه أكتر من أي حد.
وفجأة افتكرت آخر سطر في الجواب.
“أوعى تثق في أي حد بيشتغل باسم الشركة… حتى لو كان قريب منك.”
قبل ما أستوعب الصدمة…
سمعت صوت تصفيق جاي من ورايا.
لفيت بسرعة.
لقيت عمي فؤاد واقف عند باب البدروم.
وكان معاه اتنين حراس.
ابتسم وقال بهدوء مخيف:
“أنا كنت عارف إنك هتوصل للخزنة دي في يوم.”
بصيتله والملفات في إيدي.
قلت:
“أنت كنت واحد منهم؟”
رد وهو بيقرب خطوة:
“لا يا كريم…”
وسكت لحظة.
“…أنا الوحيد اللي لسه عايش.”
ثم أشار للحراس وقال:
“هاتوا الصندوق… وسيبوا ابن أخويا لحد ما يقرر هيقف مع العيلة… ولا مع الحقيقة.”
الجزء الخامس والأخير
الحارسين اتحركوا ناحيتي.
لكن قبل ما يوصلوا، رفعت الفلاشة في إيدي وقلت بهدوء:
“أول واحد هيلمسني… نسخة من كل اللي عليها هتوصل للنيابة والصحافة.”
عمي فؤاد وقف مكانه.
وبصلي باهتمام.
“إنت بتقامر.”
ابتسمت.
“اتعلمت المقامرة منكم.”
الحقيقة…
ماكنتش باعت أي نسخة.
لكن كان لازم أكسب وقت.
في اللحظة دي، سمعنا صوت عربيات برة المبنى.
عمي بص للحراس.
“روحوا شوفوا.”
أول ما خرجوا، طلعت موبايلي.
كنت قبل ما أنزل البدروم باعت موقعي لمدير مكتبي، وكتبتله رسالة واحدة:
“لو اختفيت… بلغ الشرطة فورًا.”
بعد ثواني، دخل ضابط شرطة ومعاه القوة.
واضح إن البلاغ وصل في الوقت المناسب.
عمي حاول يتكلم.
“ده سوء تفاهم.”
لكن الضابط طلب منه يبعد عني.
وسألني:
“إيه اللي حصل؟”
سلمته الملفات… والفلاشة… وخطاب أبويا.
بعدها بأسابيع، بدأت التحقيقات.
كل يوم كانت تظهر مفاجأة جديدة.
العقود كلها كانت مزورة.
والأراضي اتباعت بأسماء وهمية.
وحسابات في الخارج كانت بتستقبل ملايين الجنيهات.
أما أكبر صدمة…