بنتى قالتلى بابا مش مسافر
كل هدفه يجوز أحمد لبنته رنا عشان يضمن تحالف عائلي يكبر بيزنس وشغل عيلتهم.
الشركة وقفت رأفت الشاهد عن العمل وبدأت معاه تحقيق مالي موسع. أما أحمد، فقدم استقالته قبل ما يرفدوه؛ لأنه كان عارف إنه شارك في اللعبة دي، وقدم إقرار كامل واعتراف بكل حاجة، حتى لو ده هيدمر مستقبله المهني.
من ناحيتها، الحاجة فادية لفت على العيلة كلها تصرخ وتقول إن مريم عايزة ترميها في السجن عشان خايفة على مصلحة ابنها وبتحبه زيادة عن اللزوم. فيه أعمام وعمات ضغطوا على مريم عشان تتنازل عن القضية.
دي حماتك وفي مقام والدتك كانوا بيقولوا لها والعائلات بتلم مشاكلها جوه بيوتها.
مريم كانت بترد دايماً بنفس الجملة
هي عشان من العيلة، كان لازم تحترم حدودنا وبيتنا. صلة القرابة عمرها ما بتشفع للأذى ولا بتقلبه حب.
لمدة تلات شهور، مريم منعت الحاجة فادية تماماً من إنها تشوف فريدة. مكنش انتقام، بس البنت كانت محتاجة تتخلص من إحساس الذنب والمسؤولية عن أسرار الكبار. الحاجة فادية بعتت هدايا، وجوابات، ورسايل درامية كلها عياط. مريم مردتش، وأحمد كمان مردش.
الوقعة الاجتماعية والكسرة وسط الناس اللي الحاجة فادية كانت خايفة منها، جت لها بسبب أفعالها هي؛ صاحباتها في النادي ابتعدوا عنها تماماً لما عرفوا بموضوع قضية التزوير والمراقبة، ورأفت الشاهد مبقاش يرد على تليفوناتها. والصندوق الائتماني مطلعش بإيده ياخد الشقة؛ لأن المحامية فريدة اكتشفت إن الشقة مكتوبة باسم مريم وأحمد مناصفة، والحاجة فادية كانت دافعة جزء بسيط بس من المقدم ومهولة ومكبرة الموضوع عشان تسيطر عليهم بقالها سنين.
ولأول مرة، تهديداتها مكنش ليها أي قيمة ولا سلطة.
أحمد أجر شقة صغيرة قريبة من مدرسة فريدة. واشتغل في شركة شحن لوجستي على قدها، بمرتب أقل بكتير ومن غير مكتب فخم ولا برستيج. كان كل يوم أربع بيجي ياخد بنته في وجود دينا ويقضي معاها اليوم بطوله. عمره ما سألها عن مريم ولا طلب منها تخبي حاجة. كانوا بيعملوا مع بعض سندوتشات، ويحلوا الواجب، ويقروا قصص.
كمان واظب على العلاج النفسي. وهناك اعترف لنفسه وللدكتور إنه قضى عمره كله فاكر إن الطاعة العمياء لأمه هي الحب. الحاجة فادية هي اللي اختارت له كليته، وأصحابه، وحتى لبسه وطريقة كلامه. ولما مريم دخلت حياته، تخيل إنه هيحافظ على سلام البيت لو تنازل ورخى الحبل شوية قصاد كل هجوم من أمه. بس في الحقيقة، كل سكوت منه كان بيسيب مراته لوحدها في الميدان وبيخلي أمه تتوغل وتتوحش أكتر.
مريم هي كمان بدأت رحلة علاجها النفسي الخاصة. واتعلمت إن استحمال الإهانة وبلع الإساءة مش دليل على الحب، وإن الحفاظ على شكل العيلة وبيت مقفول مش معناه إنها تلغي وتدمر نفسها. وفي شغلها، قدمت على ترقية كانت مأجلاها بقالها سنين وخايفة منها، وأخدتها فعلاً.
بعد ست شهور، الحاجة فادية طلبت قاعدة صلح وتسويه بوجود المحامية والدكتورة النفسية للعيلة. جت من غير مجوهرات تلمع ولا من غير المنظرة والأقاويل الكبيرة بتاعة زمان. حطت على الترابيزة دوسيه فيه إقرار ممضي منها بتعترف فيه بفبركة الأدلة وتنازلها التام عن أي محاولة للتدخل في حضانة البنت أو ملكية الشقة.
أنا مش جاية أقولكم انسوا اللي فات قالت بصوت واطي أنا جاية أعترف إن اللي عملته كان قساوة وافترا.
بصت لمريم وقالت
أنا قَللت منك واستهزأت بيكي عشان مش من عيلة غنية وعندها فلوس. بس أنتِ بنيتي بشغلك وتعبك اللي أنا حاولت أسيطر واقفل عليه بالخوف والتهديد. مش طالبة منك تسامحيني.
وبعدين بصت لأحمد
أنا خليت نجاحك وفلوسك هما كرامتي وشكلي قدام الناس. تخيلت إنك لو بقيت صاحب سلطة، محدش هيقدر يبص لي تاني على إني الست الفقيرة اللي بدأتها من تحت. وفي الآخر.. أنا فقرتك وحرمتك من راحة البال.
أحمد عينيه دمعت، بس مقامش .
أنا محتاج وقت يا أمي.
أنا مقدرة ده.
مريم هي كمان مقدمتش وعود بصلح سريع. اتفقوا إن الحاجة فادية تقدر تبعت جواب واحد في الشهر لفريدة. وبعدين، لو الأخصائية النفسية شافت إن الموضوع أمان، ممكن يحصل زيارات تانية تحت الإشراف. العواقب والنتائج مأختفتش بمجرد إن فيه دموع نزلت.
بعد سنة كاملة من الليلة المشؤومة بتاعة الدولاب، القضية الجنائية ضد الحاجة فادية والمخبر انتهت بتسوية وتعويضات مادية، وغرامات، وجلسات تأهيل نفسي إجباري؛ ورأفت الشاهد دخل في قضية منفصلة بتهمة الفساد المالي والاختلاس وخسر منصبه تماماً. الحاجة فادية باعت اشتراك النادي عشان تسدد مصاريف القضايا والتعويضات، وبدأت تتطوع في جمعية أهلية لحماية الستات اللي بيتعرضوا للتحكم والسيطرة الأسرية. مريم مكنتش عارفة هي بتعمل كده ندم حقيقي ولا منظرة برضه، بس قررت تحكم بالأفعال مش بالوعود والكلام.
أحمد ومريم فضلوا متجوزين، بس كانوا بيرجعوا لبعض خطوة خطوة وبتأني شديد. كانوا بيروحوا سوا لاستشارات علاقات زوجية، وحساباتهم المادية بقت مكشوفة وواضحة، ومشاكلهم بتتحل بينهم من غير دخول طرف تالت أياً كان. أحمد رجع يعيش في الشقة بعد تسع شهور بحالهم، مش لأن مريم نسيت، بس لأنه في الشهور دي نفذ كل شرط من شروطها من غير ما يشتكي أو يطلب المقابل.
أول ليلة رجع فيها، أحمد وقف قدام الدولاب الكبير وقال
إحنا ممكن نقفل الأوضة الصغيرة اللي ورا دي بالحيطة والطوب للأبد.
مريم هزت راسها بالرفض وقالت
لأ.
فضوا الأوضة سوا؛ شالوا المرتبة، الشواحن، وازايز المية. هدموا اللوح الخشبي الوهمي، وقلبوا المكان لركن قراءة صغير لفريدة. دهنوا الحيطة بلون موف فاتح لافندر، وحطوا مكتبة صغيرة وأباجورة. البنت الصغيرة اختارت يافطة وعلقتها على الباب مكتوب عليها هنا مفيش مكان لأسرار بتوجع.
الحاجة فادية زارتها بعد كام شهر، في زيارة رسمية ومراقبة. لما قرت الجملة اللي على اليافطة، حطت إيدها على بوقها وقعدت تعيط في صمت. مطلبتش من البنت تسامحها؛ قعدت معاها على الأرض وفضلت تسمع لفريدة وهي بتقرأ لها قصة.
في العصرية دي، مريم كانت واقفة بتبص على عيلتها من عند الباب. مكنتش العيلة المثالية الكاملة اللي كانوا بيمثلوها زمان قدام الناس؛ كانت عيلة معلم فيها الجرح، صاحية ومصحصحة، بس أصدق بكتير من الأول.
أحمد قرب منها وقال
شكرًا إنك اديتيني الفرصة إني أصلح اللي كسرته.
أنا مديتهالكش شفقة ولا صعبانيات مريم ردت عليه أنت اللي استهلتها لما وقفت ودافعت عن الحقيقة في الوقت اللي مكنتش الحقيقة دي في مصلحتك.
مسك إيدها بالراحة، من غير ما يضغط، ومستنيها هي تاخد القرار. مريم شبكت صوابعها في صوابعه.
فهموا هما الاتنين إن السماح مش معناه إننا نتمارض ونمثل إن مفيش حاجة حصلت، وإن حط الحدود والخطوط الحمراء مش بيهد العائلات؛ ساعات بيبقى هو الحبل الوحيد اللي بينقذها من الغرق. وفهموا كمان إن الأم ممكن تكون بتحب ابنها وتأذيه في نفس الوقت، وإن الزوج ممكن يكون مضحوك عليه ومتحجم بس هيفضل هو المسؤول الأول والأخير عن قراراته، وإن مفيش ست في الدنيا مفروض تقبل الإهانة وكسر النفس عشان تثبت إنها تستاهل تنتمي لعيلة.
ومن وقتها، لما فريدة كانت بتسأل ليه باباها عاش فترة ورا الدولاب،
مريم مكنتش بتألف لها حكايات وخيالات.
عشان الكبار ساعات بيخافوا يقولوا الحقيقة كانت بتشرح لها والخوف لما بيستخبى ويداري، ممكن يقلب البيت لسجن.
فريدة كانت بتبص لركن القراءة بتاعها وترد بكل براءة
يبقى هنا دايماً هنقول الحقيقة.
والوعد ده، البسيط بس القوي، كان يسوى عندها أكتر من أي ترقية، أو اسم عيلة كبير، أو اشتراك نادي خمس نجوم.
لأن الغنى الحقيقي لأي عيلة مش بالمنظرة واللي بنتباهى بيه قدام الغرب تملي، الغنى هو الأمان والدفء اللي بيحس بيه كل واحد فينا.. أول ما بيقفل عليه باب بيته.