اختى اختفت يوم حفلة المولود بتاعها
لما لقت الكل بيعاملها بحنية واهتمام كأنها ملكة، اتشبثت بالكدبة دي كأنها غريق بيتعلق بقشاية في وسط البحر.
بعد كده اتعرفت على فايزة كملت بسمة .. كانت بتفهمني. كانت بتقولي إني أستحق أكون أم.. وإن فيه ستات تانية مبيقدروش النعمة اللي في إيديهم.
زي ياسمين؟
بسمة غمضت عينيها ودموعها نازلة
فايزة كانت بتقولي إن ياسمين دي لسه عيلة، مش هتعرف تربي ولا تاخد بالها من حد، وإن البنت دي هتبقى أحسن معايا أنا. أنا عارفة إن الكلام ده يبان بشع.. بس في الوقت ده.. عقلي كان شايفه منطقي جداً.
رجعت خطوة لورا وبصيتلها
أنتِ كنتِ بتصطاديها يا بسمة! البنت عندها 17 سنة، لوحدها ومطرودة. ده ميخليهاش أم وحشة.. ده بيخليها ضعيفة ومكسورة وأنتِ استغليتي ده!
جسم بسمة اتهز وكأن الكلام فوق طاقتها
عارفة.. دلوقتي بقيت عارفة.
في اللحظة دي، فايزة خرجت من مكتب صاحب البيت ومعاها ظرف في إيدها. شافت بسمة وهي بتعيط، ولمحت رجالة المباحث وهم بيقربوا.
فجأة.. جريت.
ملحقتش حتى توصل لعربيتها.
اثنين أمناء شرطة وقعوها على الأرض قبل ما تفتح الباب. قعدت تصرخ، وتتفل، وتشتم. كانت بتقول إنهم مش فاهمين حاجة، وإنها بتنقذ الأطفال، وإن العيل الطايشة دي متستحقش تشيل عيال وهي مش عارفة هتوكلهم منين.
حضرة الضابطة فتحت شنطة عربية فايزة قدام الكل. جوه كان فيه يونيفورم ممرضات، كارنيهات مزورة، ورق مستشفيات متعدل بالفوتوشوب، وشنطة كاملة مجهزة لاستقبال طفل حديث الولادة.
مكنش فيه داعي لأي كلام تاني.
بسمة بصت للحاجات دي كأنها لسه صاحية من كابوس مرعب، ويادوبك بدأت تكتشف الأوضة الضلمة اللي كانت محبوسة فيها.
يا نهار أسود.. همست .. أنا كنت هعمل كده بجد؟
المقدمة مريم قربت منها.
بسمة مجريتش، ومصرختش. كل اللي عملته إنها ضمت معصم إيديها لبعض عشان الكلبشات تركب.
لو سمحتِ.. قولوا لمامي إني آسفة على تعب تورتة البيبي شاور.
الجملة دي، على قد ما هي صغيرة وتفاهة وسط الكارثة دي، قطعتلي قلبي. لأنها عرفتني إن أختي لسه عقها متأرجح بين عالمين الست اللي كانت هتشارك في خطف طفلة، والبنت الصغيرة اللي لسه خايفة من زعل أمها عشان التورتة اللي متقطعتش.
أخدوا بسمة براحة وفي هدوء. أما فايزة، فاضطروا يجرجروها وهي بتركب البوكس وهي لسه بتصرخ وتصيح إننا جهلة، وإنها بتفهم أكتر من الدكاترة، وإن بكرة الأيام تثبت إن الأطفال دول محتاجين أمهات أفضل.
في النيابة، بسمة اعترفت بكل حاجة.
حكت إزاي فايزة دخلت لها من سكة جروب الدعم النفسي بعد الإجهاض. في الأول كانت بتكلمها بحنية وطيبة، وبعدين بدأت تسمم أفكارها تقنعها إن وجعها ده إشارة من ربنا، وإن فيه أمهات مبيستاهلوش عيالهم، وإن الست المختارة هي اللي تنقذ طفل من حياة بهدلة وتشرد.
فايزة هي اللي علمتها إزاي تحبك الكدبة عملتلها كروت متابعة مزورة، اشترتلها صور سونار جاهزة، دربتها على تمثيل أعراض الحمل، وفهمتها إزاي تخلي سامح يستنى في العربية بره العيادة. وبعدين هي اللي وجهتها ل ياسمين لأنها صغيرة، وعايشة في دار رعاية، وبتنشر كل تفاصيل حملها على السوشيال ميديا.
الخطة كانت إن بسمة تقرب منها في كورس الولادة، تكسب ثقتها، وتظهر جنبها وقت الولادة. ولو الموضوع ممشيش بالذوق، كانوا هيستخدموا اليونيفورم والكارنيهات المزورة عشان يسرقوا البنت في لحظة دربكة جوه المستشفى.
بس ياسمين خافت وقلق شكلها غريب.. والخوف ده هو اللي أنقذ حياة بنتها.
بعد يومين، طبيب شرعي نفسي جه يقيم حالة بسمة. أنا وأمي قعدنا مستنيين 3 ساعات في طرقة المستشفى، طرقة بيضا ريحتها شبه الكارتون، ومحدش فينا قادر ينطق كلمة.
التقرير كان صدمة، بس على الأقل ريحنا شوية بسمة عندها اضطراب ضلالي حاد Delusional Disorder ناتج عن صدمة الفقد غير المعالجة، والعقم، والابتزاز العاطفي اللي تعرضت له من فايزة. ده مكنش معناه إنها بريئة، وممسحش الجريمة، بس فهمنا ليه بنت واقع بديل وعاشت جواه كأنه الحقيقة.
أما فايزة.. فالموضوع كان مختلف تماماً.
دي مكنتش مريضة ولا مهزوزة. دي ممرضة مفصولة من 18 شهر لأنها حاولت تخرج طفل من حضانة مستشفى تانية، والإدارة وقتها لمّت الموضوع ورفدتها في سكات عشان السمعة. السكوت ده هو اللي سمح لها تدور على ستات مجروحة ومكسورة زي بسمة، عشان تستغلهم وتخليهم أدوات لهوسها المريض.
فايزة لبست قضايا جناية تكوين تشكيل عصابي، محاولة خطف طفل، تزوير في أوراق رسمية، وانتحال صفة.
أما بسمة، فالنيابة وافقت على تسوية إيداع إجباري في مصحة نفسية لمدة سنتين على الأقل، تحت العلاج والمراقبة المشددة.. ولو خالفت الشروط، هتحول للمحاكمة الجنائية فوراً.
أمي كانت بتعيط وهي بتوقع على الأوراق.. وأنا كمان.
مش عشان شايفين إن بسمة ملهاش ذنب، بالعكس، بس لأننا فهمنا إن السجن من غير علاج كان هيدفن المرض أكتر وهيطلعها وحش حقيقي بعد كده.
بعد أسبوع، رحت زرت ياسمين.
الأخصائية الاجتماعية أخدتني لأوضتها في المستشفى. كانت قاعدة على السرير، وماسكة حتة لحمة حمراء ملفوفة في بطانية بمبي. أول ما شافتني، ضمت بنتها بقوة وخوف.
أنا مش جاية أطلب منك تسامحي أختي قلتلها وأنا باصة في الأرض .. لأن ده حقك أنتِ وبس. أنا جاية أقولك إني آسفة.. وآسفة إن فيه حد خلاكِ تخافي وأنتِ بتحبي بنتك.
ياسمين بصتلي كام ثانية. وشها كان وش عيلة صغيرة تعبانة، بس عينيها كانت عين ست شافت وعرفت كتير أوي.
أنا سميتها أمل قالت وهي بتبص لبنتها .. عشان ده الشيء الوحيد اللي مقدروش يسرقوه مني.
ملقيتش كلام أقوله.
ياسمين مكنتش الأم الفاشلة غير القادرة اللي بسمة وفايزة رسموها في خيالهم عشان يبرروا جريمتهم. كانت بنت خايفة، أه، بس شرسة وبتعافر. كانت بتكمل ثانوية عامة منازل، ودار الرعاية وافقت تدعمها وتخلي بالها من البنت وقت دراستها. وكانت عاوزه تدخل معهد تمريض عشان تساعد الأمهات الصغيرين اللي زيها.
لما شفتها بتبوس راس أمل، حسيت بمزيج من الراحة والكسوف.. الراحة لأن البنت في حضن أمها، والكسوف لأن أختي ومن دمي كانت هتهد المشهد ده للأبد.
عدت شهور.
سامح أخد حكم مع إيقاف التنفيذ، مع خدمة مجتمعية وعلاج نفسي إجباري. بعتلي جواب بيقولي فيه إنه كان جبان، وإنه حس إن فيه حاجة غلط بس اختار يسكت عشان كان خايف من الحقيقة. مَردتش عليه. يمكن في يوم من الأيام أسامحه.. بس مش دلوقتي.
فايزة أخدت حكم بالسجن المشدد لسنوات طويلة. طول المحاكمة مظهرش عليها أي ندم، وفضلت مقتنعة إنها بتنقذ الأطفال. القاضي قال جملة فضلت رنانة في ودني وجعك وحرمانك مش رخصة تخليك تقرر مصير حياة غيرك.
بسمة بدأت علاجها في مصحة تبعد 3 ساعات عن القاهرة. أول مرة زرناها، كانت من غير مكياج، لامة شعرها، وعينيها رايقة وصافية لأول مرة من سنين. بكت أول ما شافت عينينا.
أنا بقيت فاهمة أنا عملت إيه قالت .. مش كل حاجة لسه، بس فاهمة إني آذيت ناس حقيقيين وليهم مشاعر.
أمي مسكت إيديها. أنا مقدرتش أعمل كده في الأول.
أخدت وقت طويل في جلسات العلاج النفسي عشان أستوعب إني ينفع أحب أختي وأكون غضبانة منها في نفس الوقت. إن مرضها بيفسر اللي حصل، بس
مبيحميش رقبتها من الغلط. وإن مساعدتي ليها مش معناه إني هنسى ياسمين وأمل.
مع الوقت، بسمة بدأت تشارك في جروب دعم الستات اللي سقطوا جوه المصحة. بدأت تساعدهم يتكلموا عن الفقد اللي كانوا بيكتموه كسوفاً وخوفاً. الدكتور بتاعها قال إن تحويل الوجع لمساعدة للغير ده أول طريق الشفاء، طول ما هي منسيتش الذنب اللي عملته.
بعد 6 شهور، ياسمين بعتتلي صورة. أمل كانت قاعدة على رجليها، بقت مقلبظة وبتضحك من قلبها. الرسالة كانت كاتب فيها أنا نجحت في الثانوية.. وفي سبتمبر هبدأ الدراسة. مكنتش عوزاكي تفتكري إننا عشنا في خوف.
وريت الصورة لأمي، وقعدنا نعيط وإحنا حاضنين بعض في المطبخ.
بس مكنتش دموع حزن..
كانت دموع شبه جبر الخواطر والتصليح.
بعد سنتين، بسمة خرجت من المصحة وراحت تعيش في شقة تحت الإشراف الطبي. لسه بتتعالج، لسه بتاخد أدوية، ولسه شايلة ذنب اللي كانت هتعمله. ساعات بتيجي تتغدى معانا يوم الجمعة. مبقناش بنمثل إن كل حاجة تمام.. بنسأل في الصعب، وبنجاوب على المستخبي. اتعلمنا إن العيلة مبيحميهاش السكوت الزائف، بل بتنقذها الحقيقة الوجيعة لو اتقالت في وقتها.
أمي شالت زينة ال بيبي شاور من زمان. قعدت أسابيع مش عاوزه تلمس حاجة. كانت بتقول إن شيل البالونات معناه إقرار إن كل حاجة كانت كدب.. ورميها معناه اعتراف إن بنتها كانت عيانة قدام عينيها وهي مشافتهاش.
في الآخر لميناها سوا.
مكنش فيه طفل بنحتفل بيه اليوم ده.
بس بعد سنين فهمت إن يمكن اليوم ده شهد ولادة تانية ولادة حقيقة أجبرتنا نبطل نعيش في المظاهر والوشوش الكدابة.
بسمة مش وحش في حدوتة، ولا ضحية بريئة.. هي أختي. ست اتكسرت، فكدبت، فاتلعب بدماغها، ومع ذلك أخدت قرارات بشعة. وياسمين مكنتش عيلة فاشلة.. كانت أم صغيرة محتاجة سند مش محتاجة حكم وجَلد. وأمل مكنتش جايزة عشان تملا فراغ حد.. دي كانت روح وحياة مستقلة.
ولو اتعلمنا حاجة من الكابوس ده، فهو إن الوجع اللي مبيتعالجش بيكبر لحد ما يبقى كدبة ضخمة، والكدبة اللي بتعيش في الخوف ممكن تهد بيوت وحيوات أكتر بكتير من أشرس وأقسى حقيقة.
عشان كده، لما حد في عيلتي بيقول خلاص بلاش نسأل، أنا بدخل وبسأل.
لأن الحقيقة بتوجع..
بس السكوت كان هيضيع مننا طفلة.