زعيم المافيا والجرسونة الإيطالية

لمحة نيوز

بنطلون جينز وبلوفر رمادي في حمام الموظفين.
علقت الشنطة على كتفي.
وقولت لنفسي إني بأفور.

الرجالة الأغنياء بينسوا الجرسونات أول ما عربياتهم تتحرك من قدام المطعم.
ولما وصلت شقتي الصغيرة، كنت تقريبًا قدرت أقنع نفسي بكده.
تقريبًا.
شقتي كانت صغيرة لدرجة إني لو ملت من فوق السرير بطريقة خطيرة، ممكن أوصل لحوض المطبخ.
لكنها كانت بتاعتي.

كتب مستعملة فوق الشباك.
ملخصات قضايا متعلقة فوق المكتب.
كوباية مشروخة مليانة أقلام.
حياة اتبنت من منح دراسية.
وشيفتات مضاعفة.

وعند.
فتحت اللابتوب وحاولت أذاكر.
وقريت نفس الفقرة عن الإجراءات القانونية 5 مرات.
كل اللي كنت سامعاه
كان صوته.

أنا عايزها.
تاني يوم الصبح، في محاضرة القانون الدستوري، الدكتور كان بيتكلم عن الفصل بين السلطات، وأنا قاعدة في آخر صف وكوباية القهوة بتبرد جنب الكشكول.
كان المفروض المحاضرة تهديني.
القانون عادة كان بيعمل كده.
القانون نظام.

القانون لغة اتمنحت قوة.
القانون هو الوعد إن حتى أقوى الرجالة ليهم حدود.
لكن عقلي كان بيرجع كل شوية لسليم السيوفي.
فيه حاجة فيه كانت بتقول إنه قضى حياته كلها بيتعامل مع الحدود على إنها مجرد اقتراحات.
وقت الغدا، كلمت أمي من ركن هادي في مكتبة الجامعة.

قالتلي إن شغل أبويا في المقاولات أخيرًا بدأ يستقر.
وإنها أخدت بيتين زيادة تنظفهم يوم الخميس.
صوتك تعبان يا بنتي.
أنا كويسة يا ماما.
إنتِ بتشتغلي كتير.

وبذاكر كتير برضه. عايزاني أبطل دي كمان؟
ضحكت بهدوء.
أبدًا. جدتك كانت هتطلع من قبرها وتطاردنا.
كنت تقريبًا هحكيلها عن الراجل اللي كان قاعد على الترابيزة رقم 7.
لكن تخيلتها وهي قاعدة طول الليل قلقانة.

وتخيلت أبويا وهو داخل مطعم بيلاناتا، وخوذة الشغل لسه في عربيته، ومستعد يهدد مليونير بمفتاح إنجليزي.

عشان كده

ماقولتش حاجة.
بالليل، بيلاناتا كان زحمة تاني.
احتفال بعيد ميلاد عند الترابيزة رقم 7.
ورد ذكرى جواز جنب الشبابيك.

وعشا عمل خاص في الخلف.

فوضى عادية.
فوضى آمنة.

ارتحت.
وبعدين شوفته.

المرة دي، ماكانش قاعد على الترابيزة رقم 7.
كان على الترابيزة رقم 3.
في الجزء اللي أنا مسؤولة عنه.
سليم السيوفي كان قاعد لوحده، قدامه طبق لينجويني تقريبًا ما لمسوش، وملف جلد مفتوح جنب كوباية المشروب.
ما ناداش عليا.

ماكانش محتاج.
وجوده لوحده كان كفاية يشد المكان كله ناحيته.
قربت منه ومعايا المية، لأن الهروب كان هيخليني أبان طفلة.
مساء الخير يا فندم. تحب أجيب لحضرتك حاجة تانية؟


سليم السيوفي ما رفعش عينه عن الملف اللي قدامه، وبصوت هادي تقيل كأنه بيقرأ نص عقد مش مجرد رد على جرسونة، قال
عايزك تقعدي.
الكلمة كانت زي الصاعقة. المطعم حوالينا صوته اختفى في ودني، وحسيت إن كل العيون اتجهت ناحيتنا، مع إن الحقيقة كانت إن محدش خد باله. بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي خرج مسموع بالعافية
أنا بشتغل يا فندم.. مش مسموح لي
قاطعني وهو بيقفل الملف بهدوء، ولأول مرة رفع عينه وبص لي مباشرة. عينيه كانت حادة وباردة، بس فيها نظرة غريبة، نظرة حد بيدور على مفتاح لحاجة مكسورة.
أنا اللي بملك المطعم ده يا ليلى.
اسمي.. نطق اسمي بطريقة خلت جسمي يقشعر. عرفه منين؟ وأنا مكنتش حاطة نيم تاج عليه اسمي!
أنا ماليش اسم غير في سجلات الموظفين، وحضرتك عرفته إزاي؟
أنا ما بسألش، أنا بعرف.
سكت لحظة، وبعدين أشار للكرسي اللي قدامه اقعدي، لإن عندي عرض مش بيتكرر مرتين، وعرضي ده فيه نجاة لمستقبلك اللي بتذاكري عشانه، وفيه دمار لحياتك لو رفضتي.
قلبي كان بيدق لدرجة إني خفت سليم نفسه يسمعه. كان عندي اختيارين يا إما أتمسك بكرامتي وأمشي، يا إما أسمع هو عايز إيه، والفضول القاتل اللي عندي خلاني أشد الكرسي وأقعد.
إيه العرض؟ سألت وأنا بحاول أبين إني قوية.
سليم مال بجسمه ناحيتي، وقرب لدرجة إني شميت ريحة برفانه.. خشب صندل مع حاجة حادة زي الحديد
عندي صفقة في إيطاليا، صفقة ممكن تنهي إمبراطوريتي لو حد من أعدائي عرف تفاصيلها قبل ما تتم. محتاج حد بيتكلم إيطالي بطلاقة، حد ذكي بيفهم في القانون، وحد.. محدش يشك فيه. حد زي الجرسونة اللي بتدرس مرافعات مدنية بالليل.
وقفت مصدومة إنت بتراقبني؟
بأمن استثماراتي بس. قالها ببرود، وبعدين كمل إنتي هتيجي معايا ك مترجمة وسكرتيرة خاصة. في خلال أسبوع، هتكوني في قصر في فلورنسا، بعيد عن الفقر اللي إنتي فيه، وبعيد عن الدراسة اللي بتهلكي نفسك فيها عشان شهادة في الآخر هتديكي مرتب مايجيبش تمن بدلة من اللي أنا لابسها.
ولو رفضت؟
سليم ابتسم، ابتسامة خلتني أحس إني وقعت في فخ كبير
لو رفضتي، مدير المطعم هيعرف إن إنتي، الجرسونة الهادية، كنتِ بتسرقي أسرار الزباين وبتبيعيها لمنافسيني.. طبعاً دي كذبة، بس أنا اللي بكتب تاريخ الناس هنا. هطردك، وهمنعك تشتغلي في أي مكان في مصر، وهخلي حلمك في إنك تكوني محامية مجرد ورقة مقطوعة.
حسيت إن الهوا بيخلص في الأوضة. ده مش عرض، ده تهديد مغلف بشياكة.
أنا ليلى، مش مجرد أداة في إيدك.
سليم قام وقف، وطوله خلى الأوضة تصغر، وقال وهو ماشي ليلى، قدامك لحد بكره الساعة 8 الصبح. يا إما تطلعي محامية شاطرة وتغلبيني في مكتبي، يا إما تلبسي المريلة وتيجي المطار.. اختاري.
مشى وسابني في مكاني، والترابيزة رقم 3 بقت فاضية، بس كان سايب وراها إعصار هيغير كل حاجة

ليلة طويلة مرت عليا، كانت أطول من كل سنين عمري. قعدت في أوضتي الضيقة، والكتب حواليا في كل حتة، وكل
تم نسخ الرابط