"حماتي دايماً بتعيب على أكلي وتتريق عليا قدام الناس
أمي!
الهمس والوشوشة قالبوا الصالة والمطبخ. البيت الكبيييير اللي احنا واقفين فيه ده، واللي الحاجة فاتن كانت بتتنطط بيه وتعتبره ورثها الشرعي وعرشا ومملكتها، طلع فيه كلام تاني!
مصطفى كمل قراية في سرة لثواني، ووشه اتخطف من الصدمة والذهول
أمي.. البيت ده مكتوب باسم تلاتة.. أنتي، وخالتي ليلى، وخالي رأفت!
أحمد فتح بوقه
إيه؟!
رشا لفت لأمها وصرخت
أنتي مش طول عمرك بتقوليلنا إن البيت ده ملكك أنتي لوحدك ورثاه من جدتي؟!
الحاجة فاتن صلبت طولها وحاولت ترجع هيبتها المكسورة
عشان أنا اللي شيلته! أنا اللي كنت بصرف عليه وبوضبه، وأنا اللي بلمكم فيه، وأنا اللي خدمت أمي وشيلتها في مرضها لما كان محدش بيعبرنا!
وفجأة، دخلت من الصالة خالتي الكبيرة خديجة وقالت بصوت هادي
الكلام ده مش مظبوط يا فاتن.
حماتي اتسمرت مكانها. خالتي خديجة قربت من الرخامة، وصوتها كان بيرعش من كبر السن بس مكانتش خايفة
ليلى كانت بتبعتلك فلوس كل شهر من بورسعيد عشان البيت. ورأفت هو اللي دفع دم قلبه في تصليح السقف لما وقع في أواخر التسعينات. أنتي خدمتي أمك يا فاتن ومحدش أنكر فضلك، بس ما خدمتيهاش لوحدك.. أنتي اللي طمعتي وعايزة تكوشي على كل حاجة وتعملي فيها الست الوالدة.
مصطفى بص في الصورتين. واحدة فيها الحاجة فاتن وهي شابة صغيرة ببلوزة بسيطة واقفة جمب جدتي وخالتي ليلى. والتانية جدتي الله يرحمها وهي بتبصم على ورق قدام موظف، ومكتوب وراها تاريخ 2003.
رشا عينيها اتملت دموع وبكت
يا أمي.. خبيتي علينا كل ده ليه وعيشتينا في كدبة؟
الحاجة فاتن بصتلها بغل وكسوف
عشان لو مكنتش عملت كدة، العيلة دي كانت هتتفركش وتضيع!
مصطفى رد عليها
لأ.. هي ااتفركشت وضاعت لأنك بنيتي كل حاجة على الخوف والكدب.
الكلمة اللي قطمت الوسط
محدش نطق بكلمة. وفجأة، سمعنا صوت فريدة بنتي من على باب الحوش
ماما.. هي تيتة رمت الحلو بتاعك في الزبالة ليه؟
لفيت بسرعة. بنتي كانت واقفة، شعرها منكوش، وخدودها حمرا من الجري، وفي إيدها مصاصة سايحة. وراها العيال الصغيرة كانوا واقفين بيبصوا ومش فاهمين حاجة، بس حاسين بالخناقة والغم.
الحاجة فاتن فتحت بوقها ومعرفتش تنطق. أنا روحت لفريدة، نزلت على ركبي ومسحتلها فرفوتة سكر من على دقنها وقلت
عشان الكبار ساعات بيغلطوا ويعملوا حاجات وحشة لما بيزعلوا يا حبيبتي.
فريدة بصت لجدتها ببراءة وقالت
بس ماما كانت عاملاها بحب ونفسها تفرحنا.
محدش كان مستعد للكلمة دي من طفلة.. ولا حتى حماتي.
الحاجة فاتن نزلت عينيها الأرض، ولأول مرة من يوم ما عرفتها، مالقتش رد ترد بيه على طفلة عندها 5 سنين.
مصطفى مسك إيدي وقال
يلا بينا.. نمشي.
حماتي رفعت راسها وقالتله
هتمشي وتسيبني عشان صينية أكل؟
هو ضحك ضحكة كلها وجع وقال
لأ يا أمي.. أنا ماشي عشان بقالي 7 سنين ساكت وكاتم في نفسي. أنا ماشي وبحمي كرامة مراتي وبنتي.
قربت منه وقالت
مصطفى، أنا أمك!
ومريم مراتي، وفريدة بنتي. عيلتي ومملكتي مابتتولدش من المكان اللي أنتي بتديني فيه إذن وتصريح.
وش الحاجة فاتن اتقسم نصين من الوجع والخزي، بس مكنتش من النوع اللي هيقول أنا آسفة. في ناس تموت وماتعترفش بغلطها.
رشا لمت شنطتها وقالت
وأنا كمان ماشية.
الحاجة فاتن برقتلها
رشا!
لأ.. مش هخاف النهاردة تاني.
أحمد بص لمراته اللي كانت واقفة بعيد ومربعة إيديها، بلع ريقه وقال
احنا كمان هنستأذن يا جماعة.
في أقل من 10 دقائق، اللمة السنوية لعيلة السلحدار اتقلبت لمشهد هروب جماعي. كله بيلم عياله، والخالات بيوشوشوا بعض، والأكل برد على السفرة ومحدش مأد إيده. محدش زعق ولا شتم، وده اللي كان قوي.. الناس ببساطة مابقتش تسمع الكلام ولا تطيع الظلم.
بداية الحُرية
برة البيت، الجو كان مغيم وريحته مطر. فريدة سألتنا وهي في العربية يعني كدة مفيش حلو؟
مصطفى شالها وضحك
لأ داحنا هنروح ناكل أحلى قنبلة وكنافة وبسبوسة في السيدة زينب!
البنت ضحكت وهي مش فاهمة إن أبوها لسه كاسر حالا حلقة غل وظلم ممتدة من سنين وسنين قبل ما هي تتولد.
رشا اخت جوزي مشيت معايا لحد رصيف العربية، وعينيها منفوخة من العياط
سامحيني يا مريم.
مفيش حاجة يا رشا، مش أنتي اللي رميتي الأكل.
بس أنا اللي كنت بضحك وأجاريها في الكلام وأسكت عشان أحمي نفسي ومانضربش في وشي.
سكت.. لأن ده كان حقيقي، ولأن الحقيقة برضه إن الواحد بيبدأ يتغير ويتولد من جديد في اللحظة اللي بيبطل فيها يمثل ويزيف مشاعره.
قلتلها
المهم إنك اتكلمتي النهاردة.
رشا خدتني في حضنها.. وكان أول حضن منها بجد، من غير ما نحس إن عيون حماتي بتراقبنا.
بليل، بعد ما أكلنا الحلو ورجعنا، نيمنا فريدة. نامت والسكر على شفايفها وعروستها في حضنها. وقعدت أنا ومصطفى في المطبخ قدام كوبايتين شاي محدش فينا شرب منهم بؤ.
كان وشه أحمر وعينه مغرغرة
أنا أسف.
يا مصطفى...
لأ، سيبيني أقولها وأبرد ناري. أسف على كل مرة قولتلك عديها وفوتيها وهي كانت حاجة تكسر النفس. أسف لأني عيشتك في وهم إن روقان بالي تمنه كرامتك أنتي. أسف إني سبت أمي تعاملك كأنك ضيفة تقيلة على العيلة وأنتي اللي كنتي بتديهم حب من قلبك بجد.
بصيت للترابيزة واشتميت ريحة الأيام.. افتكرت أعياد الأضحى، وأعياد الميلاد، والمرات اللي طبخت فيها وكنت مستنية كلمة حلوة تطيب خاطري. والهدوم اللي كنت بنقيها عشان تعجبها وماتعلقش عليها. وصوتي اللي كنت بوطيه عشان مايقولوش عليا حسيسة وبتاعة مشاكل.
وقلت
وأنا كمان لازم أعتذر لنفسي.
مصطفى استغرب
ليه؟
لأني اتعودت اختفي وأصغر عشان أرضي الناس.
مسك إيدي، ومكنش فيه وعود أفلام ولا مزيكا.. كان فيه اتنين تعبانين بس قايمين على حيلهم، وعرفوا إن الحب معناه كمان إنك تقف وتتحامى في ظهر اللي بتحبه.
الحقيقة المرة
بعدها كلمت خالتي ليلى في التليفون، ردت بصوت تعبان من المرض
صينية قرع العسل وصلت بالسلامة؟
ضحكت بمرارة
وصلت.. بس قعر الباسكيت.
سكتت شوية ونهدت
يبقى قرت الرسالة وشافت الورق.
حكيتلها كل حاجة بالحرف. وفي الآخر، خالتي ليلى قالتلي
سامحيني يا مريم.. أنا استخدمتك كطُعم عشان الكل يشوف اللي أنا عارفاه من سنين. مكنتش عايزة أوجعك، بس فاتن بقالها سنين مدارية على ورق وتاريخ وحقوق عيال، وكنت عارفة إني لو واجهتها لوحدي هتقول عليا حاقدة وبغير منها. لكن لما تعمل عملتها السودة دي قدام العيلة كلها، محدش هيقدر يقول علينا بنتبلى عليها أو بنأفور.
بصيت على الصالة، لقيت مصطفى بيطبق بطانية فريدة.
الخطة نجحت يا خالتي.
ساعات الحقيقة بتحتاج باب ورِخ ومقرف عشان تدخل منه وتكشف المستور.
حياة جديدة بدون قيود
في الأسابيع اللي وراها، مكنش فيه صلح معجزات ولا أحضان. الحاجة فاتن كلمت مصطفى 3 مرات. أول مرة عشان تقوله إن مراته بتمشيه وبتلعب في دماغه. تاني مرة عشان تلوم رشا وتقول إنها خانتها. وتالت مرة عشان تقول كلمتها الشهيرة بعد كل اللي عملته عشان العيلة دي!
مصطفى سمعها للأخر وقالها
عملتي حاجات كويسة يا أمي.. بس ده مايمحيش المُر والظلم اللي دوقتيهولنا. لما تقرري تتكلمي من غير ما تجيبي سيرة مريم بالباطل، نبقى نتكلم. وقفل السكة.
رشا كمان جالها مكالمات تلطيش
كتير، عيطت واحتارت وكانت هترجع في كلامها.. بس في ليلة كلمتني وأنا بعمل شوربة لفريدة وقالتلي
مريم.. أنا النهاردة قولتلها إني بحبها، بس مبقتش أخاف منها.
وكانت دي أول مكالمة حقيقية بيننا كأخوات وسلايف بجد. وبعدها بقينا نتكلم في كل حاجة عن شغلها، عن واحد زميلها متقدملها، وعن قد إيه صعب عليها تاخد قرار من غير ما تطلب إذن. وأنا حكيتلها عن تعبي وشغلي، وقد إيه صعب أثق في الناس تاني بعد سنين الوشوش الخشب والابتسامات الفيك.
خالتي ليلى جابت محامي وفتحت ورق البيت، وخالي رأفت اللي كان طافش من سنين ظهر ومعاه مستندات تؤكد الكلام. الحاجة فاتن كانت مستغلة توكيلات قديمة وسكوت العيلة وخوفهم عشان تتصرف كأنها المالك الوحيد لحاجة عمرها ما كانت ملكها لوحدها.
محدش حب يوديها المحاكم ولا يسجنها، محدش كان عايز كدة.. بس اضطرت قانوناً تمضي وتتنازل عن حقوق إخواتها. البيت مبقاش تاج على راسها، واللمة مبقتش تتعمل فيه. ولأول مرة من سنين، العيلة بقت تتجمع في حتت ملهاش ملكين جنينة الأزهر، مطعم في المنيل، شقة رشا، أو حتى في شقتنا الصغيرة في عين شمس وبكراسي مستلفة من الجيران.
الحاجة فاتن مجتش أول كام مرة. بس في يوم ظهرت عصر كده، كانت خاسة، وساكتة، وفي إيدها كيس فيه شريك وقرص بعجوة. مطلبتش السماح علني، بس قعدت بعيد وحطت إيدها على جلبابها.
فريدة بنتي، اللي مابتفهمش في خصام الكبار، راحتلها وبيدها حتة قرصة وقالتلها
تيتة.. خدي كلي، احنا هنا مابنرميش الأكل في الزبالة.
الكل اتسمر مكانه ومحدش اتنفس. الحاجة فاتن خدت اللقمة منها، وعينيها اتملت دموع وقالت بصوت هربان
لأ يا قلب تيتة.. هنا لأ.
مكانش اعتذار كامل، بس كانت أول شرخ في الحيطة السد اللي بنيتها سنين.
أنا مجريتش عليها ولا أخدتها بالأحضان، ولا قلتلها حصل خير.. لأن م حصلش خير. ساعات الشفاء مش معناه إنك ترجع تقعد في نفس المكان اللي اتجرحت فيه. ساعات الشفاء معناه إنك تحدد المسافة المظبوطة اللي تبص فيها للشخص من غير ما تخسر نفسك تاني.
مصطفى اتغير.. مش فجأة زي الأفلام، بس اتغير. بقى بيقول لأ من غير ما يبرر كتير. بقى يلمح نظرة التوتر في عيني قبل أي لمة عيلة، ويمسك إيدي ويطمني من غير ما أطلب.
وأنا كمان اتغيرت. في شغلي، دخلت لمديرتي وطلبت إعادة تقييم لشغلي وضغط العمل. رجلي كانت بتخبط في بعضها وأنا داخلة مكتبها، بس دخلت. قولت أنا بعمل إيه، وبساوي كام، ومستحقة إيه. ماخدتش كل حاجة، بس أخدت أكتر بكتير ملي كنت هاخده وأنا ساكتة ومستنية الرضا.
وده علمني حاجة غريبة بعد ما تشوف صينية أكل متعوب فيها ومصنوعة بحب بتترمى في الزبالة بدافع الكبر والغل، أي مناقشة صعبة في الدنيا بتبقى بنظرك تافهة ومش مستحيلة.
حلة خالتي ليلى البايركس عمرنا ما رجعناها، اتكسرت ومصطفى بيطلعها من الباسكيت. بس خالتي قالتلي كلمة عمري ما هنساها
الحلة دي عملت دورها وزيادة يا بنتي.. شالت أكل سنين كتير، بس في اليوم ده.. شالت حقيقة وحمت عيلة.
دلوقتي، كل سنة في نوفمبر، بعمل صينية قرع العسل في بيتي وبنفسي. فريدة بتقف جمبي ترش المكسرات على الوش وتسألني ماما، هنعزم العيلة النهاردة؟ ساعات بنقول أه وساعات بنقول لأ.. بس الفرق الكبير إن الإجابة مبقتش تطلع من الخوف.
الحاجة فاتن لسه مابتفهمش تعتذر من غير ما تدافع عن نفسها في نص الكلام، بس مابقاش ليها سلطة تقرر أنا أسوى إيه في الدنيا.
ودي بقا العدالة الحقيقية..
لأن في ناس في حياتك عمرهم ما هيدوكي الرضا والقبول اللي بتدورى عليه سنين، مش عشان أنتي ماتستاهليش، لأ.. عشان لو ادهولك، هيحسوا إنهم خسروا القوة والتحكم اللي فاكرين إنهم يملكوها عليكي.
أنا قعدت 7 سنين عشان أفهم ده. وفهمته في اليوم اللي حماتي رمت فيه أكلي وهي فاكرة إنها بتكسرني.. ومكنتش دارية إنها بتطلع من قعر الزبالة حقيقة العيلة كلها!