"حماتي دايماً بتعيب على أكلي وتتريق عليا قدام الناس
حماتي دايماً بتعيب على أكلي وتتريق عليا قدام الناس، بس المرة دي رمت صنيتي في الزبالة وقالت عشان تتعلمي الأصول في بيتي.. مكانتش تعرف إن جوزي وهو بيطلع الصينية المكسورة من وسط الوساخة، هيطلع معاها ظرف بني متبهدل، جواه سر هيدفن هيبتها ويهد مملكتها قدام العيلة كلها في أقل من دقيقة.
ارمي كل ده في الزبالة! أنا ميتفرشش على طبلتي أكل من إيد واحدة مابتسمعش الكلام ومابتفهمش في الأصول.
الحلة البايركس وقعت في قعر باسكيت الزبالة برزعِة مكتومة، تقيلة، تكسر النفس. كنت واقفة على باب المطبخ بتاع حماتي، إيدي لسه ساندة على الحلق، وببص على الحاجة تريزة وهي بتكبس غطا الباسكيت بإيديها الاتنين بكل غِل، وكأنها بتموت حشرة مقرفة.
مكانتش شايفاني.. بس جوزي مصطفى كان شايفها.
والمنظر اللي كان عليه وشه اللي خطفه الدم، وجسمه اللي اتخشب، وفكه اللي اتشنج من الكتمة عرفني إن المرة دي مش هيقولي معلش يا مريم فوتيها ولا عشان خاطري عديها ومتبوظيش اليوم.
حكاية سبع سنين كتمان
أنا اسمي مريم. عندي 34 سنة، ومتجوزة من مصطفى بقالي 7 سنين، وعندنا بنوتة زي العسل عندها 5 سنين اسمها فريدة. شغالّة مسؤولة لوجستيات في شركة شحن في وسط البلد. عيشتي مش رواية، بس عيشة طافحة الكوتة عشان أبنيها شقة صغيرة على قدنا في عين شمس، بنت صحتها كويسة، وجوازة كنت فاكراها لحد اليوم ده هادية ومستقرة.. وطول بال وصبر، ناس كتير افتكروه قلة حيلة وخوف.
عرفت مصطفى في حفلة شوي عند أصحابنا في المعادي. كان هادي، ابن أصول، ولمّاح.. من نوعية الرجالة اللي مابيتكلموش كتير بس تلاقيهم سدّادين وقت الزنقة. أمه بقا، الحاجة تريزة، كانت العكس تماماً صوتها عالي، مسيطرة، وواخدة إن الكل لازم يبصلها ويستأذنها قبل ما ينطق.
في الأول، قلت عادي.. ده طبعها وطبع ستات كتير من الجيل القديم.
أول عيد أضحى قضيته مع عيلة مصطفى، عملت صينية فتة بالخل والتوم وخدتها معايا. الحاجة تريزة هبشت حتة بالمعلقة على طرف لسانها وقالت
شغالة.. كويسة بالنسبة لواحد أول مرة تطبخ. بكره يدك تاخد على الأكل وتطلع زي أكل عيلتنا.
مصطفى طبطب على إيدي من تحت التربيزة وهمسلي
هي أمي كدة، متزعليش.. فوتيلها.
وفعلاً، فضلت سنين أفوت.
مفوتة لما دخلت شقتي بعد ما ولدت فريدة، وشقلبت حال المطبخ كله وغيرت مكان الحجج بحجة إن الأم الجديدة مابتفهمش في التنظيم.
مفوتة لما جه سبوع البنت، وعملت كل حاجة وخططت لكل حاجة من ورايا، من أول الألوان لحد المعازيم والمغني، ومن غير ما تاخد رأيي في كلمة.
مفوتة لما شافت صورة ليا أنا ومصطفى مع بعض، وراحت قايلة بدم بارد مصطفى كان منور ووشه يرد الروح أيام خطوبته على رانيا إكس بتاعه.. البنت دي كان ليها هيبة وطول بعرض.
كنت ببتسم.. وأبلع ريقي.. وأقول لنفسي مش مستاهلة خناق ونكد.
بس الإهانة مابتختفيش لما بنسكت عليها، دي بتفضل قاعدة في البيت، بتنام معانا في السرير، وبتتحشر وسط الكلام. بتدخل بين الراجل ومراته زي الرطوبة اللي بتبوظ المحارة ورا الدهان.
العزومة السنوية وفخ ست الكل
اللمة السنوية لعيلة السلحدار كانت العشق المر للحاجة تريزة. كانت بتعملها كل سنة في شهر نوفمبر في بيتها الكبير اللي في مصر الجديدة. ييجوا بقا الأعمام، الخالات، الجيران القدام، المعارف، وحتى ناس محدش عارف يقربوا للعيلة من أنهي داهية بالظبط. كانت بتبعت لستة على الواتساب لكل واحدة فينا باللي المفروض تطبخه وتجيبه معاها.
السنة دي، كان نصيبي أعمل رز أحمر بالخلطة.
حاجة تافهة.. ومضمونة.. ومستحيل تبوظ من أي خايبة.
بس قبل العزومة بأسبوعين، خالة مصطفى الكبيرة، خالتي ليلى، كلمتني في التليفون.
يا مريم يا بنتي، عوزاكي في خدمة. أنا مش هقدر أروح العزومة عشان هعمل عملية في ركبتي، بس مش عايزة اللمة تفقد طعمها. عايزاكي تعملي أنتي صينية قرع العسل بالمكسرات والبشاميل المسكر بتاعتي. دي العادة بتاعة كل سنة، والعيلة كلها بتستناها.
أملتني الوصفة خطوة بخطوة، بالجرام، والمقادير، وحتى الدرجة المظبوطة للشربات والبشاميل. وقبل ما تقفل، وطّت صوتها وقالتلي
بس إياكي يا مريم تقولي ل تريزة إن دي وصفتي أو إني أنا اللي قولتلك. لو عرفت إنك أنتي اللي عاملاها مكاني، هتخرب الدنيا وتطلع فيها القطط الفاطسة.
كان المفروض أفهم إن ده تحذير.. مش مجرد سر.
ليلة العزومة.. والسر المدفون
ليلتها، فريدة بنتي سخنت جداً وجالها التهاب في ودنها. منمناش غير 3 ساعات على بعض. ورغم التعب والهدد، فضلت صاحية لحد الساعة 1 بالليل بعمل صينية قرع العسل. البيت كله كان قالب ريحة قرفة، زبدة، مكسرات متحمصة، وقرع مستوي في السكر.
مصطفى دخل عليا المطبخ، وبصلي بقلة حيلة
أنتي عارفة إن أمي كدة كدة هتطلع فيها عيب؟
يمكن المرة دي تعجبها.
بصلي كأنه بيبص لوحدة مستنية الورد يطلع من الحيطة السد.
المهم.. مهما حصل الصبح، أنا في ظهرك والمرة دي مش هسكت.
مكانش يخطر على بالي أبداً إن بعد كام ساعة بس هسمع صوت رقعة الحلة البايركس دي في الزبالة..
ومكانش يخطر على بالي بالذات، الحاجة تريزة رمت إيه تاني مع الأكل وهي مش دارية!
الجزء الثاني المستور لما ينكشف
بيت الحاجة فاتن كان زحمة على آخره لما وصلنا. في الحوش برة، العيال الصغيرة كانت بتجري وتتنطط بين الكراسي الفراشة، والأعمام والخلان شغالين نقاش حامي عن الكورة والوش محمر، والبنات الكبار بيرصوا الأطباق على ترابيزة طويلة مفروش عليها مشمع بنقشة ورد. كنت شيلت صينية قرع العسل في حلة بايركس محملة، ومغطياها بورق فويل. فريدة بنتي أول ما شافت ابن عمتها مروان جريت عليه وهي فرحانة، ومصطفى شال كراتين الحواجة والحاجة الساقعة، وأنا مشيت علطول على ترابيزة الحلويات.
وفجأة ظهرت جمبي رشا أخت جوزي. كانت لابسة فستان بيج شيك ميه فميه، بس عليها نفس الابتسامات المتوترة بتاعت كل مرة.
وقالتلي بصوت واطي
أمي دماغه ناشفة ومقفلّة النهاردة خالص.
أكتر من العادي يعني؟
رشا بصت ناحية المطبخ وقالت
مقموصة وزعلانة عشان خالتي ليلى مجتش العزومة. بتقول إنها عملت كدة قاصدة عشان تصغرها قدام الناس، وتلاقيها قاعدة دلوقتي بتتكلم عليها برة.
يا رشا، دي خالتي هتعمل عملية في ركبتها!
عارفة والله.. بس أنتي عارفاها بقا لما بتقفل من حد.
أه.. عارفاها، وعارفاها كويس أوي كمان.
سم في المطبخ
قبل الغدا بساعة، دخلت التواليت اللي في الطرقة. وأنا خارجة، سمعت صوت الحاجة فاتن جاي من المطبخ وهي بتقول
تخيلي يا بت يا رشا، مريم هانم جايبالي صنف حلو! حتى الرز اللي طلبته منها مجبتهوش.
ابن عم مصطفى، أحمد، رد عليها بكلمتين مسمعتهمش بالظبط، فكملت هي وقالت
طبعاً.. لازم تعمل فيها الست الناصحة اللي بتفهم في كل حاجة. بس في بيتي هنا، كلامي أنا اللي يمشي والأصول تتنفذ. الصينية دي مش هتعتب التربيزة بتاعتي.
حسيت بدمي هرب وجسمي كله سقع. طلعت الحوش جري أدور على مصطفى، لقيته واقف جمب شواية الفحم. حكيتله بالحرف الواحد اللي سمعته. في الأول غمض عينيه ونفخ، وبعدين ساب المساكة من إيده على الترابيزة وقال
أنا داخل أتكلم معاها.
لأ يا مصطفى، مش عايزة مشاكل ونكد في