كنت فاكرة إن العزا هو أصعب حاجة ممكن أواجهها، لحد ما سمعت أبويا وأمي وهما بيخططوا ليا قبل ما يدفنوا جدي.. " إيدي اتجمدت على الباب… وفي ثانية واحدة عرفت إن أهلي بيخططوا يدفنوني وأنا لسه عايشة
المحتويات
ما فيش، عيني ما غفلتش.
عينيها نورت.
يا حبيبتي، اقعدي، النهاردة ما تشيليش هم حاجة.
ده أكتر حاجة كانت بتخوفني لما أمي تقول ما تشيليش هم، يعني إحنا قررنا عنك.
الساعة عشرة بالظبط ضرب الجرس. الدكتور صلاح دخل ببدلة غالية وشنطة جلد وابتسامة متمرنة. راجل في الخمسينات، من النوع اللي بيتكلم ببطء عشان يفرض سيطرته.
إنتي فريدة؟ أهلك قلقانين عليكي جداً.
سمعت كده، تمتمت.
قعد قدامي. أبويا وأمي قعدوا كأنهم شهود. سارة وقفت جنب الشباك، ومحمود بيعمل نفسه بيبص في الموبايل بس ودنه معايا.
عايز أسألك كام سؤال عشان أتطمن عليكي.
هزيت راسي. سألني عن التاريخ، اليوم، إحنا فين. جاوبت صح بس ببطء. خليت صوتي يضعف في آخر كل جملة. إيدي رعشت رعشة خفيفة. مش كتير، بس كفاية عشان يصدقوا.
بتلاقي صعوبة في اتخاذ القرارات؟
بصيت لأمي.
أحياناً.
مسكت إيدي
طول عمرها مستقلة يا دكتور، زيادة عن اللزوم.
كأن الاستقلال عرض لمرض. الدكتور كتب ملحوظة.
في حالات الوفاة، مع تاريخ الضغوط والجيش، يفضل يكون فيه دعم مؤقت.
نوعه إيه الدعم ده؟ سألت.
أبويا اتعدل
مساعدة عائلية، حاجة بسيطة.
بصيت للدكتور
قصدك وصاية؟
الهوا اختفى من الأوضة. أمي ضحكت ضحكة متوترة
ما تستخدميش كلمات تقيلة يا بنتي.
ما هو ده اللي بيحصل، مش كده؟
الدكتور تنحنح
ممكن تتفهم كذا حاجة.
رفعت راسي، وما بقتش أتكلم كبنت تعبانة. بقيت أتكلم كست قادت فرق تحت الضغط، شافت الموت، واتعلمت تقفش الكدبة قبل ما تخلص.
يا دكتور، حضرتك جاي البيت ده من غير موافقتي، ومطلوب منك تمثل دور أهلي اللي عايزين يصوروني عاجزة. ما فيش حالة طوارئ، وأنا مش مريضتك. ولو مضيت أي تقرير بناءً على الزيارة دي، محاميّ هيكون عندك قبل الظهر.
أمي وشها اصفرّ.
فريدة...
لأ، قاطعتها سمعت كفاية.
الدكتور قفل الشنطة، وابتسامته طارت.
أعتقد ده مش وقت مناسب.
كنت أظن كده.
مشى بعد خمس دقايق. الباب ما قفلش، وأمي انفجرت
إيه قلة الأدب دي؟ إيه اللي عملتيه ده؟
قمت ببطء
قلة أدب؟ إنتوا كنتوا عايزين تحجروا عليا!
كنا عايزين نساعدك! قالت سارة.
تساعدوني أمضي على إيه؟
محدش رد. طلعت الظرف من الشنطة وحطيته قدامهم.
جدي ما سابش ديون. ساب ورث. أراضين وعمارة في التجمع.
محمود شتم شتيمة وحشة. سارة حطت إيدها على بوقها. أمي غيرت ملامحها بسرعة لدرجة إن جالي غثيان. في ثواني قلبت من مظلومة ل حنونة
يا حبيبتي.. ليه ما قولتيش من الأول؟ إحنا عيلة، كان ممكن نتكلم.
شلت الظرف
عشان كده ما قلتش.
من اللحظة دي، البيت اتغير. العشا كان حمام محشي، وحلويات من أحسن محل، وبسبوسة، دي كانت أكتر حاجة بحبها وأنا صغيرة. أمي بتكلمني بعسل، سارة بتعرض نروح البنك سوا، محمود بيهزر على زيارة العمارة كعيلة. أبويا كان ساكت، وده اللي كان قلقني أكتر. الحقارة لما بتتكشف مش بتختفي، بس بتتعطر.
تالت يوم لاحظت تفاصيل. جواباتي ما بتوصلش أنا اللي بستلمهم يا حبيبتي، قالت أمي. مفاتيح عربيتي بتختفي عشان أمانك، قال أبويا. تليفوني بيتحرك من مكانه. خروجاتي بقت استجواب.
الفجر سمعت ورا الحيطة
بدأت تشك، قالت سارة.
يبقى نتحرك بسرعة، ردت أمي.
ولو كلمت المحامي؟ سأل محمود.
رد أبويا بصوت تلج
يبقى نقفل الشبكة عليها.
الساعة تلاتة الفجر دخلت الحمام، فتحت المية عشان الصوت، ورنيت على الرقم اللي جدي قالي احفظه
يا أستاذ رامي، أنا فريدة. فعل كل حاجة.
حد بيضغط عليكي؟
عايزين يعملوا قضية عشان يسيطروا عليا.
مفهوم. لا تمضي حاجة، ما تخرجيش معاهم. أنا هحول الصناديق والأرصدة والحماية القانونية. جدك كان متوقع ده.
قبل ما أقفل قالي جدك كان عارف إنهم هيعملوا كده.
بصيت لنفسي في المراية، ما شفتش البنت المرفوضة، شفت حد استرد السيطرة.
بعد يومين جالي أول رسالة الصناديق اتفعلت، الأرصدة محمية.
بعد ساعة جالي الرسالة التانية اللي قلبت الدنيا أهلك مديونين للبنك، ومطلعين قروض بضمان البيت، والديون واصلة للسقف. محمود عليه ديون قمار، وسارة ضامنة عليه.
أدي الحقيقة. مش حب، مش خوف، ده طمع.
على العشا أبويا ساب المعلقة
يفضل تدخليني معاكي في اللي بتعمليه.
لما يعوز الأمر، رديت.
محمود ضحك بمرارة
إنتي بقيتي مجنونة شك.
بصيتله
وإنتوا بقيتوا عصبيين.
الصبح أمي أعلنت الدكتور صلاح جاي تاني، ومعاه استشاري.
بصيت للساعة 912.
الساعة كام؟
عشرة.
خرجت للجنينة وكلمت الأستاذ رامي
دلوقتي.
الساعة عشرة بالظبط ضرب الجرس. أمي فتحت بابتسامة خشبية. الدكتور صلاح كان موجود، بس مش لوحده. جنبه راجل ببدلة رسمي وشخصية مفيش حد يقدر يهزر معاه.
صباح الخير، قال أنا من إدارة حماية كبار السن والقصر. جالك بلاغ عن استغلال، وضغط غير قانوني، وحرمان من الحرية.
شوفت وش أبويا بيفقد لونه. أمي رجعت لورا. أنا ما قلتش ولا كلمة. أحياناً الضربة اللي بتوجع بجد هي اللي ما بتحتاجش صوت.
البيت فجأة بقى ضيق، الهوا اللي في الأوضة بقى تقيل ومكتوم. الراجل اللي معاه التقرير الرسمي دخل ببرود، نظراته كانت بتفحص كل ركن في الوشوش المصدومة قدامه.
أبويا، اللي كان دايماً بيحاول يظهر بمظهر كبير العيلة المهيب، ملامحه اتفكت تماماً. بصلي وعينيه بتطق شرر، بس كان عارف إن أي حركة غلط هتكون مسمار في نعشهم.
التقرير اللي معانا يا أستاذة فريدة، بيقول إن فيه محاولات متكررة للسيطرة على الأهلية القانونية، وده تحت القانون بيعتبر تحريض وتلاعب، قال الراجل وهو بيفتح ملفه
متابعة القراءة