كنت فاكرة إن العزا هو أصعب حاجة ممكن أواجهها، لحد ما سمعت أبويا وأمي وهما بيخططوا ليا قبل ما يدفنوا جدي.. " إيدي اتجمدت على الباب… وفي ثانية واحدة عرفت إن أهلي بيخططوا يدفنوني وأنا لسه عايشة

لمحة نيوز

كنت فاكرة إن العزا هو أصعب حاجة ممكن أواجهها، لحد ما سمعت أبويا وأمي وهما بيخططوا ليا قبل ما يدفنوا جدي.. إيدي اتجمدت على الباب وفي ثانية واحدة عرفت إن أهلي بيخططوا يدفنوني وأنا لسه عايشة
لو فاكرة يا فريدة إننا في صفها، هتمضي على أي حاجة نحطها قدامها.
وقفت متنحة قدام باب بيت أبويا، إيدي مرفوعة وخبطاتي على الخشب بتتردد في صمت البيت. لسه راجعة من جنازة جدي إسماعيل، لابسة فستان أسود لازق على جسمي من حر القاهرة اللي يموّت، وفي شنطتي ظرف تقيل مستخبي. ظرف كنت فاكرة لحد اللحظة دي إني هشير فيه أهلي.
جوه كانوا أمي، وأبويا، وأخويا محمود، وأختي سارة. الأربعة بيتكلموا عني كإني مش موجودة، كإني مشكلة اتحلت بشوية ورق، ومجاملات، وضحكة كدابة.
ماتضغطوش عليها أوي، قالت أمي بصوتها الناعم اللي بتستخدمه لما تحب تضحك على حد، لازم نحسسها بالأمان الأول.
رد أبويا ببرود
الدكتور جاي بدري بكره. صلاح مديون لنا بخدمة. يعمل التقرير، يكتب إنها مش في وعيها، ونخلص. كل اللي محتاجينه إنها تبان تعبانة، ومستغربة، ومأثرة في نفسها.
حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي.
تقرير؟
ضغطت على الظرف في شنطتي. الظرف ده فيه وصية جدي الأخيرة أراضين في الدلتا، وعمارة كاملة في التجمع. لا ديون، لا مشاكل قانونية، ولا إفلاس. ورث كامل سابهولي في السر، عشان، زي ما قال، كنت الوحيدة في العيلة اللي فاهمة يعني إيه تشيل مسؤولية من غير منظرة.
قبل ما يموت بشهور، جدي رن عليا في ليلة
يا فريدة، ما تقوليش لحد. لا لأمك، ولا لأبوكي، ولا لإخواتك.
ليه يا جدي؟
عشان مش كل اللي بيقعد معاكي على الطبلية بيتمنالك الخير.
وقتها فكرته بيبالغ، فكرته بيتكلم من مرار السنين وخناقات العيلة المصرية المليانة أسرار. بس وأنا واقفة قدام الباب ده، فهمت إن جدي ما سابليش ورث، جدي سابلي تحذير.
ما تقوليش كلمة وصاية بسرعة، همست سارة ممكن تتخض.
محمود ضحك ضحكة صفرا
فريدة دايماً فاكرة نفسها أذكى واحدة عشان دخلت الجيش. بس دلوقتي هي راجعة من الجنازة، يعني مكسورة. هي دي الفرصة.
عيني حرقوني، بس ما عيطتش. اتعلمت ما أعيطش قدام حد ممكن يستخدم دموعي دليل ضدي.
أمي اتكلمت تاني
بعد اللي شافته في الخدمة، أي حد يصدق إنها مش طبيعية. ضغط، تروما، زعل.. كله راكب على بعضه. ولما تمضي، إحنا اللي هندير كل حاجة لحد ما تستقر.
هندير.
ما شافوش الظرف، بس شموا ريحة الفلوس. أو يمكن كانوا عارفين إن جدي كان بيحبني أكتر منهم وده كان كفاية عشان يحاولوا ياخدوا أي حاجة سابهالي.
خدت نفس عميق. مرة. اتنين.
فريدة القديمة كانت زمانها كسرت الباب وزعقت. كنت هقولهم كل حاجة إني سمعتهم، إنهم خونة، وإن جدي سابلي أراضي وعمارة، وإنهم ما يطولوش مني جنيه. بس صوت ظهر في ذاكرتي، بنفس حزم جدي
الصمت مش ضعف يا بنتي، الصمت أحياناً بيبقى خطة.
نزلت إيدي. مسحت وشي. خليت التعب يبان على ملامحي. رخت كتافي، بللت شفايفي، ولفيت مقبض الباب.
أول ما دخلت، الأربعة لفوا في نفس اللحظة.
يا حبيبتي يا بنتي، قالت أمي وهي بتجري تحضني يوم صعب يا قلبي، تعالي ارتاحي.
حضنتني كأنها بتحبني. سبتها.
أبويا قرب ببطء
مشوار طويل يا بنتي. مش وقت قرارات مهمة خالص دلوقتي.
أدي أول جملة.
أنا بس عايزة أرتاح، همست.
محمود سلم عليا من مكانه من غير ما يقوم. سارة بصتلي من فوق لتحت، بتقيم إذا كنت مكسورة كفاية لخطة خالتها. أمي خدتني قعدتني، صبتلي مية، وحطت مخدة ورا ضهري.
وشك أصفر خالص، أكلتي حاجة؟
لا، ماليش نفس.
شوفت أبويا وأمي بيبصوا لبعض بلمحة سريعة. علامة تانية في قائمتهم.
بعد الجنازة واللي عشتيه في الجيش، قالت أمي طبيعي تحتاجي مساعدة.
أيوه، رديت بصوت واطي يمكن.
وشوفت اللمعة في عيونهم. كانوا فاكرين الباب اتفتح، وفاكرين إني الصيدة.
الظرف لسه في الشنطة.
على العشا سألوني نمتِ كويس؟ حاسة بقلق؟ بتسمعي أصوات؟ بتعرفي تركزي؟ أسئلة متغلفة حنية، بس هي في الحقيقة تقرير طبي.
المحامي قالك حاجة؟ سأل أبويا.
كلمني عن ورق، كذبت بس ما فهمتش كتير. غالباً فيه مشاكل في الضرائب وديون.
الصمت خيم على الأوضة.
محمود فقد الاهتمام، سارة كشرت، أمي عملت نفسها حزينة عليا.
يا بنتي، ده حمل تقيل عليكي لوحدك.
أيوه، قلت ده اللي كنت بفكر فيه.
خدت أوضة الضيوف. ملايات نضافة، ريحة بخور، والباب ملوش مفتاح. تليفوني كان خلاص هيفصل.
هسيبه يشحن تحت، قالت أمي عشان ترتاحي من الدوشة.
سلمتهولها.
لما قفلت الباب، فضلت باصة للسقف. زمان كان البيت ده ملجأي، دلوقتي كل صوت فيه مراقبة، وكل سكوت فيه حسبة.
الساعة اتنين بالليل سمعت وشوشة في المطبخ
بدري بكره، قالت أمي خلوا الدكتور يلاقيها زي ما هي، تعبانة.
ما تخرجش لوحدها، رد أبويا ما تكلمش المحامي غير وإحنا موجودين.
غمضت عيني.
أنا ما كنتش محبوسة.
هما اللي دخلوا عقر داري.
وقبل الفجر فهمت حاجة دمها برد في عروقي هما مش عايزين يعالجوني، هما عايزين يحجروا عليا قبل ما يعرفوا إني ورثت أكتر مما يتخيلوا.
الجزء الثاني
تاني يوم الصبح نزلت ببنطلون جينز وسويت شيرت وشعري مربوط كحكة عشوائية. ما كنتش عايزة أبين إني قوية، كنت عايزة أبين اللي هما محتاجين يشوفوه بنت مهدودة، حزينة، ومعتمدة عليهم. أمي كانت في المطبخ بتعمل شوفان.
نمتِ؟

تم نسخ الرابط