جوزى سابنى فى مكان مقطوع
صعبان عليكي اللي عملتوه فيا.
رامي انهار ونزل على ركبه في الأرض
مريم.. أرجوكي.. إحنا كان فيه بيننا أيام حلوة. افتكري عشرتنا.. افتكري لما كنا عاوزين نعمل عيلة ونخلف!
مريم حست بنغزة في قلبها، بس مسمحتش لنفسها تضعف
أنا كنت عاوزة عيلة.. إنت كنت عاوز ورث وأرض.
هردلك كل حاجة.. هكتبلك كل اللي تطلبيه!
مش هتعرف تردلي تلات سنين من عمري ضاعوا في كسرة النفس.
الكلمة دي لجمت رامي ومخلتهوش ينطق. مريم لفت ضهرها وخرجت من الأوضة ومن غير ما تبص وراها. في الطرقة، رجليها اتهزت شوية من كتر الضغط العصبي، فالأستاذ أشرف المحامي سندها
خلاص.. كابوس وانتهى.
هزت راسها وقالت
لأ.. ده الحساب يلا هيبدأ.
وكان عندها حق؛ القضية بقت تريند في مصر كلها. شلت نفسها ست شهور عشان توقع بجوزها اللي كان هيقتلها في الصحراء. برامج التوك شو كلها بقت بتتكلم عنها، وعلى السوشيال ميديا آلاف التعليقات.. ناس بتقول عليها بطلة، وناس مش مصدقة إزاي قدرت تمثل الضعف 6 شهور كاملين. مريم مكنتش بترد؛ هي كانت عارفة الحقيقة.. الست لما بتبقى عاوزة تدافع عن حياتها وتعيش، بتقدر تستحمل وتعمل حاجات محدش يتخيلها.
في المحكمة، رامي قعد يحور ويحاول يطلع نفسه بريء. محاميه قال إن الموضوع كله كان خناقة زوجية وإن رامي كان تحت ضغط عصبي ومكنش ناوي يقتلها بجد. بس التسجيل الصغير كان أقوى من أي محامي وأي كدب. وظهرت كمان كشوفات الحسابات اللي بتثبت إنه كان بيحول ل ڤاليريا فلوس كل شهر، والرسايل اللي بينه وبينها عن الأرض، وصور خروجاتهم وسفرياتهم في الوقت اللي مريم كانت محبوسة فيه في الشقة.
ڤاليريا حاولت تعيش دور الضحية قدام القاضية
أنا كنت بحبه يا فندم وكان جوزى .. وهو اللي ضحك عليا واستغلني ومصر على كده.
وكيل النيابة طلع برنت بمحادثة واتساب ممسوحة وواجهها بيها
أول ما نخلص منها.. هنعيش في تبات ونبات.
بس اتأكد إنها مش هترجع تاني خالص.
ڤاليريا حطت راسها في الأرض ومطقتش.
لما جه دور مريم عشان تقول شهادتها، رفضت تقعد على الكرسي.. وقفت على رجليها بكل شموخ. مكنتش عاوزة المحكمة تشوفها بنظرة الشفقة والعجز اللي رامي رسمها لها. كانت لابسة بدلة بيضا شيك وبسيطة، وملمة شعرها، وعينيها كلها قوة
أنا قعدت تلات سنين فاكرة إن حياتي انتهت.. بعد كده اكتشفت إن رجلي ممكن تخف، بس الجوازة دي هي اللي مش ممكن تخف ولا تطيب. سمعت جوزي بودني وهو بيرتب لموتي. خفت؟ طبعاً خفت.. بس خوفي من إني أسكت وأسيبه يكسب ويطلع بطل كان أكبر بكتير من خوفي منه.
القاضية سألتها
وليه مهربتيش أول ما بدأتي تمشي يا مدام مريم؟
مريم خدت نفس عميق وقالت
عشان لو كنت هربت من غير دليل، كان هيطلع يقول للناس إني مجنونة أو مريضة نفسياً وتهيؤات. الناس كلها كانت شايفاه الزوج الصالح الأصيل.. كنت محتاجة العالم كله يسمع صوته الحقيقي ووشه التاني البشع.
الأوضة كلها سكتت، ورامي مقدرش يرفع عينه ويبص لها.
يوم النطق بالحكم، قاعة المحكمة كانت زحمة على آخرها. مريم كانت جاية ومعاها المحامي بتاعها وشوية من البنات والمتدربات بتوع مركز اليوجا القديم بتاعها؛ ستات شافوها وهي قوية، وشافوها وهي مكسورة، وشافوها وهي بتقف تاني.
القاضية قرت الحيثيات وفصلت العقوبة؛ اتكلمت عن الغدر، والنصب، والنية الواضحة لإزهاق الروح، وإزاي رامي استغل عجز مراته عشان يعمل لنفسه غطاء قدام المجتمع.
وفي الآخر نطقت بالحكم
حكمت المحكمة حضورياً على رامي مدحت بالسجن المشدد لمدة 16 سنة.
صوت همهمة وراحة ملأ القاعة، ورامي غمض عينيه. وڤاليريا بدأت تصرخ وتلطم قبل ما تسمع حكمها
وعلى ڤاليريا غالي بالسجن لمدة 7 سنين بتهمة الاشتراك والتستر.
مريم مظهّرتش أي فرحة صاخبة ولا ابتسمت.. هي بس غمضت عينيها وطلعت النفس والوجع اللي كانت كاتماه جوة صدرها بقالها سنين.
وهي خارجة من المحكمة، المراسيل والصحفيين حاصروها بالمايكات
مدام مريم.. حاسة بإيه دلوقتي؟
هتسامحيه؟
تقولي إيه للستات اللي بيشوفوكي؟
وقفت وبصت للكاميرات واتكلمت بهدوء وثقة ومن غير ما تعلي صوتها
مش عارفة لو كنت هسامح في يوم من الأيام ولا لأ.. بس اللي عارفاها ومقتنعة بيه، إننا متخلقناش عشان نشيل على كتافنا ناس بتهد فينا وتكسرنا ولما نكشفهم يطلبوا مننا الرحمة. لو لقيتي حد بيطفيكي وبيسحب روحك بالتدريج.. اطلبي المساعدة. شيلوا أدلة. اتكلموا. دافعوا عن حياتكم الأول. الحق ساعات بيتأخر.. بس لما بيجي، لازم نكون واقفين على رجلينا عشان نشوفه وهو بيتحقق.
الجملة دي بقت تريند وكل الناس شيرتها.
بعد كام شهر، مريم رجعت أرض التجمع الخامس بالقانون وباسمها. مبعتهاش؛ حولتها لمركز كبير لإعادة التأهيل والدعم النفسي للستات اللي تعرضوا للعنف، أو السحل، أو التخلي، أو التعنيف الاقتصادي. وسمت المركز خطوة جديدة.
أول يوم المركز يفتح فيه أبوابه، مريم راحت بدري جداً. الشمس كانت طالعة ومالية المكان، الحيطان ريحتها دهان نضيف، وفيه شجر ورد منور عند المدخل. وفي الصالة الرئيسية، علقت صورة لأبوها وأمها، وكتبت تحتها
للناس اللي علمتني إن الحرية كمان بتورث.
رجعت تدي دروس يوجا تاني، بس مكنتش بتتكلم بس عن التنفس والاسترخاء.. كانت بتتكلم عن الكرامة، وإزاي الست تسمع لجسمها، ومتطنش الإشارات الخطر.. وإن الحب ساعات مابينتهيش بخناقة، بينتهي لما الطرف التاني يبص لك على إنك حمل تقيل وقرف.
بعد سنة، دخلت للمركز ست قاعدة على كرسي متحرك.. عينيها كانت مطفية وإيديها بترتعش على البطانية اللي مغطياها.
وقالت بصوت واطي وخايف
قالوا لي إنك إنتي الوحيدة اللي هتفهميني..
مريم نزلت على ركبها قدامها.. من غير شفقة مصطنعة ومن غير تعالٍ
أنا فاهمة و حاسة بيكي أكتر مما تتخيلي.
الست قعدت تعيط، وقالتلها
أنا خايفة.. خايفة أوي.
مريم مسكت إيدها وقالتلها
أنا كمان كنت خايفة.. بس الخوف ده مش معناه إنك اتهزمتي.. الخوف ساعات بيبقى معناه إن فيه حتة جواكي لسه عاوزة تعيش وبتحارب.
بالليل، بعد ما المركز قفل، مريم مشيت لوحدها في الحوش. السما كانت صافية وجميلة. افتكرت الغابة، والكرسي المتحرك اللي سابته هناك، وصوت رامي وهو بيقولها إن قصتها انتهت في المكان ده.
هو كان غلطان..
في المكان ده مفيش حاجة انتهت.
في المكان ده بدأت مريم الحقيقية الست اللي وقعت، ومثلت إنها مكسورة، وجمعت أدلتها في سكات، وبعدين وقفت وعليت فوق الكل.
عشان فيه ناس فاكرة إن كسر الست وهدمها سهل لمجرد إنها مش قادرة تمشي في لحظة ضعف..
بس الناس دي بتنسى حاجة مهمة جداً
فيه ستات، حتى وهم باينين مبيتحركوش وثابتين في مكانهم.. بيكونوا بيجهزوا لأقوى وأهم خطوة في حياتهم!