جوزى سابنى فى مكان مقطوع

لمحة نيوز

الجزء الثاني اللعبة الخفية
ومن الليلة دي، مريم بدأت تعيش حياتين في نفس الشقة. بالنهار كانت الزوجة الضعيفة العاجزة، الست المكسورة، الحمل التقيل اللي رامي فاكر إنه مسيطر عليه تماماً. كانت بتقعد على الكرسي المتحرك، توطي عينيها في الأرض، تتكلم بصوت تعبان ومجهد، وتسيبه يفتكر إنها كل يوم بتضعف أكتر من اليوم اللي قبله.
أما بالليل.. فكانت ست تانية خالص.
أول ما رامي كان ينزل يقابل ڤاليريا مراته التانيه، مريم كانت بتقوم وتقف على رجليها. في الأول بدأت تمشي وهي ساندة على الحيطة. بعد كده بقت تعدي الصالة لوحدها. وبعدين بقت توصل لحد المطبخ؛ تعمل لنفسها بيض، رز، شوربة، أي حاجة تلاقيها في التلاجة. اتعلمت إزاي تتحرك من غير ما تعمل أي صوت، وتغسل الأطباق وترجعها مكانها بالملّي، وتمسح أي أثر أو دليل يبيّن إنها تقدر تعتمد على نفسها.
قعدت على الوضع ده 6 شهور كاملين بتتمرن في السر. كانت بتعمل تمارين سكوات وهي ساندة على كرسي، وتمشي في الشقة رايح جاي لحد ما رجليها تولع نار، وعملت لنفسها عتبة تطلع وتنزل من عليها باستعمال كتب قديمة. كانت بتعيط من كتر الوجع، بس عمرها ما وقفت.
في نفس الوقت، رامي كان بيبقى أقسى وأرخم معاها. كان بيبص لها بابتسامة خبيثة ويقولها
إنتي كل يوم بتخسي وبتنشفي أكتر من الأول.
كانت بترد عليه بضعف مصطنع
ماليش نفس للآكل.
بس جواها كانت بتقول أنا بقيت أقوى من أي وقت فات.
في يوم تلات، وهو بياخد دوش، مريم لمحت شنطة شغله مفتوحة على السفرة. جواها كان فيه ورق من الشهر العقاري.. عرفته فوراً توكيل عام شامل، وتنازل عن حقوق، وورق لنقل ملكية أرض التجمع الخامس باسم رامي.
أول ما طلع من الحمام، قرب منها بمنتهى البرود والندالة وقالها
عاوزك تمضيلي على الورق ده يا حبيبتي.. عشان أعرف أدير الأرض وأخلص إجرائتها، إنتي عارفة إنك مش هتقدري تتحركي وتخلصي مشاوير حكومية زي دي.
مريم مثلت إنها مترددة وقالتله
بس ليه يتنقل باسمك إنت؟
رامي طبطب على شعرها وقالها بلؤم
عشان أنا جوزك يا مريم.. ولا إنتي مبقتيش تثقي فيا؟
السؤال كان فيه كمية استهزاء تِفلق الصخر، بس مريم مسكت القلم ومضت. كل حرف كانت بتكتبه كان بيحرق إيدها، بس كانت عارفة إنها لازم تكمل اللعبة لآخرها.
بالليل، رامي افتكرها نامت، فكلم ڤاليريا من الصالة
خلاص مضت.. بكرة هسجل الورق. ويوم السبت هاخدها على محمية وادي دجلة، هقولها إنها محتاجة تشم هوا نضيف.
ڤاليريا ردت عليه وصوتها طالع من الاسبيكر
وتفتكر محدش هيشوفكم؟
رامي رد بثقة
الحتة اللي رايحينها مقطوعة ومحدش بيمشي فيها. هسيبها هناك وأرجع.. من غير تليفون، ومن غير كرسي ينفع تتحرك بيه، ومن غير أي حاجة. مع الساقعة دي، مش هتستحمل ليلتين على بعض.
مريم حست بقلبها هيتخلع من بين ضلوعها من الصدمة. ڤاليريا سكتت كام ثانية وبعدين قالتله
اعمل الموضوع ده صح يا رامي.. أنا جضيت وزهقت من كتر الانتظار و زهقت من حوار مراتك السرية ده
هنا مكنش فيه أي مجال للشك. مريم مقدرتش تروح للبوليس علطول لأنها مكنش معاها تسجيل للمكالمة دي، وكانت عارفة إن رامي سهل جداً ينكر كل حاجة. عشان كده عملت الحاجة الوحيدة اللي كانت تقدر تعملها جهزت نفسها.
اشترت جهاز تسجيل صغير جداً من على الإنترنت، وجهاز تتبع GPS، وبوربانك. وتواصلت مع محامي جنائي شاطر في الزمالك اسمه الأستاذ أشرف رأفت، وحكتله على كل حاجة.
المحامي قالها بقلق
يا مدام مريم، اللي بتعمليه ده خطر جداً.. بس لو قدرتي تسجليله تهديد واضح وتكلمي النجدة فوراً، هنوديه ورا الشمس.
مريم ردت عليه بقوة
أنا مش عاوزة انتقام وخلاص يا متر.. أنا عاوزة أضمن إنه مش هيدمر حياة أي حد تاني بعدي.
المحامي قالها
يبقى محتاجين دليل مثالي مخرَّمش الميّة.
خلال الأيام اللي بعد كده، مريم مَثّلت دور الضحية زي ما قال الكتاب. كانت بتوقع الأكل على هدومها عشان تضايق رامي وتستفزه، وتطلب منه يساعدها تتحرك مع إنها بقت بتمشي عادي. كانت بتبان قدامه ضعيفة، حزينة، ومنتهية. ورامي بلع الطعم تماماً.
يوم الجمعة بالليل، رجع البيت ومزاجه رايق، ومعاه قزازة نبيذ ولابس قميص مكوي ومظبط نفسه
بكرة الصبح هنخرج.. هيغيرلك جو وتشمي هوا نضيف.
مريم سألته
على فين؟
قالها
وادي دجلة.. بقالنا كتير مخرجناش مع بعض.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالتله
شكراً يا رامي.
ومكنش شايف إن مريم من تحت البطانية كانت ضاغطة على جهاز التسجيل الصغير بإيدها.
الليلة دي مريم منامتش تقريباً. قعدت تراجع الخطة في دماغها مية مرة التليفون في الجيب الداخلي للجاكيت.. جهاز التسجيل ملزوق تحت هدومها.. ال GPS مستخبي في عربية رامي.. رقم المحامي جاهز على الاتصال.. رجليها قوية.. وعقلها بارد وصاحي.
الصبح، رامي لبّسها بهدومها من غير اهتمام، كأنه بيغلف طرد مستني يرميه في الزبالة. نزلها الجراج، قعدها في الكرسي اللي جنب السواق، وحط الكرسي المتحرك في الشنطة ورا. مريم في اللحظة دي شغلت جهاز التسجيل.
العربية خرجت من القاهرة، عدوا شوارع، وكارتات، ومنحنيات، ويافطات الطريق.. رامي كان سايق وهو ساكت تماماً، ومريم كانت بتبص من الشباك وهي حاسة إن كل كيلو بيمشي به العربية هو عد تنازلي للحظة الحسم.
أول ما دخلوا في طريق مدق وسط الصخور والشجر، سألته
لسه فاضل كتير؟
رد باقتضاب
قربنا خلاص.
المكان بدأ يبقى مقطوع أكتر.. مفيش عائلات، مفيش ناس بتتمشى، مفيش حتى بتوع دليفري أو عجل.. مفيش غير شجر وجبال وسكون. رامي وقف العربية في منطقة معزولة تماماً. نزل جاب الكرسي، قعدها عليه، وبدأ يزقها في ممر مكسر ومليان طوب وجذور شجر بارزة. الكرسي كان بيتهز ويخبط في الصخور. مريم كانت بتمثل الخوف.. بس خوفها الحقيقي مكنش من الموت، كان من صدمتها في البشاعة اللي ممكن يوصلها الراجل اللي عاشت معاه ونامت جنبه سنين.
بعد كام دقيقة، رامي وقف.. وولع سيجارة.
وقال
المكان هنا مناسب جداً ومثالي.
مريم رفعت عينيها وبصتله
مثالي لإيه يا رامي؟
رامي ابتسم ابتسامة شريرة وفاضية من أي رحمة.. وقبل ما الحقيقة تتسجل بصوته وللأبد، ميل عليها وهمس في ودنها
عشان تختفي من الدنيا دي خالص ومحدش يلا قيكي!
الجزء الثالث والأخير خطوة نحو الحرية
مريم سابت دموعها تنزل على خدها، ومكنتش محتاجة تمثل الدموع دي؛ جسمها كله كان بيرتعش، بس مش من الضعف.. كان بيرتعش من الغل والغلّيان.
وجهاز التسجيل كان لسه شغال ومستخبي تحت هدومها.
سألته بصوت متحشرج
رامي.. إنت بتقول إيه؟
خد نفس طويل من السيجارة وبص حواليه عشان يتأكد إن مفيش صريخ ابن يومين في المكان، وبعدين طلع الدخان بمنتهى البرود الإجرامي وقالها
بقول إني جضيت وزهقت. تلات سنين شايل قرفك، تلات سنين عمال أمثل قدام الناس إني قديس وشهم. إنتي عارفة يعني إيه أصحى كل يوم جنب واحدة مابتتحركش ولا بتعرف تقوم من مكانها لوحدها؟
مريم ضغطت بصوابعها على مسند الكرسي وقالتله
أنا مطلبتش منك تفضل جنبي.
رد عليها وضحك بسخرية
طبعاً مطلبتيش.. بس لو كنت سبتك، الناس كلها كانت هتنظر عليا وتقول عليا واطي وندل عشان سبت مراتي المشلولة. وبعدين،

تم نسخ الرابط