أخذني ابني لـ تجديد بطاقة الرقم القومي
أشوف ورق حياتي!
اضطربت الموظفة وطلبت تدخل الشؤون القانونية والأمن فورًا. في تلك اللحظة، بدا مصطفى محطمًا ووجهه في الأرض، وحينها أدركت الحقيقة المرة ابني كان يعلم بكل شيء، كان يعلم ب فرض الوصاية وإدارة البيت، لم يحاول منع زوجته بل وقف يشاهد في صمت، منتظرًا نصيبه من الأموال.
بعد عشرين دقيقة، وصلت جارتي العزيزة وصديقة عمري الحاجة كريمة، وهي تحمل في يدها ملفًا بلاستيكيًا كانت تحتفظ به في بيتها سرًا منذ أشهر بناءً على وصية قديمة. كان الملف يحتوي على أصل عقد البيت الأزرق المسجل، وكشوفات حساباتي البنكية الحقيقية، وإقرار موثق من زوجي الراحل يؤكد أن البيت ملكي خالص لي وحدي ولا يحق لأحد التصرف فيه.
عندما رأت شيماء الملف، حاولت الاندفاع بغلّ لتخطفه من يد المحامية صافيناز، لكن أمن السجل المدني تدخل فورًا ومنعها ودفعها بعيدًا. وقف مصطفى مذهولاً لا يحرك ساكنًا. اقتربت منه وهدست له بصوت مكسور قولي يا مصطفى.. مرتك وعدتك بإيه علشان تبيع أمك؟ لم ينطق بكلمة، لكن شيماء هي من صرخت من عند الباب وهي تطردها قائلة البيت ده كان المفروض يبقى لأولادي أنا! مش لواحدة عجوزة قاعدة فيه لوحدها مستنية الموت وهي محاوطة نفسها ب قوارير الزرع والورد!
الجزء الثالث في ساحة العدالة
انتقلنا جميعاً إلى مكتب توثيق الشهر العقاري والشؤون القانونية في شارع مراد، وكان هناك أفراد من الشرطة يرافقوننا لضمان عدم حدوث تشابك. المفاجأة أن شيماء كانت قد رتبت كل شيء بالفعل، وكانت هناك تنتظر إنهاء إجراءات البيع النهائي للبيت ل مشترٍ آخر.
عندما رأتني أدخل المكتب بصحبة المحامية والأمن، تجمدت الدماء في عروقها، وقالت بتلعثم حماتي... فاطمة.. أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ مش المفروض تكوني في الدار؟
أجبتها وعيني في عينها كنتِ فاكرة نفس الشيء لما زورتي إمضتي وعملتي عليا حجر طبي يا شيماء.
بدأت الأستاذة صافيناز في مراجعة الأوراق الرسمية ب فحص دقيق عقد البيع المزور، التقرير الطبي المزيف الصادر من طبيب اتضح لاحقاً أنه صديق شخصي لشيماء، والأدهى من ذلك كله.. إقرار مكتوب وموقع ب خط يد ابني مصطفى يدعي فيه أن أمه أصبحت تشكل خطراً على نفسها وعلى المحيطين بها وتمر بحالات هياج عصبي.
قرأت السطور ببطء، والدموع تحرق قلبي قبل عيني.. ابني، بطني التي حملت، وقّع بيده على ورقة تعلن أن أمه مجنونة وخطيرة.
في تلك اللحظة، انهار مصطفى وجثا على ركبتيه يبكي بحرقة سامحيني يا أمي.. واللہ العظيم ما كنت أعرف إنها هتبيع البيت بالسرعة دي! تسببت هذه الكلمة في جرح أعمق من أي إهانة أخر.. يعني أنه لم يكن يمانع أن يدفنني حية في دار مسنين، كل ما كان يضايقه هو أنها استعجلت في البيع ولم تنتظر قليلاً!
تم إيقاف البيع فوراً والتحفظ على الأوراق. وكشفت التحقيقات اللاحقة والنيابة عن رسائل واتساب على هاتف شيماء تبصق فيها بالغرور وتقول لصديقتها الولية العجوزة مش هتعيش كتير ومستحيل تقدر تقاوم أو تشتكي، بالإضافة إلى وصولات دفع مقدمة لدار المسنين تم سدادها بالكامل من أموالي المسروقة. لم يكن الأمر رعاية وراحة كما زعموا، بل مؤامرة مكتملة الأركان لسجني، بيع شقا عمري، وتقسيم الغنيمة بينهما.
النهاية رد الاعتبار
الأشهر التي تلت تلك الحادثة كانت مريرة وقاسية جداً؛ بين أروقة المحاكم، والنيابة، والبنك المركزي، وجلسات الطب الشرعي الفني لإعادة تقييم قواي العقلية. وجاءت النتيجة الطبية الرسمية لتصفعهم جميعاً السيدة فاطمة متولي في كامل قواها العقلية والنفسية، وتتمتع ب إدراك تام.
استرددت السيطرة على كل حساباتي البنكية، غيرت كالون الأبواب وأقفال البيت بالكامل، ورفعت قضايا تزوير، ونصب، وإساءة معاملة مالية ضد شيماء التي تواجه الآن عقوبة السجن الجنائي. أما مصطفى، ورغم أنني لم ألقه في السجن رأفة ب أمومتي، إلا أنه خسر شيئاً أثمن وأصعب في الاسترداد خسر ثقتي واحترامي له إلى الأبد.
أنا الآن ما زلت أعيش في بيتي، شرفتي تطل على الشارع، وأصص الياسمين والورد البلدي لم تفتح وتزدهر يوماً كما تزدهر الآن. في صالة البيت، علقت بروازاً أنيقاً بداخلة شهادة الطب الشرعي الرسمية الحاجة فاطمة متولي تحتفظ بكامل أهليتها القانونية لإدارة نفسها وأملاكها.
لم أعلقها تفاخراً أو كبرياءً، بل علقتها لتكون تذكاراً دائماً لنفسي؛ لتذكرني بأن عقل المرأة وكرامتها لا يسقطان بمرور السنين والعمر، بل بوجود أشخاص طامعين يبدأون في النظر إليها كأنها عبء أو ورث يريدون تقييده وتقسيمه وهي ما زالت على قيد الحياة.
أنا ما زلت هنا، وما زلت أنا فاطمة، والآن.. مفاتيح البيت وحياتي كلها في جيبي أنا، ولن أفرط فيها لأحد.