أخذني ابني لـ تجديد بطاقة الرقم القومي
المحتويات
تقل بيتًا بديلًا.. قالت دار رعاية وتأهيل.
أمسك مصطفى بذراعي بشكل أقوى هذه المرة وقال ده موضوع مؤقت يا أمي.
وقفت مذهولة مؤقت؟!
تأففت شيماء بملل وقالت إحنا مش هنفضل نخدمك طول العمر يا طنط، وبعدين البيت القديم بتاعك ده هيتأجر علشان نغطي بيه مصاريف إقامتك في الدار ونقعدك في مكان نظيف.
في تلك اللحظة، فهمت كل شيء! لم يأخذوني لتجديد بطاقتي الشخصية للاستفادة من تخفيضات كبار السن.. لقد أحضروني لإنهاء الإجراءات الأخيرة وطردي من منزلي!
بقيتوا بتخططوا للموضوع ده من إمتى؟ سألتهم والدموع تحرق عيني.
لم يُجب أحد.. وعندما لا يجيبك أحد، فأن تدرك فورًا أن الإجابة تحمل من الغدر ما يكسر الظهر.
أخرجت هاتفي المحمول ب يد ترتعش، واتصلت بابنتي الصغرى فريدة التي تعيش في الإسكندرية ونادرًا ما تتدخل في مشاكل العائلة وتفضل السلامة. ردت في الرنة الثالثة
أيوة يا ماما؟
قلت لها بصوت متهدج فريدة... أنتِ كنتِ عارفة إنهم عملوا عليا حجر وطلعوني مجنونة؟
ساد صمت قاتل على الطرف الآخر.. هذا الصمت كسر قلبي أكثر من أي صرخة أو مواجهة.
قالت فريدة بنبرة بكاء يا ماما... مصطفى قال لي إن حالتك بتسوء كل يوم.
أمسكت بطرف مكتب الموظفة لأثبت جسدي حتى لا أسقط بتسوء في إيه؟!
تابعت فريدة قال لي إنك بتنسي عيون البوتاجاز والغاز شغال، وإنك بتوزعي فلوسك على الغرب في الشارع، ومبقتيش تعرفي الناس ولا تفتكري أساميهم!
أغمضت عيني والدموع تنساب على وجنتي.. بالطبع! المرات التي كانت شيماء تنقل فيها أشيائي من مكانها، والمرات التي كان مصطفى يخبرني فيها أنني أضعت فواتير وإيصالات كان هو من يخبئها بيديه، المرات التي جعلوني أشك فيها في قواي العقلية! لم أكن أفقد ذاكرتي.. بل كانوا هم من يصنعون ويطبخون مؤامرة جنوني!
سألتها بصوت مخنوق أنتِ مضيتِ على حاجة يا فريدة؟
بدأت ابنتي تبكي في الهاتف مضيت على إقرار توكيل وتفويض عادي.. قالوا لي ده علشان شيماء تقدر تدخل معاكي للدكاترة وتخلص لك ورق المعاش الطبي والتأمين!
شعرت وكأن الأرض تزلزلت تحت قدمي. أولادي.. لحمي ودمي! أولادي وقعوا على أول حجر في بناء سجني، وهم يتوهمون أنهم يحمونني أو ربما أرادوا تصديق ذلك لأن تصديق أن أمهم تُجن أسهل بكثير من مواجهة حقيقة أن أخاهم يسرق حياتها وتاريخها.
في تلك اللحظة بالذات، توقفت سيارة ميكروباص فان بيضاء أمام مبنى السجل المدني. نظرت شيماء نحو النافذة بلهفة، وكذلك فعل مصطفى. نزل من السيارة رجلان ببذلات رمادية تشبه أطقم التمريض، ومعهم امرأة تحمل ملفًا أزرق. مكتوب على جانب السيارة بخط كبير دار الياسمين للرعاية المتكاملة الانتقال الآمن.
شعرت بالاختناق هم دول جايين ياخدوني؟
لم يستطع مصطفى أن ينظر في عيني وأشاح بوجهه بعيدًا، بينما عدلت شيماء حقيبتها على كتفها وقالت ببرود قاسي ده علشان مصلحتك وصحتك يا حاجة.
وقفت الموظفة من خلف مكتبها وقالت بحزم يا فندم استنوا هنا، السيدة بتطلب استيضاح وتطعن في الورق.
ابتسمت شيماء بسخرية وقالت هي مش في كامل قواها العقلية علشان تقرر أو تطلب، دي الوصاية القانونية معايا ومعايا صورتها. ورفعت في وجه الموظفة ورقة التنازل الممتلئة بتوقيعي المزور.
في تلك اللحظة، اهتز هاتفي في يدي معلنًا وصول رسالة نصية من رقم غير مسجل.. فتحتها وقرأت
يا حاجة فاطمة، أنا الممرض أحمد اللي كنت بتابع حالة الحاج الله يرحمه جوزك قبل ما يتوفى. أوعي تركبي أي عربية مع مصطفى وشيماء! الحاج ساب عقد بيع وشراء تاني مسجل، ومعاه جواب موثق في الشهر العقاري ومكتوب فيه إن البيت باسمك وباسم حد تاني.. ابنك مصطفى ما يعرفش إن البيت عمره ما كان ملكه ولا ملكك لوحدك علشان يتصرف فيه!
قرأت الرسالة مرتين، وضاعت الرؤية من عيني بسبب الدموع المحبوسة.
وفجأة، نزلت سيدة مسنة من سيارة أجور تاكسي أمام المكتب مباشرة.. سيدة وقورة بشعر أبيض مصفف، ترتدي بدلة زرقاء أنيقة وتمسك ب عصا أبنوس سوداء ذات مقبض فضي. عرفتها على الفور! إنها الأستاذة صافيناز، المحامية القديمة وصديقة العائلة التي ساعدت زوجي الراحل في كتابة وصيته وتسجيل أملاكه قبل وفاته بسنوات.
دلفَت إلى صالة السجل المدني بخطوات واثقة ومتجهة نحونا مباشرة، وفي يدها ملف جلدي أحمر اللون.
ما إن رأتها شيماء حتى شحب وجهها تمامًا واختفت ابتسامتها الباردة، وتحشرج صوت مصطفى وهو يهمس برعب مش ممكن... دي جت منين؟!
وصلت المحامية إلينا، ووضعت يدها بحنان وثبات على كتفي، ثم نظرت إلى مصطفى وزوجته وعيناها تشتعلان حسمًا، وقالت بصوت جهوري هز أركان المكان
عروستك مش هتروح أي ملجأ ولا دار مسنين يا مصطفى.. وإنتوا مش بس زورتوا إمضتها وبصمتها على ورق حجر رسمي، إنتوا كمان كنتوا بتبيعوا وتأجروا بيت مش ملككم ومتقدروش تلمسوه!
الجزء الثاني كشف المستور
حاول مصطفى أن يمسك بذراعي مرة أخرى، لكنني في تلك اللحظة لم أشعر بالضعف أو الألم، بل شعرت بوضوح شديد يجتاح عقلي. نفضت يده عني بقوة والتفتُّ إلى موظفة السجل المدني وقُلت لها بثبات اطبعي لي كل ورقة وكل مستند يخص الحجر ده يا بنتي.
صرخت شيماء في وجه الموظفة بغلّ هي معندهاش الأهلية القانونية إنها تطلب حاجة زي كده أو تمضي عليها!
التفتُّ إليها وصرخت بكل ما أوتيت من قوة وسط صالة السجل أنا اللي بيتمسح اسمي وتاريخي من الدنيا، ومش مستنية إذن من واحدة زيك علشان
متابعة القراءة