أخذني ابني لـ تجديد بطاقة الرقم القومي
أخذني ابني ل تجديد بطاقة الرقم القومي علشان نقدر نقدّم على كارنيه كبار السن والمواصلات المجانية... لكن عندما فحصت الموظفة موقفي في التأمينات والسيستم، اكتشفت الصدمة قالتلى حضرتك مينفعش تمضي... إنتِ ميتة قانونيًا من سنتين!.
كنت واقفة أمام مكتب السجل المدني والتضامن الاجتماعي في حي مصلحة الأحوال المدنية، أضم حقيبة يدي بقوة إلى صدري، وساقاي ترتعدان من الصدمة.
نظرت الفتاة الشابة الجالسة خلف المكتب إلى الشاشة، ثم نظرت إليّ، ثم أعادت النظر إلى الشاشة مرة أخرى وهي غير مصدقة.
قالت بنبرة حذرة يا فندم، حضرتك الحاجة فاطمة متولي؟
أجبتها بملامح قلقة أيوة يا بنتي. اتفضلي، دي بطاقتي القديمة ورخصة القيادة. ومددت يدي بالبطاقة وكانت يدي تتصبب عرقًا.
كان ابني مصطفى واقفًا بجانبي، متصلبًا في مكانه بشكل مريب. أما زوجته شيماء، التي أصرت على القدوم معنا علشان تساعد في الطوابير والأوراق، فقد توقفت فجأة عن مضغ العلكة اللبان.
خفضت الموظفة صوتها وقالت يا حاجة فاطمة... السيستم عندي مطلع إن فيه قيد قانوني وحظر على السجل بتاعك.
سألتها بقلب ينبض بسرعة حظر إيه يا بنتي؟
ابتلعت الموظفة ريقها بصعوبة وقالت قرار حجر طبي.. إعلان بفقدان الأهلية العقلية.
شعرت وكأن الهواء سُحب من رئتي دفعة واحدة، وقلت ذهولة يعني إيه فقدان أهلية وحجر؟ أنا زي الفل وعقلي معايا!
تحرك مصطفى بسرعة نحو المكتب وقال مقاطعًا أكيد ده خطأ في السيستم يا أستاذة. أمي ساعات بتنسى وبتجيلها حالات خرف وتوهان، بس الموضوع مش خطير للدرجة دي.
نظرت إليه بذهول.. أصل ب التوهان؟!
لم أكن تائهة أو مصابة بالخرف! نعم، أحيانًا أنسى أين وضعت مفاتيحي، كأي امرأة بلغت السابعة والستين من عمرها. لكنني ما زلت أطبخ لنفسي، وأدفع فواتير الكهرباء والغاز بمفردي، وأقرأ رواياتي ومصحفي، وأهتم ب أصص الزرع والياسمين في شرفتي. والأهم من ذلك، أنني أتذكر بدقة كل قرش استلفه أولادي مني ولم يردّوه!
قلت للموظفة بصوت حازم شوفي السيستم تاني يا بنتي، أنا ممضيتش ولا بصمت على حاجة زي كده أبدًا.
زدادت ملامح الموظفة جديّة وقالت يا حاجة، الورق اللي على الكمبيوتر بيقول إن ليكي وصي قانوني ونائب عنك بقاله سنتين.
سألتها ونبضي يتسارع مين؟!
سعل مصطفى بارتباك، بينما نظرت شيماء إلى الأرض وتجنبت عيني.
ترددت الموظفة لثانية ثم قالت الوصي هي السيدة.. شيماء ممدوح.
زوجة ابني! نفس المرأة التي تحضنني وتقول لي يا ماما عندما تريدني أن أجلس مع أطفالها لأعتني بهم. نفس المرأة التي كانت تشتكي طوال أشهر من أن بيتي الكبير في ضواحي المعادي واسع جدًا على امرأة عجوز تعيش بمفردها، وأنني لا يجب أن أعيش بدون إشراف.
شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدي، برودة غريبة رغم أن شمس الصيف الحارة كانت تحرق الأرصفة بالخارج.
وليه زوجة ابني هي اللي تقرر وتتحكم في حياتي؟!
أمسك مصطفى بذراعي بقوة وضغط عليها يا أمي يلا بينا نمشي من هنا، هنحل الموضوع ده والمشكلة دي بعدين في البيت.
نزعت ذراعي منه بعنف وقِلت لأ! مش هنمشي. أنا عايزة أفهم حالا.
ابتسمت شيماء ابتسامة صفراء ومرتبكة وقالت يا حماتي متعمليش شوشرة وفضيحة قدام الناس.. الموظفة ذنبها إيه إنك مبقتيش تفتكري حاجة وعقلك على قدك؟
تلك الجملة نزلت على وجهي كالصفعة.. مبقتيش تفتكري.
لقد كنت أسمع هذه الجملة طوال الأشهر الماضية؛ في كل مرة يختفي فيها مبلغ مالي من درج التسريحة، وفي كل مرة أجد فيها فواتير المرافق منقولة في ملف آخر، وفي كل مرة أسأل فيها عن عقد ملكية البيت.
قالت الموظفة وهي تتصفح المستندات المرفوعة على الشاشة حضرتك مضيتِ على إقرار وتفويض رسمي، وفيه كمان تقرير طبي مرفق من مستشفى حكومي مصدق على الحالة.
سألتها وعيوني تتسع تقرير من دكتور مين؟!
جزّ مصطفى على أسنانه وقال بغضب مكتوم كفاية لحد هنا يا أمي.. يلا نمشي.
وقفت مستقيمة ورفعت رأسي وقلت له متقوليش يا أمي! أنت جايبني هنا علشان أكتشف إنك طلعتني مجنونة ومحجور عليها؟!
ساد الصمت التام في صالة الانتظار. توقفت سيدة تحمل مظلة عن تهوية نفسها، وتمتم رجل يجلس خلفي بصوت مسموع ده شكله تزوير ونصب عين عيني!
التفتت إليه شيماء بغضب عارم وقالت محدش طلب رأيك، خليك في حالك!
طبعت الموظفة ورقة من على جهاز الكمبيوتر ووضعتها أمامي. كان اسمي مكتوبًا بوضوح فاطمة متولي عبد الرحمن. وتحته توقيع متعرج وملتوي.. توقيعي المفترض! لكنني لم أوقع هكذا طوال حياتي.. أبدًا!
قلت للموظفة ده مش خط إيدي، ودي مش إمضتي.
بدأ العرق يتصبب من وجه مصطفى، وقال بلغة استعطاف مزيفة يا أمي أرجوكي.. إحنا عملنا كل ده علشان نحميكي.
صرخت فيه تحميني من إيه؟!
هنا تدخلت شيماء وقطعت الشك باليقين وهي تربع يديها نحميكي من نفسك! وبما إنك صممتِ تعرفي، فالبيت بتاعك دلوقتي تحت الوصاية والإدارة القانونية، وأنا ومصطفى اللي بنتكفل بمصاريفك.
ضحكت ضحكة جافة مليئة بالمرارة مصاريفي؟ أنا اللي بدفع تمن نوري وميتي وأكلي من معاشي وعرقي!
ردت شيماء ببرود بالفلوس اللي مَبقتيش عارفة تديريها ولا تتصرفي فيها صح وبترميها يمين وشمال.
قاطعتها الموظفة وهي تقرأ بقية التحديثات على الشاشة يا حاجة فاطمة، فيه كمان طلب مقدم وموافق عليه لنقل محل الإقامة.
انقبض صدري بشدة وقلت والخوف يتملكني نقل إقامتي لفين؟
نظرت الفتاة إلى الورقة وقالت بصوت منخفض شفقةً عليّ إلى دار الياسمين لرعاية المسنين بمصر الجديدة.
دار مسنين! لم تقل شقة أخرى، ولم