​تمارضت عشان أغيب من المدرسة

لمحة نيوز

أكبر بكتير مكنش يخطر على بالنا. ورأفت مكانش عايز يعاقبنا بس.. ده كان عايز ياخد كل حاجة نملكها في الدنيا ويرمينا بره.
الجزء الثالث البداية الجديدة
منامناش في الشقة الليلة دي. ماما قالت إن مفيش بنت من بناتها هتقفل عينها في مكان رأفت مشي فيه بجوانتي بلاستيك ومفاتيح وكذب. أخدتنا ورحنا بيت جدتي في مصر الجديدة، ومعانا شنطتين لميناهم في ثانية، وشبشبي محشور في كيس بلاستيك، ونادين وشها ورم من كتر العياط. جدتي فتحت الباب، بصت في وشنا مرة واحدة، ومسألتش ولا سؤال.. قالت جملة واحدة بس
ادخلوا يا بني.. الشوربة سخنة وجاهزة.
ساعات هو ده بالظبط بيبقى شكل الحب؛ إنك ما تطلبش تفسيرات وتدقيق من حد جيلك مكسور وبيترعش.
تاني يوم، ماما راحت النيابة وقدمت أقوالها، ونادين كمان. وأنا عدت حكايتي قدام الأخصائية والنيابة، وكانوا بيتكلموا معايا بالراحة وكأنهم خايفين يكسروني بأسئلتهم. سألوني ليه كنت تحت السرير وليه سجلت الفيديو وبعته، قلتلهم الحقيقة لأني كنت مرعوبة إن محدش يصدق بنت عندها 13 سنة ويصدقوا راجل كبير بيعرف يبتسم ويمثل الطيب.
التحقيقات كشفت الباقي؛ رأفت كان بيدبر للموضوع ده من شهور، وكان مصور عقود الشقة وورقها، ومتواصل مع سمسار مشبوه واعده إنه هيتصرف في نقل الملكية بس يجيب توقيع وبصمة إلهام. فكرة الحبوب دي كانت المفروض تكون لوي الدراع؛ نادين تتمسك بمخدرات، وأمي تتهم بالسرقة من الصيدلية، فيدخل رأفت في دور البطل المنقذ ويقول لماما إنه هيحل الحوار بمعارفه ومحامينه، وفي المقابل تمضي له على التنازل عن الشقة.
سماع الكلام ده رعبني أكتر من وقفتي تحت السرير، لأن اكتشفت إن الموضوع مكانش نوبة غضب أو خناقة عادية.. ده كان مخطط مدروس ومحسوب خطوة بخطوة جوة بيتنا ومن ورانا.
رد الاعتبار
المدرسة اضطرت تعتذر، مش بالشكل الدرامي اللي كنت متخيلاه إن المديرة تعيط والطلاب يسقفوا لنادين.. الحياة الحقيقية مابتنظفش فوضتها بالجمال ده. بس حصل اجتماع مع المدرسين، واتعدل ملف نادين، واتقالت كلمة واضحة قدام فصلها نادين كانت ضحية بلاغ كاذب وكيدي سمعتها ردت اعتبارها.
أمي اشترت لنادين شنطة جديدة لونها موف عشان ما تضطرش تبص للشنطة الزرقا دي تاني أبداً. نادين ما ابتسمتش، بس رفعت راسها فوق. وأنا قاعدة في آخر الفصل، قلت لنفسي إن الكرامة ساعات مش محتاجة تعمل صوت.. محتاجة بس ترفض إنها تنحني.
ماما غابت أيام من شغلها عشان تخلص الإجراءات القانونية، بس مخسرتش وظيفتها. الصيدلية عملت جرد كامل للمخازن وتأكدوا إن الحبوب مش من عهدتها ولا من ورديتها. المدير اللي كان بيبص لها بشك في الأول، جه واعتذر لها. ماما قبلت الاعتذار بهزة راس تعبانة، ولما خرجنا قالتلي الاعتذار مابيمحيش هما كانوا مستعدين يصدقوا إني حرامية إزاي بالسرعة دي. مكنتش عارفة أقولها إيه، كنت لسه عيلة بس فهمت إن الاتهام الظالم بيسيب بقعة في النفس حتى بعد ما يتغسل.
نهاية الكابوس
رأفت حاول يتصل بينا من أرقام مخفية؛ في الأول بغضب وشتايم، بعدين برجاء وتوسل، وبعدين بتهديدات متغطية بدموع وصعبانيات. كان بيقول إن أمي دمرت حياته، وإن نادين قليلة الأصل، وإني بنت كذابة ومتربتش. في يوم بعت ريكورد وهو بيعيط وبيقول إنه وحشنا وإن الأمور خرجت عن سيطرته مش أكتر. ماما سمعت الريكورد للآخر، وبعدين سيفتُه في فايل الأدلة والقضية، وقالت إنك توحش حد.. مش معناه إنك تبت وتندم على أذيتك.
قعدنا عند جدتي أسابيع، وهناك أخيرًا اتعلمت الكسور الحسابية؛ نادين شرحتهالي بالعيش البلدي، والمج الكوبايات، وقصاصات الورق. سقطت في أول امتحان ملحق، بس نجحت في التاني. لما قلت لماما، حضنتني وعصرتني وكأني أخدت كأس العالم.
همست في ودني إياكِ تتمارضي تاني عشان تغيبي.
قلتلها وعد مش هعمل كده.
حتى لو ده هينقذ العيلة؟
حتى لو ده هينقذ العيلة.
وضحكنا احنا الاتنين.. كانت أول ضحكة صافية من غير ما نكون شايلين جبل من الذنب والخوف.
في النهاية، رجعنا شقتنا. ماما غيرت الكوالين كلها، وركبت جنزير حديد تقيل للأمان، وسحبت كل نسخة مفتاح كانت مديّاها لحد على سبيل الثقة. دهنا أوضتي من جديد، ونادين رمت كل الكشاكيل والورق اللي رأفت فتش فيه، ورمينا الشنطة الزرقا في الزبالة.
نظفت تحت سريري، ولقيت تراب، وتوكة شعر قديمة، ولقيت المكان بالظبط اللي بطلت أكون فيه مجرد طفلة خايفة. المحنة دي مخلتنيش فخورة، خلتني حزينة.. مفيش طفل في الدنيا المفروض يتعلم الشجاعة وهو لزق بطنه وجسمه في تراب الأرض وخشَب السرير.
بس اتعلمنا حاجات تانية؛ نادين بطلت تحاول تكون مثالية طول الوقت، بقت ساعات تزعل، وساعات تعيط، وتصرح إنها مش قادرة تشيل كل حاجة، وماما عمرها ما لمتها، كانت بتقولها مش لازم تبقي كاملة عشان تتحبي. وأنا بطلت أحس إني العيلة الفاشلة أو الكسلانة لمجرد إني فبركت سخونية.. أنا غلطت آه، بس لما جيه وقت الكلام، مسكتش.
القضية ضد رأفت كانت طويلة، مخلصتش بسرعة وسهولة زي المسلسلات؛ جلسات، وتأجيلات، وتوقيعات، وهدة حيل. بس المهم إنه عمره ما دخل بيتنا تاني، واتعمله محضر عدم تعرض للمدرسة وشقتنا، ومبقاش ليه عين يبص لنا ويحسسنا إننا مدينين ليه باللقمة أو السقف أو الطاعة.
بعد سنين، لسه فاكرة الوقت بالظبط 1035 الصبح. الساعة اللي شفت فيها جزمتة السودا بتدخل أوضة أختي. الساعة اللي فهمت فيها إن الخطر مش دايماً بيكسر الباب؛ ساعات بيبقى معاه المفتاح.
بس فاكرة برضه الساعة التانية.. بتاعة بعد الظهر، لما ماما بعتت أنا شفت الفيديو. دي كانت الساعة اللي بطلنا نكون فيها لوحدنا.
الدرس اللي طلعت بيه كان بسيط وقوي الكذبة ممكن تدخلك في مشكلة، بس الحقيقة هي الوحيدة اللي تقدر تسحبك بره عمر كامل من الخوف. الحقيقة مش دايماً بتطلع بصوت ثابت وقوي؛ ساعات بتطلع وهي بتترعش، متسجلة من تحت السرير، مبعوتة بشرطة نت ضعيفة ودموع في عينك.. بس لو وصلت في وقتها، بتقدر تنقذ الناس اللي بتحبهم.
أنا عملت نفسي عيانة عشان أغيب من المدرسة.
وده كان غلط.
بس في اليوم ده، وعشان قعدت في البيت، شفت اللي مكانش حد المفروض يشوفه.
وسجلت اللي راجل كبير كان فاكر إنه هيخبيه.
واتعلمت إنك مابتخميش أهلك وتصونيهم بأنك تطيعي وتخافي من اللي صوته أعلى..
أنتِ بتحميهم لما تقولي الحقيقة، حتى لو جسمك كله بيترعش.

تم نسخ الرابط