ابنى طردنى من اوضة نومى

لمحة نيوز

لأول مرة بحسم لأ! ماتحطيش ذنبنا وجرمكم على لسانه.. ده طفل!.
لأول مرة مها تسكت وتتكمش في مكانها.. يمكن عشان عمري ما كلمتها بالقوة دي، أو يمكن عشان الشرطة لسه واقفة.
اخد راضوان نفس طويل وقال ماما اسمعي.. الغي البيع ده ونرجع كل حاجة زي ما كانت. هنرجعك أوضتك الكبيرة، وهنظبط أمورنا ونستحمل بعض Adjust.
نظبط ونستحمل.. الكلمة دي عاشت معايا اتنين وستين سنة وبتطاردني. الستات في بلادنا بيطلبوا منهم يظبطوا وييجوا على نفسهم لحد ما عضمهم يتني ويتقوس ويموتوا بالبطيء.
ابتسمت وقلتله مفيش أم بترجع لأوضتها زي حتة العفش القديمة، بعد ما بعتوا كرامتها واحترامها في السوق حتة حتة.
زعق ما أنا قولتلك آسف!.
رديت لأ.. إنت قولت إنك محتاج البيت. الأسف بتاعك ده عاش أقل من عشر ثواني.. وده عمر الندم لما بيبقى مولود من المصلحة والخوف من البهدلة.
تقدم الأستاذ مراد المحامي وقال مدام شادية.. الأستاذ شريف ومدام ندى مستنيين بره البوابة، ومش راضيين يدخلوا حرجاً من الموقف لحد ما تجهزي تماماً.
هزيت راسي.
راضوان برق هم واقفين بره؟!.
المحامي أيوة.
عند البوابة بره، كان واقف الزوجين الجداد.. المهندسين الشباب اللي اشتروا الأرض. شريف وندى الدسوقي. م رضيووش يدخلوا الجنينة، كانوا واقفين باحترام بره البوابة كأنهم ضيوف بيستأذنوا من ست م بقتش تملك البيت كقسيمة ورق، بس لسه بتملك ذكرياته وتاريخه.
ندى رفعت إيدها وسلمت عليا بحب من بعيد وقالت بصوت دافي يا أمي.. خدي وقتك خالص وإحنا مستنيينك.
يا أمي.. مش الست الكبيرة، ولا العالة، ولا الزيادة اللي ورا جنب الغسالة. يا أمي.
في اللحظة دي بس عيني دمعت.. ما عيطتش لما نقلوا سريري، ولا لما لموا صوري في كرتونة، بس عيطت لما لقيت الاحترام والتقدير جايلي من غريب، في الوقت اللي ابني صرّفه عليا بالقطارة.
شريف قرب خطوتين بأدب يا فندم.. زي ما اتفقنا، السواق بتاعنا هيشيل كل حاجتك ويوصلها لحد الشقة الجديدة.
راضوان استغرب شقة إيه؟!.
بصيت له الشقة اللي اشتريتها.
إنتي اشتريتي شقة؟!.
أيوة.
بفلوس بيع البيت ده؟.
بفلوسي أنا!.
وشه اتمزع.. وكنت حابة إنه يسمعها ويعرفها.. فلوسي أنا.. بتاعتي.. الكلمة اللي نسيت أنطقها بقالي سنين طويلة.
كملت كلامي هي شقة صغيرة.. أوضة وصالة، بس فيها أسانسير، وبتدخلها شمس الصبح من كل مكان، وجنبها جامع كبير.. ومفيش فيها غسالة محطوطة جنب سريري.
مها مسحت دموعها بغل يعني شيلتي وكنزتي فلوس لنفسك؟!.
بحملقت فيها وقلت أيوة.. صدمة مش كده؟ ست عجوزة وبتخطط لسه إنها تعيش اللي باقي من عمرها!.
عساكر الشرطة ساعدوني يشيلوا الشنطة الكبيرة. طلبت منهم يستنوني ودخلت البيت لآخر مرة.
دخلت أوضتي القديمة.. الباب كان مفتوح. الحيطان الزرقا، الشاشات، أنوار الكرتون، الكراسي البف. لمبة الصلاة بتاعتي مكنتش موجودة.
وعلى الحيطة، ورا بوستر عربية السباق، شفت العلامة المربعة الباهتة مكان ما كانت صورة جوزي وحبيبي متعلقة لسنين.
وقفت في الأوضة.. ريحتها بقت شيبسي، وبلاستيك، وعرق عيال.. مفيش ريحة بخور الصندل، ولا ريحة زيت جوز الهند، ولا ريحته هو وطيبته.
غمضت عيني للحظة وهمست في سري جلال.. أنا بعت البيت.. سامحني يا حبيبي.
وفجأة سمعت صوته في ذاكرتي.. صوته الهادي اللي عمره ما اتعصب عليا يا شادية.. البيت اللي ميحميش كرامتك ويصونك.. يبقا شوية أسمنت وطوب ملهوش عازة.
فتحت عيني.. وشفت في الركن تحت صندوق الألعاب الكرتونة اللي مها لمت فيها الصور. رفعتها في إيدي. صورة فرحنا كانت على الوش.. جلال بيضحك بكسوف جنبي، وشعري كان تقيل وأسود، وعينيا كانت مليانة بريق الشباب والجهل بالدنيا.
وراء الصورة دي، لقيت صورة تانية.. راضوان وهو بيبي صغير، قاعد في طشت مية ألومنيوم وبيضك بأسنانين اتنين بس في بوقه.
فضلت باصة للصورة دي كتير أوي.. الحب مابيموتش بسهولة ولا بنظافة.. حتى لما ابنك يكسر قلبك ويجرحك، يفضل فيه حتة جواكي فاكرة وزنه وهو نايم على صدرك وبيتنفس وأنتي بتطبطبي عليه.
أخدت صورة البيبي وحطيتها على السرير.. مش بغضب، حطيتها كدليل وشاهد على اللي كان. وأخدت صور جوزي في حضني وخرجت.
في الصالة، راضوان كان لسه بيتخانق مع المحامي ويقول بصوت عالي الموضوع ده مش هيعدي، وأنا هرفع قضايا وأهد العقود دي.
رد المحامي بكل هدوء حقك القانوني يا فندم.. اتفضل ارفع.
زعق راضوان أنا الوريث الشرعي ليها!.
بص له المحامي وقال كلمة واحدة هزت الصالة بس هي لسه عايشة.
الجملة دي سكتت المكان كله.. هي لسه عايشة.
فيه كام ابن وعيل بينسوا الحقيقة دي؟ بيبدأوا يورثوا الأهل وهما لسه بيتنفسوا وصاحيين.. يقيسوا الحيطان، يختاروا الأوض ومين يقعد فين، ويشيلوا الصور، ويخططوا لبعد عمر ماما.. بس ماما لسه عايشة.. عايشة كفاية عشان تسمع، وعايشة كفاية عشان تمضي، وعايشة كفاية عشان تسيبكم وتمشي.
مشيت لحد الباب الرئيسي، وعند العتبة وقفت.
صوت راضوان ا تكسر ورايا وقال ماما.. متمشيش بالشكل ده.
لفيت وبصيت له نظرة طويلة.. بكري.. وفرحتي الأولى.. وفوق كل ده جرحي الكبير.
وقلتله أنا ممشيتش بالشكل ده يا راضوان.. إنت اللي مشيتني بالشكل ده.
غطى وشه بإيديه وبكى. في اللحظة دي، حتة من قلبي كانت عايزة تروح تطبطب على راسه، تباركه، تسامحه، وتقوله إنك لسه ممكن ترجع الولد الطيب اللي كنت ه.. بس أنا عارفة إني لو لمسته في اللحظة دي هضعف، ولو ضعفت، هياخدوها حجة ويقولوا خلاص حصل خير وتصالحنا ونقعد ونتظبط.
عشان كده، لفيت إيديا واتجهت بالتحية للبيت نفسه.. مش ليه هو.
للبيت.. للحوش اللي جلال زرع فيه شجرة المانجا، للمطبخ اللي حرقت فيه أول رغيف عيش وأنا عروسة جديدة، للبلكونة اللي كنت بفضل واقفة فيها مستنية المطر، ولأوضة النوم اللي نسيتني وباعتني.
وبعدها خطيت بره الباب.
المالكين الجداد وسعوا لي السكة بكل أدب واحترام. ندى شالت كرتونة الصور من إيدي كأنها شايلة حاجة مقدسة وخايفة عليها تقع.
وعند البوابة الخارجية، جرى ورايا حفيدي مروان وهو بيصرخ تيتا!.
مها زعقت باسمه عشان يرجع بس هو نفض لها ومسمعهاش. حضن وسطي بكل قوته وهو بيعيط ممكن أجي أزورك في شقتك الجديدة؟.
وطيت بوست راسه وقلتله أيوة يا حبيبي.. بس بشرط، تيجي عشان تشوفني أنا وتزورني أنا.. مش عشان مكاني ومساحتي.
هز راسه وهو بيبكي وقال أنا هجيبلك لمبة الصلاة بتاعتك معايا وأنا جاي.
زوري اتخنق من الدموع وقلتله شيلها في أمان عندك لحد ما أشوفك.
جرى ورجع لجوه البيت. راضوان كان واقف عند المدخل بيبص.. ولأول مرة في حياتي، شفته باين صغير جداً.. أصغر بكتير من حجم البيت.
ركبت العربية، والباب اتقفل. شنطتي معايا، وصور جوزي في حضني، وواحد وستين ليلة من سكوت الحيطة المرطبة والغسالة بقوا خلاص ورا ظهري وللأبد.
والعربية بتحرك، مبصيتش ورايا علطول. استنيت لحد ما وصلنا لآخر الشارع ولفينا الملف.. وهنا سمحت لنفسي ببصيرة أخيرة.
البيت كان واقف تحت سما الليل، حبال النور والزينة لسه منورة فوق جنينة فاضية، ودخان الشوي لسه طالع من كباب محدش م مد إيده عليه ولا ذاق طعمه.
البيت ممكن يتحول لساحة حرب من غير ما يتكسر فيه شباك واحد.. وده اللي حصل في بيتي.
بداية النهاية.. الصندوق المقفول
بالليل، في شقتي الجديدة، حطيت صورة جلال جنب الشباك الكبير.. شمس الصبح هتطلع وتلمس وشه هناك أول ما تشرق.
المكان كان صغير..
نضيف.. هادي.. وملكي أنا.
نمت على مرتبة جديدة وصحيت قبل الفجر.. كنت متلخبطة ومستغربة من السكوت؛ مفيش صوت غسالة ولا مية مجاري بتنقط جنب ودني.
لأول مرة من شهور طويلة، عملت كوباية شاي لنفسي أنا وبس.. كنت بقلب السكر لما التليفون رن.
رقم غريب.. كنت هكنسل، بس رديت في الآخر.
صوت ست اتكلمت مدام شادية الكيلاني معايا؟.
أيوة أنا.
أنا ندى الدسوقي.. أنا آسفة جداً إني بكلمك في وقت زي ده وعلى الصبح، بس وإحنا بنستلم البيت وبنفتش في الصندرة السندرة اللي فوق، لقينا صندوق حديد مقفول ب جنزير وقفل، ومكتوب عليه اسم جوزك المحفور جلال الكيلاني.
إيدي اتشدت حوالين كوباية الشاي اسم جلال؟.
أيوة يا أمي.. وفيه حاجة تانية.. الصندوق لما فتحناه مع المحامي، لقينا جواه ملف كبير مكتوب عليه بخط إيده لشادية.. لو راضوان حاول في يوم ياخد البيت أو يطردك.
الشاي اتدلق مني على الرخامة.
جوزي مات من خمس سنين.. مات قبل ما أوضتي تتاخد، وقبل البلاي ستيشن، وقبل أوضة الخزين، وقبل ما أفتكر إنه سابني في الدنيا دي لوحدي ومشي.
صوت ندى وطي وهي بتكمل بذهول
يا أمي.. جواه كمان أوراق وشهادات بنكية باسمك.. وفيه رسالة.. أنا أعتقد إن جوزك الله يرحمه كان عارف حاجة خطيرة عن ابنك راضوان.. حاجة إنتي متعرفيهاش ومخبيها عنك بقالها سنين.
في اللحظة دي، شمس الصبح طلعت ولمست صورة جلال.. ضحكته الهادية والجميلة في الصورة م بقتش باينة كأنها ذكري قديمة.. بقت باينة كأنها تحذير صريح وواضح.
وقفت في شقتي الجديدة الخالية، وماسكة التليفون وإيديا كلها بترعش.. وفهمت في اللحظة دي إن بيع البيت مكنش نهاية القصة ولا قفل صفحة خيانة ابني.. ده كان مجرد الباب اللي فتح الصندوق اللي جوزي دفنه وخبّاه قبل ما يموت بخمس سنين!

تم نسخ الرابط