ابنى طردنى من اوضة نومى

لمحة نيوز

زي الراجل اللي بيحاول يفوق من كابوس مرعب بسبيل إنه يهدد الحلم نفسه.
وقال إنتي مش من حقك تبيعي البيت ده!.
بصيت في عينه أنا بعته فعلاً خلاص.
وشه أحمر وعروقه ظهرت من غير ما تقوليلي؟!.
رديت عليه والرصاص بيطلع من كلامي وإنت نقلتني أوضة الخزين من غير ما تقولي.
الكلمات نزلت عليهم زي الصاعقة. أصحابه لفوا وشوشهم الناحية التانية من الكسوف. مها زعقت بأعلى صوتها ده كان موضوع تاني خالص! العيال كانوا محتاجين مساحة!.
رديت عليها وأنا كنت محتاجة كرامة.
صوتي مهتزش ولا ثانية، والحقيقة ده فاجأني أنا شخصياً. على مدار واحد وستين ليلة، كنت بهمس بالكلمات دي للغسالة، للجردل المكسور، لصور جوزي المتطبقة في الكرتونة. والنهارده، الكلمات خرجت كاملة وقوية من بوقي.
راضوان وطى صوته وقال يحاول يهديني ماما، بلاش دراما أرجوكي.. قوليلهم إن فيه سوء تفاهم.
تدخل الأستاذ مراد المحامي وقال مفيش أي سوء تفاهم يا فندم. عقد البيع النهائي مسجل، وإجراءات نقل الملكية المشهرة بدأت فعلياً. والدتك مضت على بنود تسليم العقار خالياً من الشواغل، ما عدا المتعلقات الشخصية اللي بتنقلها بنفسها الليلة.
مها لفت ليا وهي بتبرق بعتي السقف اللي بيحمينا وبيحمي ولادنا؟!.
بصيت لها وقلت لا.. أنا بعت سقفي أنا. إنتي كنتي طردتيني من تحته أصلاً.
وشها اتلوى من الغل وزعقت يا لئيمة! ده إحنا كنا بنرعاكي وبناخد بالنا منك!.
هنا أنا ضحكت.. ضحكة هادية وصافية. الضحكة دي رعبتها أكتر من العياط أو العصبية.
وقلت لها رعاية؟ كنتي بتحطي أدويتي فوق الغسالة في الرطوبة. وكنتوا بتقدموا لي الأكل بعد ما الكل يخلص ويفيض منكم. وكنتي بتقولي لأصحابك بكل فخر إحنا ظبطنا الست الكبيرة ورا ووفرنا المساحة كأني حتة عفش زيادة أو شنطة ملهاش لازمة! وحطيتي صور جوزي وعشري عمري في كرتونة تحت مواسير بتنقط مية مجاري!.
حفيدي وطى راسه في الأرض. وحفيدتي الصغيرة 8 سنين بدأت تعيط في الساكت. ده كان الوجع الوحيد في الجنينة اللي لمس قلبي.. الأطفال ملهمش ذنب يشوفوا الكبار وهم بالقبح ده، بس ساعات الحقيقة بتيجي متأخرة، وبتضطر تدوس على ألعاب الأطفال وهي بتظهر.
راضوان لف لعساكر الشرطة وزعق دي مسألة عائلية وخلاف أسري.. اتفضلوا امشوا بره!.
العسكري الكبير م تحركش خطوة وقال بحزم يا فندم إحنا هنا قوة تنفيذية مرافقة لمنع أي تعرض أو اعتراض أثناء إعلان الصيغة القانونية.
المحامي طلع ورقة تانية من الملف معاكم إعلان رسمي بإخلاء المكان خلال 72 ساعة. وبما إنك مش مالك مسجل، ولا مستأجر، ولا معاك أي عقد انتفاع، قعدتكم هنا بعد المدة دي هتعتبر وضع يد وغير قانونية.
مها صرخت غير قانونية؟! إحنا عايشين هنا بقالنا خمس سنين!.
رديت عليها وأنا عشت هنا أربعة وثلاثين سنة.. ومع ذلك شلتوا سريري ورميتوه بره كأنه زبالة.
راضوان بصلي كأنه شايف ست تانية أول مرة يعرفها في حياته. وده كان شعور عظيم، لأن أنا نفسي مكنتش عارفة نفسي ولا شفت قوتي دي إلا لما مضيت الورق.
قال بنبرة رجاء مصطنعة ماما.. تعالي ندخل جوه ونتكلم ونحل الموضوع.
لا.
عينيه زاغت إنتي زعلانة وأنا مقدر ده.. بس تبيعي البيت؟ ده كتير أوي وجنون!.
لمست ميدالية المفاتيح اللي في كفي.. المفاتيح لسه معايا؛ الباب الرئيسي، السطح، المخزن، أوضتي القديمة. المفاتيح بتبقى حزينة وغريبة بعد البيع، بتفتح الأقفال عادي بس خلاص ملهاش أي علاقة بمستقبلك.
قلتله إنت شوفت إن الأوضة اللي ورا جنب الغسالة كفاية عليا.. وأنا شايفة إن 72 ساعة كفاية جداً عليكم.
وشه اتقسم نصين من الخزي والإهانة قدام أصحابه. أصحابه بدأوا يقوموا في حرج، واحد منهم همس لراضوان راضوان.. إحنا لازم نمشي.
خلاص.. مكنش فيه حد ليه نفس للكباب، ولا للمشروبات الساقعة، ولا حد بقا طايق يقعد تحت حبل النور والزينة ودعوة الأم بتمد جدرانها في المكان.
فجأة مها جريت لداخل البيت وهي بتصرخ لأ! محدش ماشي في حتة! ده نصب وفيه إنّ! فين الأوراق الأصلية؟ فين عقد الملكية الشامل؟.
المحامي رفع نسخ طبق الأصل مختومة كله تمام وزي الفل ومسجل.
هي مسمعتش وجريت لجوه، وراضوان جرى وراها. أنا كنت عارفة هي رايحة فين.. رايحة على الدولاب الصاج اللي في أوضتي القديمة، الخزنة اللي كانت فاكرة إني شايلة فيها ورق البيت. شهور وهي بتفتش فيها وتعمل نفسها بتنفض وتفتح الأدراج وتسالني بلقم يا ماما الأوراق المهمة فين عشان ننظمها؟.. التنظيم، الكلمة الشيك اللي الناس بتستخدمها قبل ما تسرق الكبار في السن.
بعد دقيقة، صرختها هزت البيت من جوه. الضيوف اتجمدوا في مكانهم. خرج راضوان وهو ماسك دوسيه أزرق فاضي.. وشه كان قالب على رمادي زي الأموات.
همس وهو مكسور ماما.. فين الورق؟.
بصيت للدوسيه الفاضي.. الملف الأزرق القديم ده اللي كان شايل عمري كله، دلوقتي بقا شايل هوا.
وقلتله في أمان.. لأول مرة من خمس سنين.
مها خرجت وراها زي المجنونة إنتي خططتي لكل ده! كنتي عاملة نفسك غلبانة ومكسورة وإنتي بتدبري لمصيبتنا!.
رديت بكل برود أيوة.
الرد صدمها وشل لسانها. كملت كلامي كنت عاملة نفسي مكسورة وغلبانة لأن كل ما كنت بفتح بوقي وأتكلم كنتي بتقولي عليا بعمل دراما.. فبطلت كلام، وبدأت أمضي.
نبرة راضوان رجعت ناشفة تاني وقال هتندمي يا ماما.. إنتي كده بتشردي ابنك وبتخليه من غير بيت.
بصيت في عينه لآخر مرة لأ يا راضوان.. أنا اديت لابني بيت يعيش فيه، وهو اللي شرد أمه وخلاها من غير بيت جوة بيتها.
العسكري الصغير اللي واقف وطى عينه في الأرض.. يمكن افتكر أمه، أو يمكن عنده أوضة في بيته لسه مسميها باسمها.
قرب راضوان مني وإيديه بترعش.. مش من الحزن، من الخوف والرعب من المستقبل.
وسألني هنروح فين؟.
في اللحظة دي افتكرت لما سألت نفسي نفس السؤال في سري أول ما شفت السرير الحديد الضيق جنب الغسالة والمجاري.. هتنفس فين؟ هحط صور جوزي وحبيبي فين؟ هقعد فين لما ركبي توجعني؟ الست الكبيرة بتروح فين لما ابنها يوفر مساحة للبلاي ستيشن وميلاقيش مساحة للمبة الصلاة بتاعتها؟
قلتله معرفش.. اسأل الموقع اللقطة.
خروج بلا عودة
أصحابه مشيوا علطول بعد الكلمة دي، واحد ورا التاني. خطواتهم كانت سريعة على بلاط الجنينة. محدش مد إيده على أكل، ومحدش ودعهم.. الإهانة والخزي مرض معدي، الناس بتجري وتمشي قبل ما يوسخ هدومها.
لما آخر عربية مشيت، م فضلش غير العيلة.. العيلة، يا لها من كلمة غريبة! زمان كانت معانيها لمتنا حوالين السفرة والدفا، والنهارده بقا معناها محضر محكمة، اتنين عساكر شرطة، إنذار إخلاء، وابن بيبص لأمه كأنها خانته لمجرد إنها قررت تعيش وتحمي نفسها.
مها قعدت على كرسي في الجنينة وصرخت بعياط هيستيري شوفوا يا عيال تيتة عملت فينا إيه! رمتنا في الشارع!.
حفيدتي جريت على حضن أمها وهي بتعيط، بس حفيدي مروان فضل واقف مكانه يبصلي.
سألني تيتا.. إنتي ماشية؟.
نزلت على ركبي بالراحة.. ركبي كانت بتوجعني جداً، بس مسمحتش لحد يمد إيده يسندني.
أيوة يا حبيبي.
على فين؟.
لمكاني الخاص بيّ.
عينيه اتملت دموع بس ده كان مكانك.
لمست خده الحنين كان.. لحد ما الكل نسي.
بكى وقال أنا آسف يا تيتا.
مها زعقت فيه ماتتأسفش ليها! هي اللي خربت بيتنا!.
وقفت بكل طول وزعقت فيها
تم نسخ الرابط