ابنى طردنى من اوضة نومى

لمحة نيوز

ابني طردني من أوضة نومي بعد ما قال إني كبرت ومبقتش محتاجة مساحة... وحوّل أوضتي لأوضة ألعاب لولاده، ورماني أنام جنب الغسالة في أوضة رطبة. سكت كام يوم، وهو فاكر إن الست العجوز خلاص انكسرت... لكن في الليلة اللي كان واقف فيها قدام أصحابه بيتباهى إن البيت بقى بتاعه، دخل راجل غريب ومعاه محامي واتنين شرطة، وقال جملة واحدة قلبت حياته وحياة كل اللي كانوا واقفين في الجنينة. 
ابني شال سريري ورمّاه بره وكأنه زبالة.
ومرات ابني لمّت صور جوزي الله يرحمه وحطتها في كرتونة.
وبلاي ستيشن أحفادي بقى محطوط في المكان اللي كانت بتنوّر فيه لمبة الصلاة بتاعتي.
وأنا، اللي عندي اتنين وستين سنة، رحت أنام جنب الغسالة.
أنا اسمي شادية الكيلاني.
من خمس سنين، بعد ما جوزي مات، عملت أكبر غلطة في حياتي كلها.
وافقت إن ابني الكبير، راضوان، ينقل يعيش معايا في بيتي اللي في مصر الجديدة هو ومراته مها وعيالهم الاتنين.
قال لي وقتها يا ماما، مش صح تعيشي لوحدك.. إحنا هناخد بالنا منك.
في الأول، صدقته.
كنت بطبخ لهم.
وبحضّر علب الغدا للعيال وهم رايحين المدرسة.
وكنت بشيل هدوم مها من الشمس عشان ألوانها متبهتش.
وكنت بفضل واقفة في البلكونة مستنية راضوان لما يتأخر في الشغل.
لكن بالراحة كده، البيت مبقاش بيتي.
الأول، مها غيّرت الستائر.
بعدين نقلت الحلل الألومنيوم والحلل بتاعتي.
وبعدين خدت الصالة الكبيرة عشان تصور فيها فيديوهات اليوجا بتاعتها.
وبعدين كرسي جوزي الله يرحمه اختفى، عشان على كلامها العفش القديم بيكئب البيت.
بلعت كل ده وسكتُّ.
الأم بتظلع حاجات كتير أوي قبل ما تكتشف إن زورها اتملى دم.
من شهرين، رحت أزور أختي في البلد وقعدت هناك أسبوع.
لما رجعت، وقفت عند باب أوضة نومي ومبقتش قادرة أخد نفسي.
الأوضة بقى لونها أزرق.
أزرق فاقع.
سريري الخشب مكنش موجود.
دولابي مكنش موجود.
وصورة فرحي اللي في برواز مكنتش موجودة.
الأوضة اتملت ألعاب، وشاشات، وبين باجز كراسي بف، وأنوار كرتون.
والحيطة اللي كانت متعلقة عليها صورة جوزي المحاطة بورد، بقى محطوط مكانها بوستر لعربية سباق.
حاجتي مكنتش في الدولاب.
ومكنتش في الطرقة حتى.
رموها في أوضة الخزين أوضة الكركبة اللي ورا في الحوش، جنب الغسالة والجردل المكسور.
سرير حديد ضيق.
كرسي بلاستيك واحد.
حيطان مرطبة.
وروايح مية بصابون ومجاري قديمة.
دي بقت أوضتي الجديدة.
كلمت راضوان وإيديا بترعش.
طلع لي وهو ماسك ريموت التلفزيون في إيده.
ومها كانت واقفة وراه، مربعة إيديها، وبتتسم كأنها كسبت قضية في المحكمة.
سألته وصوتي بيتجرح قبل ما أكمل الكلمة إيه ده؟
راضوان اتنهد وقال يا ماما، بلاش دراما.
دراما.
الكلمة دي نزلت عليا أشد من القلم.
قال لي ولادك محتاجين مساحة.. عندهم مشاريع للمدرسة، وألعاب، وحصص أونلاين. وإنتي أصلاً مابتتحركيش كتير.
بحلق ت فيه وكنت مذهولة.
وهو مكملش كلامه ووقف، بل زاد وعلى قد اللي بتعمليه طول اليوم، الأوضة اللي ورا دي كفاية عليكي أوي. احمدي ربنا إننا ممشيناكيش وديناكي دار مسنين.
في حاجة جوايا سكتت تماماً.
مش ضعف.. لا، سكتت.
سكوت مرعب ومخيف.
بصيت للابن اللي كنت بجوع عشان أكله.
الابن اللي بعت غوايشي ودهبي عشان أدفع له مصاريف هندسة.
الابن اللي كان زمان بينام وهو ماسك في طرف جلابيتي عشان بيخاف من الضلمة.
دلوقتي بيبعتني أنام في أوضة مرطبة وبيسمي ده عطف وكرم منه.
مزعقتش.
مادعيتش عليه.
نقلت مخدتي لأوضة الخزين ونمت هناك لمدة واحد وستين ليلة.
كل ليلة، كنت بسمع ضحكهم جاي من أوضتي القديمة.
أصوات الألعاب.
صريخ العيال وهم بيلعبوا.
ومها وهي بتقول للضيوف عملنا أوضة ألعاب تجنن.. الست الكبيرة دي كانت مضيعة المساحة الكبيرة دي على الفاضي.
الست الكبيرة.
مش ماما.
مش صاحبة البيت.
الست الكبيرة.
بس هم نسيوا حاجة واحدة صغيرة أوي.
البيت ده لسه مكتوب باسمي بالكامل.
كل حيطة.. كل بلاطة.. كل شجرة مانجا في الحوش.
نفس البيت اللي راضوان بدأ يسميه عقاراتنا وأملاكنا قدام أصحابه.
ونفس البيت اللي مها كانت مخططة ومجهزة نفسها توضبه وتهده بعد عمر طويل لماما.
عشان كده، بطلت عياط وبدأت أمضي على ورق.
في الساكت خالص.
قابلت سمسار عقارات جنب جامع الحسين.
ورّيته عقد الملكية الأصلي.
وقبلت أول عرض نضيف جالي من مهندسين زواج جديد، كانوا عايزين الأرض عشان يبنوا عليها عمارة سكنية جديدة.
تحويل فلوس كاش.
تسجيل قانوني في الشهر العقاري.
من غير شوشرة.. ومن غير أي إنذار.
ومبارح بالليل، راضوان ومها كانوا عاملين حفلة شوي في الجنينة.
أصحابهم كانوا قاعدين تحت حبل النور، بيضحكوا وبياكلوا كباب وبيشربوا حاجات ساقعة.
وراضوان كان بيقول بصوت عالي وفخر الأرض دي في موقع لقطة.. بعد شوية توضيبات، سعرها هيتضاعف.
أنا كنت في أوضة الخزين، بلم آخر جلابية ليا في الشنطة.
وفجأة بوابه البيت انفتحت.
كل الناس لفت تبص.
دخل راجل شيك جداً ولابس بدلة، وتحت باطه ملف.
ووراه دخل محضر من المحكمة.
وراء المحضر دخل اتنين عساكر شرطة.
الضحك مات على الوشوش، والأطباق اتجمدت في الإيدين.
راضوان وقف وهو لسه ماسك كبابه في إيده أنتم مين؟
الراجل بص لليافطة اللي مكتوب عليها الاسم على الحيطة.
بعدين بص لابني.
بعدين بص للبيت اللي راضوان كان بيتعامل معاه كأنه ورث مستني صاحبه يموت عشان ياخده.
فتح الملف وسأل بصوت حاد وقاطع زي السكينة اللي قسمت السهرة نصين
أستاذ راضوان الكيلاني موجود هنا؟
بص ابني للراجل بنظرة كلها كبرياء، كأن حد أهانه لمجرد إنه نطق اسمه الكامل وسط جنينة بيته.
رد بغرور أنا راضوان.. وده ملكية خاصة، اتفضل من غير شوشرة.
الراجل بص نظرة سريعة ناحية أوضة الخزين اللي ورا. كنت واقفة على الباب، والشنطة تحت رجلي. مكنتش مستخبية، ولا بعيط، ومبقتش خلاص أداري نفسي في الضلمة ولا أعيش في الظل.
فتح الراجل الملف اللي في إيده وقال بنبرة هادية بس قوية
أنا الأستاذ مراد الألفي، المحامي. وبمثل الأستاذ شريف الدسوقي ومدام ندى الدسوقي، المشترين الشرعيين والقانونيين للعقار ده بالكامل.
في ثانية واحدة، دخان الشوي بقا بيتحرك في الجنينة زي الضباب. مها ضحكت بصوت عالي.. مش عشان سمعت نكتة، لأ، عشان مخها رفض تماماً يستوعب الحقيقة اللي صدمتها.
زعقت وقالت مشترين؟ إيه التهريج ده! ده بيت العيلة!.
بص لها المحامي بكل برود وقال لا يا مدام. البيت ده كان ملك خاص لمدام شادية الكيلاني لحد الأسبوع اللي فات. ودلوقتي البيت اتباع رسمياً وتم تسجيله في الشهر العقاري.
في اللحظة دي، كاس العصير اتزحلق من إيد راضوان. وقع على النجيل من غير ما يتكسر. أصحابه بطلوا مضغ والأكل وقف في زورهم. حد من العيال قفل المزيكا فجأة.
وطلع حفليدي مروان من أوضتي القديمة الزرقا وهو ماسك دراع البلاي ستيشن في إيده، وبص لعساكر الشرطة بذهول وهمس تيتا؟.
الكلمة دي كانت ه تكسرني.. كانت خلاص هتهز قلبي. بس في ثانية افتكرت الكراسي البف اللي رموها في أرضيتي، وبوستر عربية السباق اللي حطوه فوق مكان صورة جوزي، والحيطان المرطبة اللي نيموني فيها. فضل ظهري مفرود وفضلت واقفة مكاني.
لف راضوان ناحيتي بالراحة، وقال ونبرة صوته اتغيرت كأن كلمة ماما رجعت بقا ليها فائدة ومصلحة عنده تاني ماما.. الراجل ده بيقول إيه؟.
خطيت خطوة وخرجت للجنينة. أنوار حبل الزينة كانت مخلية كل وش فيهم باين عليه الذنب.
وقلت بكل ثبات أنا بعت البيت.
السكوت اللي حل بعد الجملة دي كان أوسع وأكبر من مساحة البيت نفسه. مها فتحت بقها من الصدمة بعتي إيه؟!.
كررتها تاني بعت البيت.
قرب راضوان مني.. مش بسرعة ومش ببطء،

تم نسخ الرابط