لم أكن أثق بزوجتي
الصدمة، فتحتها بآلية، فوجدت خط أسماء المنظم، المستقيم، الذي لم يتغير حتى في لحظة انكسارها. كانت قد كتبت في الصفحة الأخيرة
كنت أحسب الأيام لنشتري بيتاً نملك مفتاحه، وكنتَ تحسب الأيام لتملك مفتاحاً تطردني به. لقد أمنتُك على غدي، وأمّنتَ نفسك مني. من لا يرى في زوجته شريكة عمر، لا يستحق أن يكون لها زوجاً. الورق الذي بين يديك هو حريتي منك، والمال هو ثمن كرامتي التي ظننت أنك تستطيع شراءها.
التفتُّ إلى بدر، الذي كان يضبط ساعته الجديدة ببرود، وقبل أن ينطق بكلمة، هجمت عليه بكل ما أوتيت من قهر. سقطنا معاً على الصينية الألومنيوم، وتناثر الفلفل الأحمر الحار في كل مكان، ليعمي عيني وعينيه، لكن النيران التي كانت تحرق صدري كانت أشد ألف مرة. صرخت أمي وهي تحاول تخليص ابنها المدلل من يدي اخرج برة! اخرج وماترجعش هنا تاني! بعت أمك وأخوك عشان حتة ست؟
أمسك بي الجيران الذين هرعوا على صوت الصراخ، وفصلونا عن بعضنا. وقفت في وسط الحوش، ملابسي ممزقة، وجهي ملطخ بالتراب والفلفل، وأنفاسي تخرج كالحمم. نظرت إلى أمي للمرة الأخيرة، المرأة التي قطعت علاقتي بالعالم لأجلها، وقرأت في عينيها حقيقة مرة لم تكن تحميني، كانت تستغل خوفي لتأمين ابنها الآخر على حساب شقائي.
خرجت من القرية هائماً على وجهي، لم أركب أوتوبيساً، بل مشيت على جانبي الطريق الزراعي والساعات تمر دون أن أشعر. وصلت إلى القاهرة مع أول خيوط الفجر، جسدي ميت وروحي رماد.
توجهت فوراً إلى شقتنا في عين شمس. فتحت الباب ببطء، وكان الصمت داخل الشقة مرعباً. دخلت الصالة... كانت فارغة تماماً. غرفتنا... لم يبقَ فيها سوى السرير العاري. البلكونة التي كانت تضج بالحياة... كانت خالية، إلا من أصيص فخاري واحد مكسور في الزاوية، وبقايا ريحان جاف على الأرض. لقد أخذت أسماء كل شيء يخصها، وتركت لي الجدران الباردة التي طالما دفعنا إيجارها معاً.
جلست على الأرض في وسط البلكونة، ممسكاً بنوتتها الصغيرة. تذكرت كل ليلة كانت تقف فيها هنا، تشرب الشاي وتنظر إلى أضواء المترو وتحلم ببيت صغير. تذكرت كيف كنت أتهرب من عينيها، وكيف كنت أكذب بدم بارد وهي تخطط لمستقبلنا بقلب ناصع البياض.
حاولت الاتصال بها لأيام، لأسابيع، لأشهر. ذهبت إلى شركتها في المعادي، فأخبروني أنها قدمت استقالتها وانتقلت للعمل في محافظة أخرى، دون أن تترك عنواناً. ذهبت إلى بيت أهلها، فخرج لي والدها، الرجل المسن الذي أهداني ماله في عيد زواجي ليساعدني، ونظر إليّ بنظرة احتقار لم تبرح ذاكرتي قط، وقال جملة واحدة قبل أن يغلق الباب في وجهي الرجال يُؤمَنون على العِرض والمال يا وائل، وأنت لم تكن رجلاً مع ابنتي. ارحل، ولا تجعلنا نرى وجهك ثانية.
اليوم، مرت سنتان على تلك الحادثة.
أنا ما زلت أعيش في نفس الشقة بالإيجار في عين شمس. أخي بدر افتتح دكاناً كبيراً في البلد وتزوج، وأمي تعيش معه في رغد، ولم تعد تتصل بي إلا نادراً لتطلب المال، وكأنني لم أكن يوماً ابنها الذي ضحى بحياته لأجلها.
أما أنا، فلم يعد لدي شيء سوى نوتة أسماء الصغيرة. أفتحها كل ليلة، أقرأ خطها المنظم، وأبكي كطفل ضيع أمانه بيديه. لقد طبقت نصيحة أمي بحذافيرها؛ خفت أن أسلم أسماء مفاتيح حياتي فتحرمني منها، فكانت النتيجة أنني استيقظت في يوم... لأجد أنني خسرت المال، وخسرت الزوجة، وخسرت نفسي.