لم أكن أثق بزوجتي
المحتويات
شُفت؟ مش قلت لك؟ الأول بيسألوا، بعدين بيتحكموا، وفي الآخر بيرموك في الشارع.
قلت بضعف بس هي مش كدة يا أمي.
ردت مفيش ست بتبان على حقيقتها في الأول.
وصدقتها.. لأن الخوف دائماً أسهل من الثقة.
الفخ.. والعودة إلى القرية
مرت الشهور، وظلت شقتنا بالإيجار. نوتات أسماء أصبحت أكثر سمكاً، وكذباتي أصبحت أكثر سلاسة. أحياناً كنت ألمحها تنظر إليّ عبر طاولة العشاء وكأنها تحاول فهم هذا الغريب الذي يرتدي وجه زوجها.
ثم في أحد المساءات، اتصلت بي أمي. كان صوتها ناعماً.. ناعماً أكثر من اللازم.
يا وائل يا ابني، تعالى البلد الأحد الجاي.
خير يا أمي؟
عشان نخلص ورق الأرض.. مدخراتك بقت كفاية دلوقتي، ولازم نكتب كل حاجة باسمك بشكل رسمي.
قفز قلبي من الفرحة. ولأول مرة، شعرت بالفخر والانتصار. تخيلت كيف سأخبر أسماء لاحقاً شايفة؟ أنا حميتنا.. بنيت مستقبلك سراً.. أنتِ شككتِ فيا، بس أنا كنت حذر ومأمن نفسي.
في ذلك الأحد، غادرت القاهرة قبل شروق الشمس. كانت أسماء تقف عند الباب بعباءتها القطنية المنزلية، شعرها مربوط بإهمال، ووجهها يكسوه التعب.
سألتني مسافر لأمك تاني؟
قلت آه، مشوار عشان ورق أرض هناك.
نظرت في عيني وقالت ورق أرض.. بفلوس مين؟
سؤالها ضربني كالصفعة، ففقدت أعصابي قبل أن أفكر وأنتِ مالك؟ أنتِ ليه طول الوقت بتعدي ورايا فلوسي؟
تسمرت في مكانها، ثم ابتسمت.. لم تكن ابتسامة فرح، بل كانت كشيء داخلها ينكسر وينهار في صمت تام.
وقالت بصوت هامس لأني كنت فاكرة إن دي حياتنا إحنا الاثنين.
لكنني تركتها ومشيت على أي حال.
الصدمة في حوش البيت
كانت رحلة الأوتوبيس إلى طنطا تبدو أطول من سنوات طفولتي كلها. مررت بالحقول، وعربات القصب، والاستراحات المغبرة على الطريق، وشيوخ القرية يشربون الشاي تحت شجر الجميز.
بحلول الظهر، وصلت إلى بيتنا. كانت أمي تجلس في الحوش، تقمع البامية في صينية ألومنيوم كبيرة. وكان شقيقي الأصغر، بدر، جالساً هناك أيضاً.. لافتاً انتباهي ببدلة فخمة، وساعة جديدة فاخرة، وحذاء باهظ الثمن.
لاحظت ذلك، لكنني لم أتكلم.
أمي، قلتها وأنا أنحني لأقبل يدها وقدمها فين الورق؟
ابتسمت دون أن تنظر إليّ كل لقمة الأول يا بني.
قلت بلهفة لا يا أمي.. قولي لي الأول عن الفلوس والأرض.
توقفت أصابعها عن الحركة لثانية واحدة، ثم عادت لتقميع البامية وكأن شيئاً لم يكن.
وقالت ببرود فلوس إيه يا وائل؟
ضحكت ظناً مني أنها تمازحني تحويشة عمري يا أمي! الفلوس اللي كنت ببعتها لك كل شهر سراً.
نظر شقيقي بدر بعيداً، فجف ريقي في حلقي.
أمي؟
تنهدت وكأنني أطرح سؤالاً طفولياً سخيفاً يا بني، الفلوس دي اتصرفت.
صرخت اتصرفت فين؟!
قالت في البيت.. في دكانة أخوك بدر اللي فتحها.. في علاج أبوك الله يرحمه.. في مصاريف العيلة اللي مابتخلصش.
بدأت أذناي تصفران بصوت مرعب أبويا مات من ست سنين يا أمي! علاج إيه؟
ضربت الصينية الألومنيوم بقوة وهتفت في وجهي جرى إيه يا وائل؟ أنت هتيجي تحاسبني في بيتي؟
وقفت متجمداً في الحوش الذي نشأت فيه وأنا أؤمن أن الأمهات لا يمكن أن يغدرن بأبنائهن.
قلت بنبرة باكية يا أمي.. دي كانت تحويشة عمري وشقايا في الغربة.
نظرت إليّ حينها.. بلا خجل، بلا خوف، فقط بنظرة من الضيق والملل
عمرك؟ أنت عمرك وحياتك مع مراتك دلوقتي، مش هنا.. جاي تعيط عندي ليه؟
شعرت بالأرض تميل وتنهار تحت قدمي.
وقفت مذهولاً وريني دفتر التوفير يا أمي.
مفيش دفاتر.
طب ورق الأرض اللي اشتريتوه بالفلوس؟
مفيش أرض.
انسد حلقي تماماً ولم أستطع النطق. وقف شقيقي بدر ببطء وقال يا وائل، بلاش تعمل دراما وتفضحنا في القرية.
التفت إليه صارخاً دي كانت فلوسي أنا!
ابتسم بدر ببرود وقال الجملة التي مزقت أحشائي طب ولما هي فلوسك.. كنت بتبعتها باسم أمي ليه؟
تلك الجملة حطمت كل ما تبقى بداخلي. تراجعت إلى الخلف مترنحاً. طوال ثلاث سنوات، كنت أخبئ القرش عن المرأة التي تقاسمت معي الإيجار، والأكل، والمرض، والفشل.. لأسلم شقا عمري لأشخاص ينظرون إليّ الآن وكأنني مغفل يستجدي الإحسان!
النهاية الرصاصة الأخيرة
أخرجت هاتفي بيدين ترتجفان واتصلت بأسماء. لا رد.
اتصلت مرة أخرى.. الهاتف مغلق.
حينها، قالت أمي جملة أخرى.. بهدوء شديد، كقطرة سم سقطت في كوب لبن
ماتحاولش تتصل بيها.. هي كانت هنا الأسبوع اللي فات.
رفعت رأسي مذهولاً إيه؟
ابتسمت أمي وقالت هي عارفة كل حاجة.. عارفة إنك عمرك ما وثقت فيها، وعارفة إنك كنت بتبعت كل مليم هنا، وعارفة إنك كنت بتكذب عليها بقالك تلات سنين.
تحركت شفتاي، لكن لم يخرج منهما أي صوت.
ثم اتكأت الحاجة فاطمة بظهرها على الحائط، وقالت الجملة التي أنهت حياتي تماماً ودمرت مستقبلي
هي مضت على ورق الطلاق امبارح يا بني.. وقبل ما تمشي، سابت لي الظرف ده عشان أديهولك.. وجواه نوتة الحسابات بتاعتها، وورقة مكتوب فيها دي حسابات التلات سنين اللي عشناهم.. أنا كنت بحوش عشان نبني بيت، وأنت كنت بتحوش عشان تهرب مني.. الفلوس اللي في الظرف دي نصيبك من إيجار الشقة وعفشها، أنا مش عايزة من واحد زيك حتى تمن الهوا اللي تنفسته معاه.
سقطت النوتة الصغيرة من يدي على تراب الحوش، وتناثرت معها أوراق الظرف. لم تكن مجرد أوراق، كانت سنوات عمري الثلاث، ملقاة تحت أقدام أخي الذي يرتدي ذهبي، وأمي التي لم تهتز لها شعرة وهي تراني أنهار.
نظرت إلى أمي بجنون، وتمنيت لو أنني أستطيع الصراخ، لكن صوتي كان قد مات في حنجرتي. التقطت النوتة بملامح مشوهة من
متابعة القراءة