​لم أكن أثق بزوجتي

لمحة نيوز

نصيحة أُمي التي أصبحت لعنة
لم أكن أثق بزوجتي، لذلك كنت أرسل مدخراتي سراً كل شهر إلى أمي. كنت أظن أنني ذكي، وأنني أحمي نفسي من غدر الزواج، والخيانة، والطلاق. لكن في اليوم الذي عدت فيه إلى قريتي لأسترد تلك الأموال، قالت لي أمي جملة واحدة جعلتني أنسى كيف يتنفس البشر. 
كنت دائماً أعتقد أنني رجل حذر، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمال.
في بيت طفولتي، في قرية صغيرة قريبة من طنطا، لم يكن المال مجرد ورق؛ كان الأمان، والقوة، والاحترام. كانت أمي، الحاجة فاطمة، تردد جملة واحدة حتى حُفرت في رأسي كالمسمار
الراجل اللي يسلم فلوسه كلها لمراته، هيصحى في يوم يخسر الاتنين.. مراته وفلوسه.
عندما كنت صبياً، ظننتها مريرة ومتحاملة فقط. لكن كلما كبرت، كانت كلماتها تبدو لي وكأنها حكمة بالغة. كانت دائماً تملك قصصاً جاهزة لتؤكد كلامها
الجار الذي هربت زوجته مع جواهرجي بعدما أفرغت حسابه البنكي.
ابن العم الذي كتب الشقة باسم زوجته، وانتهى به المطاف ينام على قهوة بلدي لأنها طردته.
الخال الذي وثق في زوجته وسلمها كاش التجارة، فمات وهو يستجدي شقيقه الأصغر ثمن الدواء.
ربما كانت بعض القصص حقيقية، وربما كان بعضها مضافاً إليه بهارات وزيادات مبالغ فيها. لكن عندما تُسكب التحذيرات في أذنيك لمدة عشرين عاماً، يتوقف الخوف عن كونه مجرد وهم، ويصبح في نظرك هو الحقيقة المطلقة.
لذا نشأت وأنا أؤمن بشيء واحد أحب زوجتك كما تشاء، لكن إياك أن تسلمها مفاتيح حياتك.
أسماء.. الزوجة التي لم تُقدّر
في الثانية والثلاثين من عمري، تزوجت من أسماء. التقينا في القاهرة حيث كنا نعمل معاً. كنت مهندساً ميكانيكياً في مصنع بمنطقة أكتوبر، وكانت هي محاسبة في شركة شحن ب المعادي.
كانت أسماء امرأة صالحة؛ هادئة، مجتهدة، وغير طماعة. لم تطلب يوماً شبكة ألماس، أو سفراً للخارج، أو حقائب ماركات. كانت تسعدها أشياء بسيطة
طبق كشري من عربة في الشارع.
كوباية نعناع فى البلكونة.
كوب شاي بلبن في خمسينة.
ونوتة صغيرة تكتب فيها كل شيء بخط يدها المنظم والمستقيم.
في يوم زفافنا، كان الجميع يرددون خلفي نفس الجملة
يا وائل، أنت امك داعيالك.. البنات اللي زي أسماء مابقوش موجودين خلاص. متعلمة، وأصيلة، وبتعرف تدبر القرش.
كنت أبتسم أمامهم، لكن في داخلي، كان صوت أمي القديم يهمس لا تعطها كل شيء.. إياك أن تعطيها كل شيء.
في البداية، كانت حياتنا هادئة. عشنا في شقة صغيرة للإيجار في حي عين شمس. لم تكن فاخرة، لكنها كانت تخصنا. صالة بسيطة، مطبخ ضيق، وبلكونة واحدة ملأتها أسماء بالنباتات حتى لم يعد فيها متسع لقدم. في الليل، كنا نرى أضواء المترو تلمع من بعيد، وكانت أحياناً تقف ممسكة بكوب الشاي وتقول في يوم من الأيام، هنشتري شقة صغيرة.. مش لازم تكون واسعة، بس تكون ملكنا.
كنت أهز رأسي موافقاً، لكن صدري كان يضيق.
النوتة الصغيرة والحساب المشترك
كنا نعمل بجد. كل مساء، بعد العشاء، تفتح أسماء نوتة المصاريف
الإيجار، الكهرباء، المياه، غاز الأنبوبة، الخضار، كارت المترو، العلاج، الجمعية، والمدخرات.
كانت منظمة.. أكثر من اللازم، كما كنت أظن أحياناً.
ذات ليلة، ونحن نأكل مكرونة وبطاطس محمرة، قالت بهدوء وائل، مش لازم نفتح حساب توفير مشترك في البنك؟
نظرت إليها قائلاً عشان إيه؟
قالت وكأنها تطلب شيئاً طبيعياً للغاية عشان مستقبلنا. لو حوشنا إحنا الاثنين مع بعض، في خلال كام سنة هنقدر ندفع مقدم شقة ملك.. مش عايزين حاجة ضخمة، بس مكان محدش من أصحاب البيوت يقدر يطردنا منه.
كانت فكرة ممتازة.. ممتازة جداً. لكن شيئاً ما في داخلي انغلق تماماً.
قلت بجفاء هنبقى نفكر بعدين.
لم تجادل أسماء، فهذه كانت طبيعتها؛ لا تصرخ، ولا تجبر أحداً. لكن بعد بضعة أسابيع، سألتني مجدداً أنت حوشت كام الشهر ده؟
رفعت كوب الشاي لأتهرب من الإجابة شوية.
قالت ممكن نجمع تحويشتي وتحويشتك ونحسب فاضل لنا كام؟
رددت بعدين يا أسماء.
نظرت إليّ للحظة.. لحظة واحدة فقط. ثم أغلقت نوتتها. في تلك الليلة، نامت ووجهها للحائط، وتظاهرت أنا بأنني لم ألاحظ شيئاً.
الخديعة المستمرة لثلاث سنوات
لأن هناك شيئاً لم تكن تعرفه كل شهر، بمجرد أن ينزل مرتبي، كنت أحول جزءاً كبيراً منه لأمي في البلد سراً.
لم يكن ذلك لمرة أو مرتين.. بل استمر لثلاث سنوات كاملة.
كانت أمي تقول لي إنها تحتفظ بالمال في مكان آمن، وأن شراء قيراط أرض في البلد أفضل بمليون مرة من فوائد البنوك. كانت تقول يا بني، بنات البندر عينهم بتزوغ لما بيشوفوا الفلوس.. إنما الأم عمرها ما تتغير على ابنها.
لذا كنت أرسل لها كل ما يمكنني إخفاؤه الأرباح السنوية، الحوافز، بدل العمل الإضافي، وحتى المبلغ النقدي الذي أهداه لنا والد أسماء في ذكرى زواجنا الأولى!
عندما كانت أسماء تسألني أين تذهب مدخراتي، كنت أقول لها استقطاعات وتأمينات من الشركة. وعندما تسألني لمَ لا أريها كشف حسابي البنكي، كنت أقول إنني أكره الحديث في أمور العمل والمال بعد المذاكرة والدوام. وعندما اقترحت شهادة استثمار باسمنا معاً، ضحكت بتهكم وقلت أنتِ بتثقي في البنوك زيادة عن اللزوم.
قالت بأسى لا.. أنا بثق في التخطيط للمستقبل.
لكن عينيها كانت قد تغيرت؛ لم تكن غاضبة، بل كانت مجروحة.
وكان يجب أن يحذرني ذلك الجرح، لكنني بدلاً من ذلك، اتصلت بأمي.
قلت لها أمي، أسماء عمالة تسأل عن التحويش والفلوس.
فجاءني صوت أمي حاداً وقاسياً على الفور

تم نسخ الرابط