بعد سنة ونص من تربية توأمي التلاتة لوحدي
بعد سنة ونص من تربية توأمي التلاتة لوحدي، ابني مدّ بسكوتة لرجل أنيق في مطار القاهرة وقال بابا... الراجل انهار من البكاء، وخطيبته اتخضت،ساعتها بس عرفت إن الكابوس الحقيقي لسه هيبدأ، وإن أولادي التلاتة كانوا سرًا خطيرًا ناس مستعدة تدمر حياتنا كلها عشانه.
صالة مطار القاهرة الدولي كانت زحمة ومقلوبة على عقبها في الظهرية بتاعة يوم من أيام شهر ديسمبر.
شنط بتتكفأ على الأرض، عيال بتعيط، ميكروفونات بتعلن عن تأخير الرحلات، وعائلات بتاخد بعض بالأحضان كأن القيامة هتقوم. وسط الهيصة والكركبة دي كلها، كانت ولاء منصور بتزق عربية أطفال توأم، وفي نفس الوقت شايلة على ضهرها شنطة تقيلة وعريضة، وبإيدها التانية ماسكة بنت صغيرة شعرها كيرلي وأسود فحم.
ولاء كان عندها 29 سنة، تحت عينيها هالات سوداء من قلة النوم والتعب، لكن كان فيها القوة الساكتة بتاعة الستات اللي مابتستناش حد ييجي ينقذها.
عيالها التلاتة فاطمة، ليلى، وياسين.. كان عندهم سنة ونص. عيال شقية، زي القمر، عينيهم عسلي وضحكتهم نسخة طبق الأصل من ضحكة الراجل اللي سابهم واتخلى عنهم قبل ما يتولدوا.
ولاء اتعلمت تعمل كل حاجة لوحدها
لوحدها في نص الليل بتجهز تلات ببرونات.
لوحدها في عيادات دكاترة الأطفال.
لوحدها لما الحرارة بتعلى وتفضل تدعي ربنا بصوت واطي عشان مانهارش.
لوحدها لما اضطرت تبيع عربيتها عشان تدفع حساب الممرضة اللي قعدت معاها أسبوعين بعد الولادة القيصرية.
قبل 18 شهر، شريف الألفي، وريث واحدة من أكبر سلاسل الفنادق والقرى السياحية في مصر، قالها ببرود لسه بيحرق قلبها كل ما تفتكره
أنتِ اللي حامل يا ولاء، مش أنا. أنا ممكن أبعتلك فلوس، لكن متبقّيش مني أكون أب.
لسه فاكرة صوت المطر وهو بيخبط في شباك شقتها في مصر الجديدة.
فاكرة بدلته الغالية، ريحة برفانه، ونظرته السرحانة ليها كأن الحمل ده كان مجرد غلطة في جدول مواعيده.
قالتله وإيدها بترتعش يا شريف.. ده ابننا!
ضحك ضحكة سخرية ومرارة وقالها أنا حياتي مش بتاعة بامبرز وزن عيال.. مش هعطل كل مشاريعي عشان الموضوع ده.
ولاء ما عيطتش قدامه. فتحت الباب وبصتله وسابته يمشي.
لكن اللي شريف مكانش يعرفه، إن مكانش طفل واحد.. دول كانوا تلاتة!
ولما عرفت، ما فكرتش تروح تترجاه. كتبتله جواب بعد الولادة، بعتت فيه الصور وشهادات الميلاد وجملة واحدة بسيطة دول ولادك. مش طالبة منك حب، طالبة منك بس الحقيقة.
وعمرها ما استلمت منه رد.
من ساعتها، ولاء أخدت قرار إن ولادها مش هيكبروا وهم بيشحتوا الحنان من حد.
في اليوم ده، كانت مسافرة الغردقة عشان تقعد كام يوم عند خالتها كريمة، القريبة الوحيدة اللي وقفت جنبها من غير ما تحكم عليها. العيال بدأوا يزنوا، ف ولاء طلعت باكو بسكوت شوفان من الشنطة.
ياسين أخد بسكوتة، ومشي بخطوات مش مظبوطة لسه بيتعلم المشي، وقرب من راجل لابس بدلة كحلي شيك جداً وبيتكَلّم في الموبايل جنب باب صالة كبار الزوار VIP.
ياسين رفع إيده الصغيرة اللي ملزقة من البسكوت وقال بلغة الأطفال موا.. خاد يعني خد.
الراجل نزل عينيه يبص على الطفل.. وفي اللحظة دي، الدنيا وقفت!
شريف الألفي مبقاش سامع صوت الشخص اللي بيكلمه في التليفون. البسكوتة فضلت معلقة في الهواء بينه وبين الطفل اللي عينيه عسلي، حواجبه عريضة، وضحكته المعوجة.. نفس ضحكته بالظبط.
ورا ياسين، ظهرت فاطمة وليلى.. واحدة ماسكة في فستان أختها، والتانية توكة شعرها معوجة على جنب.
شريف وشه اتخطف وبقى زي الأموات. الموبايل اتزحلق من إيده ووقع على أرض المطار وعمل صوت خبطة قوية.
ولاء شافته من على بعد كام متر.. النفس اتكتم في صدرها.
همس شريف كأنه شايف شبح ولاء...
ولاء مسكت في حزام شنطة الضهر وجمدت قلبها وقالت شريف.
بص على التلات أطفال، وبعدين بص لها، ورجع بص لياسين اللي لسه مادد إيده بالبسكوت ومش فاهم حاجة.
دول...؟
ولاء رفعت راسها لفوق بكل كبرياء آه.. ولادك.
شريف فتح بوقه عشان يتكلم، لكن مفيش ولا كلمة طلعت.
في اللحظة دي، جت ست طويلة، شياكة، لابسة بالطو بيج ونظارة شمس سوداء، بتجري من ممر صعود الطيارة
شريف يا حبيبي! يلا مستنينا في الصالة الخاصة.
لكن لما شافت ولاء والتلات عيال، وقفت مكانها ومتحركتش.
شريف كان شكله هيغمى عليه. الست قلعت النظارة ببطء وسألت بصوت حاد وزي الموس مين دي؟
ولاء ما ردتش. وشريف كمان سكت.
الست بصت للعيال، وبعدين بصت لوش شريف المصدوم والمتبهدل، وفهمت كل حاجة في ثواني.
وقالت من بين سنانها مش ممكن..!
ولاء حست برعشة ساقعة في ضهرها. لأن الصدمة الحقيقية مكانتش إن شريف لسه عارف ولاده دلوقتي.. الصدمة كانت لما عرفت مين الست اللي واقفة جنبه دي.. ومكانتش مصدقة اللي هيحصل.
الجزء الثاني
أنا ريهام الهواري.. خطيبة شريف، الست قالت الجملة دي وهي بتصوب عينيها في عين ولاء زي السهام.
كلمة خطيبته نزلت على ولاء زي القلم، بس ما نزلتش عينيها الأرض؛ لأنها عاشت ليالي أصعب بكتير من الست دي. ردت عليها بكل برود يا محاسن الصدف.. وأنا بربي ولاده التلاتة، هو كان عايش حياته وبيخطط للجواز.
ريهام ضحكت ضحكة متوترة تلات عيال؟ بلاش تآليف. شريف، قولي إن الكلام ده تهريج!
شريف مكانش سامعها، كان لسه باصص لياسين اللي بدأ يلعب في عجل الشنطة. عينيه كانت حمراء ونفسه مقطوع، وهمس أنا كنت أعرف إنهم طفل واحد.. طفل واحد بس.
ولاء حست بالغل والدم بيغلي في