بعد سبع شهور كاملة من الغياب، ابني أخيرًا اتصل بيا

لمحة نيوز

بعد سبع شهور كاملة من الغياب، ابني أخيرًا اتصل بيا وقال وحشتيني يا أمي، تعالي اتغدي معانا. كنت فاكرة إن قلبي هيطير من الفرحة لكن وأنا قاعدة على سفرة بيته الفخم، لاحظت إن الشغالة اللي بتقدم الأكل كانت بتبصلي برعب، وإيديها بتترعش كأنها شايفة كارثة جاية.
ولما ابني كان بيبتسم ليا بابتسامة غريبة حسيت لأول مرة في حياتي إن حضن ابني اللي استنيته سبع شهور، مخبي وراه حاجة تخوف.
مكنتش أعرف إن الزيارة اللي رحتها وأنا فاكرة إني رايحة أشوف ضنايا هتخليني أقف بعدها بدقايق قدام أسوأ حقيقة ممكن أم تعرفها عن ابنها الوحيد
اسمي فادية .
عندي 64 سنة.
عايشة في بيت صغير من دور واحد في حي مصر الجديدة بالقاهرة.
مفيهوش رخام.
مفيهوش جنينة.
مفيهوش بوابة فخمة.
بس كل طوبة في البيت ده اتدفعت من صحتي، ومن عرق جبيني، ومن أيام ترملي.
بعد ما جوزي مات، ربيت ابني الوحيد كريم من تعبي؛ كنت بعمل وجبات وأبيعها للموظفين في المكاتب، وبخيط تياتير وفساتين المدارس بالليل لحد ما صوابعي ورمت من الإبرة.
كنت باكل بقايا الأكل البايت عشان يشرب هو اللبن.
كنت بمشي على رجلي عشان أوفر أجرة الأتوبيس عشان يروح دروسه خصوصية.
بعت غوايش فرحي عشان أدفع له مصاريف ماجستير إدارة الأعمال MBA.
عشان كده، لما اتصل بيا ليلة التلات اللي فات، قلبي نسي كل إهانة وكل وجع.
قال لي بحنية يا أمي، تعالي اتغدي معانا يوم الأحد. أنا ويارا وحشتينا أوي. إحنا جددنا الفيلّا، ولازم تشوفيها.
مسكت التليفون بإيديا الاتنين.
وهمست لنفسي بعد ما المكالمة قفلت ابني وحشته.
أسبوع كامل، عشت على الجملة دي بس.
طلعت عبايتى الكحلي المنقطة بورد أبيض صغير.
صبغت الشعر الأبيض اللي عند منبت رأسي.
اشتريت علبة بسبوسة بالمكسرات من محل الحلويات القديم اللي بنحبه، عشان كريم كان بيموت فيها وهو صغير.
يوم الأحد، وصلت الفيلّا بتاعته اللي في كومباوند مقفول في الشيخ زايد قبل الميعاد.
فرد الأمن بص على صندلي البسيط قبل ما يفتح لي البوابة.
جوه، كان في نجيل الأخضر بتاعه أنظف وأجمل من سجاد الجوامع، ونافورة رخام، وعربيتين، وشبابيك ألوميتال ضخمة لدرجة إني شفت انعكاس وشي المتوتر عليها.
كريم خرج وهو بيضحك
أمي، شكلك زي القمر.
حضني جامد. جامد أوي.
جسمه كان ناشف ومتخشب.
كأن حد علمه إزاي يحضنني، مش طالع من قلبه.
بس قلب الأم ده شيء غبي؛ بيصدق حتى الحضن المترتب له مادام جاي من ضناها.
يارا مراته ظهرت وراه.
فستان بلون كريمي.
روج أحمر صارخ.
أنسيال ألماظ بيلمع.
ابتسامة حامية ومصنوعة لدرجة إنها ممكن تجرح.
قالت طنط، منورة، البيت بيتك طبعًا.
كلام زواق.. وعيون فاضية.
ومع ذلك، ابتسمت. كنت عاوزة السلام، كنت عاوزة ابني.
فرجوني على الصالون، والتراس، والمطبخ الإيطالي، وتلاجة المشروبات، وأوضة الضيوف اللي ملايات السرير بتاعتها غاليًا تمنها أكتر من تمن أدويتي الشهرية كلها.
كريم كان بيتكلم عن المستثمرين والبورصة.
ويارا بتتكلم عن دبي، وحفلات الخيرية، وضغوط المجتمع المخملي والطبقة الراقية.
هزيت راسي بفخر.
قلت لنفسي إن كل جوعي وتعب زمان أثمر وبقى هو نجاحه النهاردة.
بعدين قعدنا على سفرة متصممة تكفي 12 كرسي.
بس مكنش محطوط غير تلات أطباق بس.
ست بجلابية ويسة رمادي دخلت بالأكل.
كانت في حدود الخمسين من عمرها، رفيعة، وتعبانة، وعينيها خايفة وإيديها بتتحرك بحذر.
يارا قالت دي صباح.. الشغالة اللي بتطبخ لنا هنا.
صباح حطت الطبق قدامي.
صيادية سمك.
ورز بالخلطة.
وسلطة.
كل الأكل اللي كريم كان بيحبه وهو صغير، مش أنا.
ابتسمت على أي حال وقلت كتر خيركم، ذوق أوي.
صباح متبسمتش.
صوابعها كانت بترتعش وهي بتعدل الطبق قدامي.
لثانية واحدة، عينيها جت في عيني.
خوف.. لهفة.. تحذير مكنتش قادرة تنطق بيه.
بعدين وطت رأسها ومشت.
يارا صبت لي مية من دورق كريستال
اشربي يا طنط، أكيد تعبتي من السكة والمشوار.
مديت إيدي عشان آخد الكباية.
صوابعي لمست حاجة تحت الطبق.
ورقة.
مطبقة صغيرة أوي.
ومستخبية.
نَفَسي هدي.
سحبتها في حجري بسرعة من غير ما أبص لتحت.
كريم كان مراقبني. مراقبني أوي وعينيه عليا.
قال لي اشربي الأول يا أمي، وبعدين ناكل.
فتحت الورقة تحت الترابيزة.
تلات كلمات
مَتِشْرَبِيشْ الْمَيّة.
الأوضة كلها سكتت في وداني.
بصيت للكباية.. مية صافية، وفيها فقعات صغيرة أوي لازقة في الجنب.
ابتسامة يارا مكانتش اتمزحزحت من وشها.
وإيد كريم كانت محطوطة جنب مظروف بني كبير جنب طبقه.
ورق.. ورق تقيل.
ورق بيتي في مصر الجديدة فلاش في عقلي في ثانية.
الشهر اللي فات، كريم سألني كأنه بيتكلم عادي أمي، ما تيجي نكتب البيت باسمي وباسمك؟ عشان الأمان بس.
أنا ضحكت يومها وعديت الموضوع.
دلوقتي، هو زق الكباية قُريب مني أكتر
أمي، أرجوكي.. وشك باين عليه مجهد.
رفعت الكباية.
عيون يارا برقت وبقت حادة.
كريم كتم نَفَسه لنص ثانية.
وده كان كفاية أوي عشان أفهم.
حطيت الكباية تاني
ضغط دمى واطي شوية، والمية بتقلب بطني وبتجيب لي غثيان قبل الأكل. اعملوا لي شاي أحسن.
ابتسامة يارا اتكسرت
شاي؟ دلوقتي؟
أيوة.. شاي بالقرنفل. زي ما بشربه في بيتي.
كريم ضحك ضحكة مجبر عليها
أمي، متبقيش صعبة بقى. اشربي وخلاص.
صعبة.. الكلمة دي.
الكلمة اللي الولاد بيقولوها لما الأمهات بيبطلوا يبقوا مفيدين ليهم.
بصيت له وابتسمت
طب اشرب أنت الأول يا حبيبي، إيدك بترتعش أوي.
وشه اتغير.. للحظة واحدة بس، بس أنا شفتها.
ملمسش الكباية.
صباح دخلت وهي شايلة العيش.
عينيها راحت بسرعة للكباية.. وبعدين ليا.. وبعدين للمظروف البني.
يارا زعقت فيها ادخلي المطبخ جوه!
صباح اتسمرت في مكانها. وقبل ما تمشي، وقعت رغيف عيش جنب كرسيي.
وهي بتوطي عشان تشيله، همست بصوت واطي جدًا لدرجة إن محدش سمعه غيري
الحمام.. الممر اللي ورا.

تم نسخ الرابط