كنت رايح الفرح ومعايا عربيتي الـ BMW وبدلتي الغالية عشان أكسر عين طليقتي
بعد كل السنين دي، واقف اتفرج على راجل تاني بياخد في حضنه وفي حياته الهدية والكنز اللي أنا رميته بايديا وصغّرته عشان مكنش متغلف بمظاهر ووجاهة اجتماعية.
توماس كان باصص لها كأن دوشة الدنيا وكلام الناس كله سكت واختفى أول ما بقت جنبه.
وصوفيا ضحكتله من قلبها.
وهنا.. أنا لفيت ضهري.
مقدرتش أفضل واقف أكتر من كده.
مستحملتش أشوف ثانية واحدة تانية من الحقيقة النظيفة والواضحة دي. مشيت بسرعة وبخطوات واسعة ناحية عربيتي، وكنت سامع ورايا همس المعازيم وصوت المزيكا الهادية اللي بدأتت تشتغل. صاحبي نده عليا مرتين.. مبصتش ورايا. عيني كانت بتتحرق، وحلقي، وكل حتة في صدري كانت بتتعصر من الوجع.
وصلت للعربية ال BMW، فتحت الباب، قعدت ورا الدريكسيون، وهنا بس.. انهرت تماماً.
عيطت.
مش بكاء سينمائي ولا عياط راجل مغرور بيحاول يحافظ على برستيجه ووقاره.. أنا كنت عياطي بنشيج ودموع مغرقة وشي وأنا موطي على الدريكسيون، وبخبط بايديا على الجلد الفخم بتاع العربية كأني عاوز أقطع وأكسر كل السنين اللي ضاعت من عمري في الوهم.
بكيت على صوفيا..
بس في الحقيقة، أنا كنت ببكي على نفسي.. على داود.
على الراجل اللي بقيت عليه دلوقتي.
على الحياة اللي بدلتها وبعت عشانها الغالي، عشان أعيش في وسط كله إزاز ومكاتب فخمة، وعزومات عشا فاضية مفيهاش أي مشاعر، وست بتستغلني وبتحقرني زي ما أنا بالظبط استغليت وبعت الست الوحيدة اللي أحبتني بجد.
فاليريا..
يا الله!
في اللحظة دي، فهمت إن كل اللي بيحصلي ده كان عدالة وبطء شديد.. يمكن مش عدالة من السماء بالمعنى المفهوم، بس كانت عدالة حقيقية ومنطقية.
أنا سبت صوفيا عشان كنت فاكر إن البساطة والفقر عار وعيب، وإن الفلوس والمظاهر هي الضمان والأمان.
بس مفيش أي رفاهية في الدنيا تقدر تعوضك عن غياب الحنية والطيبة.
ومفيش اسم عيلة كبير يقدر يدفي سريرك وأنت نايم جنب حد بيكرهك وبيحتقرك.
ومفيش منصب نائب مدير يقدر يخليك تستحمل ترجع كل يوم بالليل لبيت اسمك فيه ملوش أي قيمة إلا طول ما جيبك مليان وبتدفع.
وأنا بعيط، استوعبت حاجة أوحش وأصعب بكتير الراجل اللي هيتجوز صوفيا ده مكنش واحد كسبها أو خطفها مني..
ده كان راجل عرف يشوفها على حقيقتها ويقدر قيمتها.. بس كده.
هي دي كل الحكاية.. وهو ده الفرق بيني وبينه.
وده كان أكتر بكتير من أي حاجة أنا كنت قادر أعملها في يوم من الأيام.
مش عارف فضلت قاعد كدا قد إيه.. يمكن عشر دقائق، يمكن نص ساعة. صوت المزيكا والأغاني من الجنينة كان بيجي ويروح مع الهوا. وفي لحظة، سمعت صوت سقفة حارة من المعازيم.. وبعدها ضحك.. وصوت كاسات بتخبط في بعضها بيشربوا شربات الفرح.
أكيد دلوقتي بقوا زوج وزوجة رسمي.
مسحت وشي بكم الجاكيت، وحاولت أدور العربية. معرفتش من أول مرة لأن إيديا كانت بترتعش بطريقة غريبة ومنهارة.
وفجأة.. لقيت حد بيخبط على إزاز العربية.
رفعت راسي وبصيت..
كان توماس.
نزلت الإزاز حاجة بسيطة جداً وأنا مكسوف وباصص في الأرض.
مكنتش عارف هو جاي عشان يذلني، ولا يطردني، ولا جاي يقولي كلمتين من بتوع الشهامة والجدعنة اللي بيوجعوا أكتر م بيريّحوا.
بس هو معملش كدا خالص.
مد إيده من فتحة الإزاز الصغيرة، ووراني حاجة.
الكارت الكرتون القديم اللي عليه تراب.
نفس الكارت اللي ادهولي ليلة الحادثة من سنتين.
قالي بصوت هادي الكارت ده كان في محفظتك وأنا بسندك وبساعدك ليلتها.. وقع منك على الأرض وأنا بركبك التاكسي.. أنا شيلته معايا واحتفظت بيه لأني كنت عارف إن هيجي يوم وتكون محتاج تقراه تاني وتفهمه بجد.
مدهولي..
مقدرتش أمد إيدي وآخده منه علطول.
سألته بصوت مخنوق وليه بتدهولي دلوقتي بالذات؟
توماس بصلي من غير قسوة، ومن غير أي نظرة سخرية أو شماتة، وقالي
عشان أنت دلوقتي خلاص.. فهمت.
أخدت الكارت منه وإيدي بترتعش.
الجملة كانت لسه مكتوبة وواضحة بخط إيده الأزرق اللي اتمسح منه حتت صغيرة
ساعات لما بتخبط في القاع، دي بتكون الطريقة الوحيدة عشان تفوق وتعرف أنت عايش مع مين.
طلعت مني ضحكة مكسورة مليانة وجع وقلتله بس خلاص.. الوقت اتأخر أوي.
هز رأسه وقالي في حاجات.. أه، الوقت اتأخر فيها.
مواسانىش، ومقاليش معلش ولا إن لسه في أمل والدنيا هتتصلح، ولا أي كلمة من الكلام المسكن الكداب اللي الناس بتقوله عشان متسيبكش لوحدك مع خيبتك وكسرتك.
كل اللي قاله قبل ما يمشي
بس لسه ملوقش متأخرش إنك تبطل تكون الراجل اللي ضيعها من إيديه.. فوق لنفسك يا داود.
ولف ضهره ومشي.
فضلت باصص عليه وهو راجع بخطوات ثابتة ناحية الجنينة، مكان ما صوفيا كانت مستنياه وسط حبال النور والورد البسيط والناس اللي بيحبوهم بجد وبإخلاص. أول ما وصل عندها، مسكت إيده علطول، هو مال عليها ووشوشها بكلمتين في ودنها.. صوفيا ضحكت من قلبها ونورت.
دورت العربية ومشيت.. سوقت ومبصتش ورايا ولا مرة.
طول الطريق وأنا راجع القاهرة، والسماء بتقفل وتضلم فوق المحور، كنت باصص في المراية.. القرية البسيطة، والجنينة، وأنوار الفرح مبقوش باينين.. كل حاجة اختفت ومبقاش في غير الضلمة.
بس لأول مرة من سنين طويلة، وسط الضلمة دي، كان في حاجة حقيقية وصادقة بتولد جوايا.
وجع؟ أه.. وجع بيموت وبيقسم الظهر.
بس معاها.. الحقيقة.
والحقيقة المرة كانت هي دي
أنا مروحتش الفرح ده عشان أكسر عين ست أو أشمت فيها عشان اتجوزت عامل بنا فقير..
أنا روحت هناك عشان أواجه من غير ما أعرف الحقيقة القبيحة للراجل اللي أنا بقيت عليه.
وفي اللحظة
دي بس فهمت.. إن الراجل الفقير والغلبان في الحكاية دي كلها.. عمره ما كان توماس.
الفقير الحقيقي.. كان أنا.