كنت رايح الفرح ومعايا عربيتي الـ BMW وبدلتي الغالية عشان أكسر عين طليقتي

لمحة نيوز

بنفسه.
وقبل ما يقفل باب التاكسي، حط حاجة في جيب جاكيت البدلة بتاعي.
تاني يوم، وأنا بنظف البدلة، لقيت كارت كرتون قديم ومليان تراب، مكتوب عليه اسمه ورقم تليفونه، وورا الكارت كان كاتب بخط إيده وبقلم جاف أزرق جملة واحدة
ساعات لما بتخبط في القاع، دي بتكون الطريقة الوحيدة عشان تفوق وتعرف أنت عايش مع مين.
عمري ما عرفت أنا ليه احتفظت بالكارت ده في محفظتي طول السنين دي.
يمكن عشان وسط كل الناس المزيفة والمصلحجية اللي في حياتي، الراجل الغريب ده كان البني آدم الوحيد اللي مكلمنيش على إني بيه وراجل مهم، وفي نفس الوقت متملقنيش ولا عاملني كأني زبالة.. عاملني بس كإنسان لسه قدامه فرصة يختار صح.
والنهارده.. الراجل ده واقف هنا.
واقف لابس بدلة عريس.
قدام صوفيا.
صوفيا حبيبتي.. صوفيا بتاعتي أنا.
لأ.. مأبقتش بتاعتي، ومبقتش تخصني خلاص.
الست اللي أنا رمتها وبعتها كأني بتخلص من مرحلة كئيبة وفقيرة في طريقي للقمة والمجد الزائف.
توماس رفع عينه وشافني، وعرفني علطول. لمحت ده من طريقة فكه اللي اتشنجت للحظة. مضحكش، ومظهرش على وشه أي علامات شماتة أو تكبر، فضل بس مثبت عينه في عيني بنفس النظرة الهادية المحبطة اللي باص هالي ليلة الحادثة.
وفي اللحظة دي بالذات، فهمت كل حاجة كان غروري وعمى قلبي منعين مشاعري إنها تشوفها.
صوفيا متجوزتش واحد فقير على قد حاله..
صوفيا اتجوزت راجل.. راجل بجد.
مش مجرد اسم عيلة كبير يتباها بيه، ولا حساب بنكي مليان، ولا بدلة غالية بتبان من بعيد إنها نجاح وهي من جوه فاضية. اتجوزت راجل بيشتغل بإيديه ويشقى، أه، بس عمره ما كان هيستخدم ست كأنها سلم عشان يدوس عليها ويطلع لفوق.
حسيت بغصة مريرة في حلقي، ودموعي بدأت تجمع.
المعازيم كانوا لسه بيضحكوا، وبيتحركوا حوالينا، وبيقعدوا على الكراسي البلاستيك البيضاء، مكنش حد حاسس إن في راجل واقف في نص الجنينة بيموت وبيتنفس بصعوبة وخلاص هيقع. وفي الخلفية، حبال النور الصفراء الدافية اللي متعلقة بين الشجر بدأت تنور مع غياب الشمس. ريحة المكان كانت ريحة أرض مندية ومطر، ورد بلدي، وأكل بيتي معمول بحب. كل حاجة كانت بسيطة.. بس كل حاجة كانت حقيقية وصادقة.
وأنا.. بجاكتي الغالي وجزمتي الإيطالي اللي بدأت تتغرس في طين المشاية، شفت نفسي لأول مرة من بره.. شفت حقيقتي.
كنت شكلي مسخرة.. ومثير للشفقة.
وفجأة، صوفيا طلعت من باب البيت البسيط.
كانت لسه لابس فستان أبيض رقيق جداً، من غير بهرجة ولا فصوص ولا ألماظ كداب، فستان ضيق من عند الوسط ونازل ببساطة. مكنش شكلها زي ملكات جمال المجلات، ولا ست محروقة وعاوزة تثبت أي حاجة لأي حد.. كان باين عليها إنها سعيد. والاتساق ده هو اللي دمرني كلياً.
لأن السعادة والفرحة اللي في وشها مكنش ليا أي يد فيها.. ومكنتش بسببي.
مكانتش الفرحة الكدابة بتاعة واحدة مكسورة وعاوزة توري طليقها إنها اختارت صح بعد ما اتهانت.. كانت حاجة تانية خالص. كانت راحة.. سلام نفسي.. الأمان اللي مبيجيش غير لما تبطل تجري ورا ناس بيحسسوك دايماً إنك قليل ومالكش قيمة.
عيني جت في عينها.
شفت اللحظة بالثانية اللي عرفتني فيها.
مخافتش.. ماترعشتش.. ولا حتى وشها اتقلب واصفر.
وقفت بس مكانها لثانية واحدة.. ثانية واحدة مفيهاش أي لوم.
وبعدين كملت مشيها وهي باصة لتوماس وبتقرب منه.
وكأني بقيت بالنسبة لها، ولأول مرة أقبل الحقيقة دي مجرد ماضي.. صفحة واتقفت وانتهت تماماً.
المأذون أو اللي بينظم الفرح قال كلام مسمعتوش، وداني كانت بتصفر ودمي بيغلي في عروقي. حسيت بإيد بتتحط على كتفي، كان صاحبي القديم، نفس الشخص اللي قالي على الفرح.
داود.. أنت كويس يا صاحبي؟
مقدرتش أرد عليه ولا بكلمة.
توماس مد إيده لصوفيا عشان يسندها وهي بتنزل من على عتبة البيت الصغيرة للجنينة. وهي حطت إيدها في إيده بأمان أعمى وثقة تامة.. نوع من القرب والدفء اللي مبيكونش موجود غير لما الست تكون مش خايفة إن الراجل اللي معاها يقلل منها، أو يستغلها، أو يبيعها في أول محطة عشان واحدة تانية أعلى وفي مركز أحسن.
وفي اللحظة دي افتكرت.. شريط حياتي كله مر قدام عيني.
افتكرت صوفيا وهي بتعملي شاي وقهوة وتسهر جنبي وأنا بذاكر لامتحانات الفاينال في الكلية.
افتكرت لما كانت بتستناني بره المكتبة ومعاها سندوتشات لفاها في مناديل عشان عارفة إني مباكلش وبوفر الفلوس عشان مصاريف الكتب.
افتكرت لما كانت بتقعد على طرف السرير في أوضتي السكنية البسيطة وتخيطلي زرار القميص المقطوع قبل أي إنترفيو شغل، وأنا واقف قدام المراية بسمّع الإجابات اللي هقولها للجنة.
افتكرت اليوم اللي مضيت فيه أول عقد كبير، وهي عيطت من كتر الفرحة والفخر بيا كأن النجاح ده بتاعها هي مش بتاعي.
وبعدين افتكرت اليوم اللي سبتها فيه.
افتكرت النظرة اللي في عينها وأنا بقولها بكل بجاحة وإني محتاج واحدة تليق بمستقبلي ووضعي الجديد.
أنا حتى مكنتش راجل وصادق معاها.. مقلتلهاش إني بقيت بتكسف من بساطتها وطيبتها قدام العالم الفخم والمعارف اللي بقيت وسطهم واللمعان الكداب اللي كنت فاكر إني أستاهله.
وهي.. متوسلتش ليا ومبكتش قدامي.
وده أكتر حاجة ضايقتني واستفزت كبريائي وقتها.
كل اللي عملته إنها سألتني بسؤال واحد هادي
وكل اللي بنيناه مع بعض؟ كل تعبنا وسهرنا ميسواش عندك حاجة؟
رديت عليها برد زبالة وقاسي زي وشي وقتها.. قلتلها كلام من عينة إن الحب مبيأكلش عيش ومبيسددش فواتير.. كلام حقير وصغير زيك.
والنهارده،
تم نسخ الرابط