حماتي كانت فاكراني نايمة. سمعتها بتوشوش بصوت واطي ومكتوم: «أنا هاخد المفاتيح بس
صوته اتقلب في ثانية، من الطريقة الهجومية للنبرة الشحاتة والمترجية: «لمياء، اسمعيني بس، إحنا ممكن نقعد ونتكلم. بلاش ندخل محامين وقضايا في الموضوع. فكري في بنتنا».
رديت عليه: «أنا فكرت في بنتنا لما اكتشفت إنك حطيت بيتها ومستقبلها على المحك».
الحاجة كريمة حطت إيدها على بقها بصدمة. هي لسه حالا مستوعبة مصيبة أكبر من الكذب : لو الدين ده اتقفل من غير سداد، الشقة هتروح في الرجلين. يعني استقرار حفيدتها بقى معتمد تماماً على إني أتحرك وآخد حق القانوني قبل ما ابنها يلحق يداري عملته.
وفي نفس الليلة، ومن غير ما تاخد رأيي حتى، حماتي عملت حاجة عمري في حياتي ما كنت أتخيل إنها ممكن تطلع منها. طلبت رقم أحمد تاني وقالتله بالنص، والحرف الواحد:
«إياك تفكر تستخدمني تاني عشان أداري على قذارتك وبلاويك. لو لمياء راحت بلغت عنك، أنا بنفسي هروح المحكمة وأشهد ضدك».
وفي اللحظة دي بالذات—لما كنت فاكرة إني خلاص شفت كل حاجة ومفيش مفاجآت تاني—جرس الباب ضرب. الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل. وأحمد كان واقف ورا الباب.
المواجهة الأخيرة ونهاية القناع
الحاجة كريمة ممدتش إيدها تفتح الباب. أنا اللي رحت وفتحته.
دخل أحمد وكان نفسه عالي وبينهج، شعره منكوش، ولابس على وشه ملامح الندم والمسكنة اللي متعود يمثلها ببراعة، واللي نجحت مع ناس كتير قبل كده. أول حاجة عملها إنه بص لوالدته، كان بيدور في عينها على نظرة دفا أو إنه يلاقيها في صفه زي كل مرة. بس ملقاش ده خالص. الحاجة كريمة كانت لسه قاعدة على كرسي التسريحة، والظرف الكبير فوق ركبها، وملامح وشها اتصلبت بقسوة وجدية عمري في حياتي ما شفتها عليها قبل كده.
قرب أحمد خطوة وقال بصوت محشرج: «هاتي البتاع ده يا أمي».
وقفت في طريقه ومنعته: «مفيش ورقة واحدة هتطلع من الأوضة دي».
زعق وهو بيحاول يبان غلبان: «يا لمياء أرجوكي، أنتِ مكبرة الموضوع وبتهولي! القرض ده كان أمره هينتهي وهيتقفل في خلال أسابيع».
رديت عليه ببرود: «بإمضتي اللي أنت مزورها؟ ولا بالفلوس اللي مسحوبة من حسابنا ورايحة لست تانية؟ ولا بالرسائل اللي باعتها لأمك وبتقولها تفضي الدولاب وتسرق الأدلة قبل ما أتحرك؟».
هنا القناع بتاعه اتفتت تماماً. ولأول مرة في حياته بطل تمثيل؛ بصلي بغل وعصبية شديدة، مكنش فيه أي أثر للندم في عينه، كان فيه غضب وبس. وقال بزعيق: «أنتِ طول عمرك كارهاني، ونفسك من زمان تطلعيني شيطان ومجرم قدام أمي!».
قامت الحاجة كريمة من مكانها بالراحة وبكل هيبة، وبصتله وقالت: «هي مش محتاجة تطلعك أي حاجة يا أحمد... أنت اللي عملت في نفسك كده وطلعت شيطان لوحدك».
عمرى ما هنسى شكل وش أحمد في اللحظة دي لما سمع كلام أمه. لأول مرة استوعب إنه مبقاش مسيطر على اللعبة، ومبقاش متحكم في الخيوط. أمه اللي كانت دايماً درعه وسنده اتخلت عنه، ومراته الخايفة مبقتش خايفة، والوقت خلاص هرب منه ومبقاش ملاحق يألف كذبة جديدة.
طلع بسرعة ملف من جاكتته وحطه على التسريحة؛ كان ورق بيزعم إنه لإعادة جدولة الديون... فخ جديد ومكشوف كان عامله على السريع. كان عايزني أمضي عليه في نفس الليلة وتحت ضغط اللحظة، مكنش عايز يبطل لوع ولا ينسى ألاعيبه.
قرب مني وضغط على كلامه: «امضي على الورق ده ونقفل الحكاية دي خالص... عشان خاطر بنتنا».
بصيت في عينه وقولتله: «بالذات عشان خاطر بنتي، أنا مش همضي على أي ورقة تانية تخصك ولا هربط اسمي باسمك في حاجة».
مسكت موبايلي وطلبت محاميتي، واللي كنت منبهة عليها من كام يوم إننا ممكن نحتاج نتحرك في أي وقت حتى لو نص الليل. فتحت الاسبيكر، وأحمد وشه جاب ألوان لما سمع اسم المحامية واسم مكتب الشهر العقاري والنيابة اللي هنروح نقدم فيهم البلاغ الصبح. الحاجة كريمة رجعت لورا وبعدت عنه خطوتين، كأنها خايفة لو لمسته وساخته تهب عليها.
نهاية الحكاية.. صمت مريح
المرادي اللي حصل مكنش درامي أوي، بس كان قاطع وفاصل. أحمد خد بعضه ومشي من غير ما يقلب الدنيا، ومن غير ما يكسر حاجة، ومن غير حتى ما يكلف نفسه ويقول كلمة "آسف". مشي لأنه فهم كويس إنه مابقاش ليه أي سلطة ولا قادر يمشّي كلامه أو يثبت حد في البيت ده.
بعد أسبوعين بالظبط، بدأت إجراءات الانفصال الرسمي، قفلت كل الحسابات المشتركة وسحبت تفويضاته، وقدمت كل المحاضر والأدلة للنيابة. الحاجة كريمة وفت بوعدها، وراحت شهدت بكل كلمة سمعتها وشافتها الليلة دي. هي مكنتش بتعمل كده عشاني أنا، هي عملت كده عشان خاطر حفيدتها... ويمكن عشان حست بالذنب والكسوف لإنها فضلت سنين طويلة تحمي ابنها وتداري عليه لحد ما افتكر إن الحب معناه إنه يغلط وميتحاسبش.
النهارده أنا لسه عايشة في نفس الشقة، بس غيرت الكوالين والمفاتيح، وبقى فيه نوع تاني خالص من الهدوء مسيطر على المكان... هدوء مبيخوفش، هدوء مريح ومفيهوش ثقل الخيانة والتمثيل.
ساعات بقعد أفتكر اللحظة دي بالظبط؛ اللحظة اللي الحاجة كريمة فتحت فيها الدرج وهي فاكرة إنها بتنقذ ابنها، ولقيت الحقيقة اللي دمرت صورته في عينها للأبد. الليلة دي هي مخدتش مفاتيح الشقة... هي خسرت ابنها اللي عاشت طول عمرها مفكرة إنها عارفاه.