جوزي عرضني للبيع في مزاد قدام 200 شخص... والكل كان بيضحك
الاتنين كانت صغيرة.
المواجهة مع طارق
قعدت على طاولة المطبخ وقريت الرسالة. طارق لسة برة في اجتماعاته اللي بتبان مهمة أكتر من الحقيقة. البيت كان هادي مفيش غير صوت الثلاجة.
خط طنط ميرفت كان دقيق ومايل، والمسافات واسعة كأنها عايزة الكلام يتنفس
عزيزتي لورا،
قولتيلي زمان إن الخير مش محتاج شهود عشان يبان. كنت بختلف معاكي وقتها ولسة بختلف؛ الخير يستحق صوته يتردد في الدنيا، حتى لو بهدوء.
أنتِ مديتنيش أوضة بس، أنتِ اديتيني الوقت. الوقت عشان أنام من غير ما أخاف من بكرة، الوقت عشان أرد على التليفون بصوت ثابت، الوقت عشان أستعيد نفسي وأبقى مفيدة لنفسي تاني.
معمركِ ما طلبتِ مني شكر ومنظرة، ولا خليتيني أشرح وجعي مرتين. سيبتيني أقعد على طاولة مطبخكِ كأنني صاحبة بيت، لحد ما افتكرت إن ليا قيمة وأستحق أعيش.
لو كنت حققت أي حاجة حلوة في دنيتي، ففيه جزء كبير منها بدأ من الأوضة الصغيرة اللي في بيتكِ.
ميرفت.
دموعي نزلت وأنا بقرأ؛ ميرفت وصفت بالظبط اللي أنا مكنتش فاكراه كرامة إنك متخليش المساعدة تبان دِين تقيل على اللي قدامك.
كملت قراءة
أنا سيبتلك حاجة باسمكِ. مش عشان الخير صفقة، لأ طبعاً، بس عشان كنت عايزة حاجة حلوة ترجع للست اللي معمرها ما التفتت عشان تدور على تصفيق. كارم هيشرح لكِ كل حاجة، أرجوكي اسمعي له واقبلي، واستعمليها بالطريقة اللي تشبه روحكِ؛ بهدوء وثبات كالعادة.
مع كل حبي وامتناني،
ميرفت.
طويت الرسالة. مكنش فيه أرقام مكتوبة، بس كان فيه نية صافية.
طارق رجع البيت بعد نص الليل. سمعت صوت الباب وجزمته على الأرض. لقاني قاعدة في المطبخ.
قال أنتِ لسة صاحية؟
قلت كنت بقرأ.
عينه راحت على الظرف وسأل العشاء كان عامل إيه؟
أجبته مش متوقع خالص.
قال ده رد غامض.
قلت طلع ابن لست أنا ساعدتها زمان جداً.
أرخى كرافتته وسأل وعشان كده عمل المزايدة ودفع المليون دولار؟
قلت نعم.
قال بحذر لفتة طيبة ومؤثرة منه.
أضفت وكان جاد جداً في الرقم.
صب لنفسه مية وقال المؤسسة هتعرف تستغل المبلغ ده كويس جداً في مشاريعها الجديدة.
بصيت له وقولت بثبات مفتكرش إن الفلوس دي كانت رايحة لمؤسسة علام الخيرية يا طارق.
إيده اتجمدت على الكوباية، وقال بتفاجؤ أفهم من كده...؟
بس مكنش فاهم حاجة، لسة بدري عليه.
تولي الإدارة والقرار المستقل
تاني يوم الظهر، روحت مكتب كارم في وسط البلد. مكان راقي وهادي من غير بهرجة ولا يافطة دهب. الأستاذ داوود رشدي، محامي الشركات الكبير اللي رشحه كارم، كان قاعد ومعاه ملف جلدي ثقيل.
قال كارم وهو بيفتح الملف أمي سابتلك حساب استثماري وتوفيري كبير باسمكِ، ووصيتها نقل ملكيته بالكامل ليكي فوراً.
بصيت على الرقم في الصفحة الأولى ومبقتش مصدقة الأصفار؛ دي ثروة ضخمة تغير حياة أي بني آدم.
قلت بصوت مرتعش ده كتير جداً ومش من حقي.
قال مبتسم وهي كانت عارفة إنكِ هتقولي كده.
وتابع وفيه جزء تاني؛ أمي أسست صندوق خيري مقفول، غرضه تقديم مساعدات سكنية وإيجارية عاجلة للستات اللي بيواجهوا خطر الطرد من بيوتهم بسبب ظروف مادية قاسية. وعينتكِ في وصيتها الوصي والمسؤول الوحيد والمطلق عن الصندوق ده.
بصيت له بذهول أنا؟
قال نعم، لأنها قالت إنكِ فاهمة اللي بتنساه الجمعيات الكبيرة؛ إن شهر واحد مستور وآمن كفيل ينقذ عيلة كاملة من الضياع.
كلامه رن في ودني. أوضة ضيوف. كوباية شاي. ست بتاخد أمان عشان تفكر في بكرة.
قال ليكِ كامل الحرية والتصرف؛ مساعدات سرية، دفع إيجارات، سداد فواتير، من غير حفلات ومزادات وتصوير، ومن غير ما نكتب أسامي المتبرعين على حيطة رخام يتمنظروا بيها.
ابتسمت وقولت طنط ميرفت كانت فاهمني كويس.
أغلقت الملف. طول عمري كنت الجندي المجهول وراء مؤسسة جوزي، شغل شاق بس تحت اسمه هو وفي إطاره هو. أما ده.. فكان بتاعي أنا؛ مبيطلبش مني أقف وراء حد، بيطلب أكون أنا صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة.
التغيير والتصحيح
في المساء، طارق لمح الملف على مكتبي في البيت؛ بيلقط كل حاجة تخص السيطرة.
سألني على العشاء كارم كان عايز إيه في مكتبه؟
أجبته كان بيشرحلي تفاصيل وصية والدته طنط ميرفت.
سأل باهتمام وطلعت إيه؟
قلت سابتلي حساب استثماري كبير باسمي.
شوكتّه وقفت في الهواء، وسأل يعمل كام يعني؟
أجبته مبلغ يكفي تماماً.
ضحك ضحكة صفرا، ولما شاف وشي الجاد ضحكته تلاشت.
سأل يعني إيه يكفي تماماً؟
قلت يعني مبلغ كبير يخليني أفكر بحذر في خطواتي اللي جاية.
استند لورا وقال بنبرة أبوية لورا، المبالغ دي بيبقى معاها تعقيدات قانونية وضريبية.. سيبيلي الملف أراجعه مع مستشاريني عشان أحميكي.
أجبته بثبات أنا عينت محامي خاص بيا يمثلني ويراجع الأوراق.
وشه اتخطف من الصدمة عينتِ محامي؟ من غير ما تقوليلي؟
قلت نعم.
الصمت اللي ساد كان جديد على البيت. طارق طول عمره فاكر أدبي واحترامي ضعف واعتمادية عليه. ده الغلط اللي بيقع فيه رجالة كتير؛ الست تسأل جوزها من باب التقدير والذوق لسنين، واليوم اللي تتصرف فيه من دماغها يقولوا عليها تمردت.
قال طارق أنا عايز مصلحتكِ يا حبيبتي.
قلت عارفة.. وأنا دلوقتي بشوف مصلحتي وبدير أموري.
بص بعيد ومعرفش يواجه عيني، وعرفت إن الميزان اتقلب.
مضيت الأوراق في مكتب الأستاذ داوود رشدي يوم تلات ممطر. كارم كان هناك، والمحامي، وطارق مكنش موجود؛ ماعزمتوش عشان أحط حدود واضحة. مضيت اسمي، وصوت القلم على الورق كان ليه هيبة هزتني. مكنش فيه تصفيق ولا مزيكا، ووده اللي خلى اللحظة قوية.
بدأ الشغل في الصندوق اللي سميته Collins Room تخليداً لطنط ميرفت، من غير ويب سايت ولا قص شريط. وجاتلنا أول حالة؛ ست اسمها أسماء، عندها طفلين، طُردت من شقتها لأنها مدفعتش الإيجار شهرين بسبب تعبها وقعادها من الشغل كمعاونة في عيادة أسنان.
وافقت على الحالة فوراً؛ دفعنا التأمين والمقدم لشقة جديدة، وبقالة ومستلزمات للأولاد، وسداد فاتورة كهرباء متأخرة.
لما قفلت التليفون، حسيت إني بني آدمة مفيدة وليا قيمة حقيقية، أكتر من كل السنين اللي وقفت فيها جنب طارق تحت نجف الكريستال المنافق.
طارق بدأ يتغير؛ مش بالسحر، بس بخطوات واضحة. في غداء المؤسسة الخيرية السنوي، واحد من رجال الأعمال خفيف الظل قال لطارق عاش يا طارق بيه.. فين مدام لورا صاحبة العشاء الأغلى بمليون دولار؟. وقبل ما أنطق، طارق قاطعه بصوت ناشف سمّع التربيزة كلها لورا هي العمود الفِقري لنجاح المؤسسة دي طوال سنين يا فندم.. وأرجو من الجميع يتوقفوا عن الكلام عنها وكأنها مادة للتريقة والإفيهات.
التربيزة سكتت، والراجل وشه احمر من الاحراج. بصيت لطارق؛ مكنش مستني مني كلمة إعجاب، رجع ياكل كأن حماية مراته وتقديرها بقى شيء طبيعي مش محتاج خطبة ومنظرة.
جوازنا مبقاش وردي وشباب تاني؛ مبقاش فيه ماسك إيدين في السوبر ماركت وكلام رومانسي، الحياة الواقعية مش كدة بعد 22 سنة. بس فيه حاجة أساسية اتصلحت واتعدلت، وده الفارق الحاسم.
ليلة المزاد الثاني والرد الفصيح
في الخريف التالي، مؤسسة علام عملت حفلتها السنوية الجديدة في نفس قاعة الفندق. طارق سألني لو حابة مجيش عشان متضايقش، قلت له لأ، هحضر. ولبست نفس الفستان الكحلي؛ عشان أفتكر كل حاجة بالملي.
القاعة كانت هي هي، والوشوش هي هي، بس الستات والرجالة بقوا يسلموا عليا بنبرة فيها ميت حساب واحترام. الأكابر بيخلطوا دايماً بين
معرفة قصة جديدة عن الشخص وبين قيمته الحقيقية.
قبل العشاء، كنا واقفين بنستقبل الضيوف. المصور جه يلقط الصورة المعتادة، طارق تراجع خطوة لورا وحط إيده ورا ضهري بيقدمني للأمام، وقال للمصور مدام لورا هي اللي تتوسط الصورة وتكون في المركز. لفتة صغيرة، بس التفاصيل الصغيرة دي هي اللي فيها الصدق.
ولما طارق طلع على المسرح يلقي كلمته، القاعة اتشنجت شوية لأن الكل فاكر ليلة السنة اللي فاتت. طارق بص للناس، وقال في المايك بصوت قوي السنة اللي فاتت، وفي المكان ده بالذات، أنا قولت نكتة ساخرة وقليلة الأصل على حساب زوجتي لورا. كانت نكتة قاسية وبايخة، والكل ضحك لأنني كجوزها اديتكم الإذن تضحكوا وتستهينوا بيها.. والذنب ده يخصني أنا لوحدي الليلة.
محدش اتميل، والكل كان مذهول من شجاعته. بصلي وقال لورا قضت سنين عمرها بتبني وتدير من خلف الكواليس كل نجاح أنا عملته، وتتحمل الصعاب عشان تخليني أقف هنا، وأنا كنت باخد التصفيق والمديح لوحدي بمنتهى الأنانية. والليلة، أريد أتوجه بالشكر والتقدير العلني قدامكم كلكم للشخص الحقيقي والوحيد اللي علمني وأثبتلي إن الشغل الصامت خلف الكواليس هو العمل الأساسي والعمود الفقري اللي شايل كل حاجة ومبيخليهاش تقع.
دموعي نزلت. طارق مابالغش ومحولش ندمه لمشهد مسرحي؛ صمت وتراجع خطوة وبدأ يسقفلي بحرارة وهو بيبصلي.
القاعة كلها قلبت تصفيق حاد، بس تصفيق مختلف؛ فيه احترام وتقدر حقيقي. ولمحت كارم محمود واقف عند الباب الوراني، بصلي وأومأ براسه بنظرة فخر، فأومأت له شاكرة. الحق والعدل الإلهي ساعات مبيجيش في صورة دمار وانتقام؛ بيجي في صورة اعتراف وتقدير وإعادة الأمور لنصابها.
بعد الحفلة، وقفت برة في الهواء ينعشني. القاهرة كانت بتتحرك بزحمتها، وفكرت في طنط ميرفت وفي أسماء وفي نفسي القديمة اللي كانت واقفة هنا من سنة بتتلقى طعنات الضحك. لو كان بإمكاني أرجع بالزمن وأقول للست دي نصيحة، مكنتش هقولها ازعقي أو اهربي وعيطي أو اعملي فضيحة؛ كنت جيت ووشوشتها في ودنها
اثبتي في مكانكِ وقفي شامخة.. وسيبيهم يسمعوا قذارة ضحكهم؛ الصمت ساعات مش ضعف، الصمت ساعات بيكون الهدوء اللي قبل العاصفة.. اللحظة الأخيرة قبل ما القاعة كلها غصب عنها تعرف اسمكِ وقيمتكِ الحقيقية.
في الليلة دي، حطيت رسالة طنط ميرفت في الدرج جنب دفتر الصندوق السكني، الدفتر بقى فيه سبعة عشر اسماً لعائلات مستورة، وسبعة عشر باباً مقفولاً بيحمي أصحابه. مررت بأطراف أصابعي على الدفتر وابتسمت براحة.
طارق عمل عليا مزاد بعشرة جنيه قدام الأكابر والباشاوات، وافتكرها إفيه مسلي؛ مكنش يعرف إن فيه راجل قاعد في القاعة شايل في قلبه ذكرى يوم ممطر قديم، وأوضة ضيوف سترت والدته، وست اسمها ميرفت منسيتش طول عمرها طعم الكرامة والأمان.
ميرفت منسيتش، والخير كان بيشيل أرباح في الكون طوال 25 سنة كاملة؛ ولما جوزي فهم الحقيقة، كانت الضحكات الساخرة ماتت وانمحت، واللي بقي في الآخر كرامة وقيمة تساوى عندي أكتر من ملايين الدولارات.