جوزي عرضني للبيع في مزاد قدام 200 شخص... والكل كان بيضحك
المحتويات
الصغيرة اللي بتتعمل فوق بعد المولد ما ينفض. في الشارع، هوا أكتوبر البارد غسل حلقي من ريحة البرفانات الثقيلة والمظاهر الكدابة. القاهرة كانت بتتحرك ببرودها العادي تاكسيات بتعدي، بواب فندق بيفتح باب عربية، وواحد بيضحك بصوت عالي في التليفون.
في قزاز مدخل الفندق، شفت نفسي.
نفس الفستان الكحلي.
نفس لِمّة الشعر البسيطة.
نفس الوش الهادي.
بس فيه حاجة جوايا كانت اتهزت. مش لأن راجل غريب حط سعر عالي عشان يتعشى معايا، بل لأن لثانية واحدة صعبة ومزعجة، القاعة اللي ضحكت على إهانتي اتجبرت تفكر هي كانت بتضحك على إيه بالظبط.
قبل ما عربيتي توصل الزمالك، جالي مسج
مدام لورا، السيد كارم بيأكد موعد العشاء بكرة الساعة 7 مساءً. تفاصيل المطعم مرفقة. وهو منتظر مقابلتك بشغف.
رسالة دغري، من غير لف ودوران.
في البيت، قلعت الكعب العالي في المطبخ وصبيت كوباية مية. الشقة الكبيرة كانت هادية وزي القبر. طارق سيتأخر كالعادة، بيلف ويدور عشان يلم الليلة ويعمل اتصالات إدارة أزمات.
جلست على طاولة المطبخ وأنا بفكر في كلمة عديمة الفائدة. مابقتش توجعني زي زمان. في سن الثلاثين، الإهانة بتكويك. في سن الخمسين، بتبات جواك. بتحول لحجر ناعم بتشيله في جيبك؛ ثقيل، وسري، ومألوف.
بس ساعات، وبشكل غير متوقع، فيه حد بيلمح تقل الحجر ده اللي أنت مخبيه.
العشاء في مصر الجديدة
في الليلة التالية، كارم اختار مطعم هادي جداً في مصر الجديدة، من غير يافطة كبيرة برة، مجرد رقم نحاس جنب باب قزاز بين مكتبة قديمة ومحل ترزي راقي.
وصلت قبل الميعاد بخمس دقائق. وكان قاعد مستنيني.
وقف أول ما قربت من التربيزة، مش كحركة منظرة، بل بوقار واحترام حقيقي طالع من القلب.
قال مدام لورا.
أجبته سيد كارم.
قال كارم بس، لو مش هيضايقك.
قلت ولورا إذن.
قعدنا في مواجهة بعض في زاوية المطعم تحت إضاءة صفراء خافتة. المكان كان هادي ومريح للفضفضة.
بعد ما الويتر خد الطلبات ومشى، شبك إيديه وقال أنا مدين لك بتفسير لكل اللي حصل.
أجبته أنت دفعت مليون دولار عشان تديني التفسير ده، وكنت مستنياه.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال أنا بدور عليكي بقالي سنين يا لورا.
الرد خضني، فقلت أنا مش مستخبية، اسمي وعنواني معروفين.
قال بتكوني صعبة جداً لو كل اللي يملكه الشخص هو مجرد اسم أول، واسم حي قديم، وحكاية حكتها ست وهي بتموت.
الهوا سكن بيننا، سألته بصوت واطي مين الست دي؟
أجابني أمي.. ميرفت أمين.
الاسم نزل عليا زي الصاعقة، وبعدين الذاكرة انفتحت دفعة واحدة.
مطر بينزل على رصيف بارد.
كيس مشتريات ورق اتقطع على الرصيف.
تفاح وبرتقال بيجري في وسط الشارع والزحمة.
ست لابسة بالطو بيج قديم ومستهلك، بتوطي بسرعة وبإيدين بترتعش تلم الحاجه، وهي بتعيط وبتعتذر للناس اللي مفيش واحد فيهم مد إيده يساعدها.
رأيت نفسي زمان، بنت عندها 25 سنة، متجوزة جديد، شايلة شمسية رخيصة شارياها من صيدلية لأن الأرصاد كذبت يومها.
قلت بصوت مخنوق بالدموع المشتريات وقعت منها في الشارع.. أنا فاكرة.
أومأ برأسه وأنتِ وطيتي ولميتي معاها.
تابعت كانت بتبكي بحرقة.
قال وقالتلك إنها كويسة ومش عايزة تتعبك.
قلت بس ماكنتش كويسة خالص.
قال بمرارة لأ، ماكنتش كويسة؛ في الصباح ده بالذات، صاحب الشقة طردها للشارع عشان مكنتش قادرة تدفع الإيجار.
الذاكرة رجعت بكل تفاصيلها. إيدين طنط ميرفت المرتعشة. القهوة الصغيرة في وسط البلد وقعدتها المحندقة. إصرارها إنها مش عايزة تتقل عليا، في الوقت اللي كل كلمة منها كانت بتقول إنها معندهاش مكان تنام فيه الليلة دي.
قلت أنا عزمتها على شاي وسندوتشات.
قال وقعدتِ معاها ساعتين كاملين.
أجبته مش فاكرة إن الوقت كان طويل كده.
قال بس هي افتكرت كل دقيقة. افتكرت إنك اتصلتِ بيها بعد يومين، وقولتيلها إنها تقدر تقعد في غرفة الضيوف في شقتك القديمة أسبوع لحد ما تدبر حالها.
قلت بس هي قعدت تلات شهور.
قال وعينه بتلمع بالامتنان نعم، وطول التلات شهور، محسستيهاش أبداً إنها حمل تقيل أو ضيفة روتينية.
بلعت ريقي وبصيت للمفرش الأبيض. تذكرت طنط ميرفت في غرفة ضيوفنا، إزاي كانت بتطبق الفوط والملايات بنضافة رهيبة رغم أنها مستعملتهاش كلها. تذكرت إزاي كانت بتطبخ لنا الشوربة بحب ورغبة إنها ترد الجميل بأي طريقة. تذكرت كلمة قولتها لها الصبح وهي بتعتذر للمرة الألف لأنها اتأخرت في المطبخ يا طنط ميرفت، أنتِ مش مضطرة تختفي أو تتظاهري إنك مش موجودة عشان تستحقي المساعدة والستر.
كنت قايلها بعفوية، بس طلعت محفورة في قلبها وعاشت معاها أكتر ما عاشت في ذاكرتي.
تابع أمي لقت شغل بعد كده عن طريق صاحبة ليكي، وظيفة حسابات بسيطة في مكتب صغير.
قلت نعم، شركة استيراد في وسط البلد.
قال قعدت هناك تلات سنين، وبعدين بدأت تاخد حسابات لعملاء خاصين، وبعدين فتحت مكتب محاسبة ومراجعة كبير بتاعها.
قلت بصوت واطي أنا انقطعت أخبارها عني بعد ما نقلت شقتها الجديدة.. ولطالما سألت نفسي هي عاملة إيه ودنيتها ماشية إزاي.
أجاب كانت فوق العظيم يا لورا؛ بنت شركة كبيرة، خطوة بخطوة، بهدوء ومن غير هيصة وصحافة. وقبل خمسة عشر سنة، باعت الشركة دي بمبلغ ضخم غير حال عيلتنا كلها للأبد.
الويتر جه وحط الأكل وصمتنا لحد ما مشى.
انتظر وتابع أمي اتوفت من سنتين. وقبل ما تموت، كانت وصيتها الأخيرة والملحة ليا هي إني أدور عليكي وألاقيكي مهما حصل.
قلت بتأثر البقاء لله.. أنا آسفة جداً.
قال شكراً لكِ. صوته كان ثابت، بس الحزن كان ساكن نبراته.
وأضاف أمي قالتلي إنك اديتيها حاجة أغلى من الفلوس؛ اديتيها الوقت. اديتيها أوضة آمنة، وشبر مستور، وشهر كامل من غير رعب وخوف من الشارع. قالت إن الشهر ده كان هو الفارق بين السقوط في الهاوية، وبين إنها تقف على رجلها تاني وتبني حياتها.
قلت محاولة أهون الأمر دي كانت أوضة ضيوف فاضية ومبنستعملهاش.
هز كارم رأسه ب لأ قاطعة بل كان قرار إنساني يا لورا.. أنتِ كان عندك اختيار، واخترتِ تكوني بني آدمة.
أكلنا ببطء، ورغم إني مكنتش حاسة بطعم الأكل من كتر المشاعر. حكالي عن سنين والدته الأخيرة، وإزاي كانت بتشيل فواتير البقالة القديمة عشان تسدها يوم من الأيام، وعن شغلها في مساعدة الستات الغلابة بعد ما تقاعدت.
وبعدين طلع من جيبه ظرف كريمي ووقفه على التربيزة الرسالة دي كتبتها ليكي بنفسها قبل ما تموت.
لمست الظرف بس مافتحتوش.
قال كارم عايزاكي تقرئيها الأول قبل ما أشرح لكِ بقية الموضوع.
سألته بقية الموضوع؟
قال نعم. نبرته الهادية خلت للكلمة وزن ثقيل.
حطيت الظرف في شنطتي وقلت هقرأها في البيت لوحدي.
قال طبعاً، براحتك.
لما وقفنا برة بعد العشاء، الجو كان سِقِع. مشى معايا لحد الرصيف عشان أركب عربيتي، وساب مسافة ذوق بيننا.
وقال أمي كانت بتقول إن الخير الهادي هو هندسة معمارية خفية؛ الناس بتبص على العمارة لما بتكبر وتطول، ومحدش بيفكر في السقالة اللي شالتها في الأول.
بصيت له وسألته هي طنط ميرفت بقت تتكلم بالحكمة دي؟
أجابني بدفء هي بقت الشخص اللي أنتِ ساعدتيها تفتكر إنها تقدر تكونه.
العربية جت. وطول الطريق للزمالك، رسالة ميرفت كانت في حجري. من 25 سنة، فتحت باب أوضة لست حذائها مبلول وإيدها بترتعش. والآن، ابنها فتحلي باب قدام ميتين واحد، وكان عندي إحساس إن مفيش حاجة من
متابعة القراءة