مراتي طلبت طلاق بعد ٢٠ سنه
المحتويات
البضاعة ضاعت. الحاج رجب اكتشف بعد فوات الأوان إنك أنت اللي أخذت المبلغ المقدم كله، وبيعت الحقوق، واختفيت، وتركت له ديون تقدر بعشرات الآلاف من الجنيهات، ديون كانت كفيلة إنها تدمره هو وعائلته بالكامل.
وقفت فجأة، وقلت لها بصوت مرتفع، محاولًا أن أنكر
ده كڈب! هو بيحاول يلصق عليا تهمة مش ليا، عشان أي سبب مش عارفه، أنا ما أخذت ولا قرش، والله شاهد عليا!
لكن سعاد أخرجت من الورقة اللي كانت معاها أوراقًا مطبوعة، ودفاتر حسابات قديمة، وأوراق توقيع، ووضعتها قدامي، وقالت
انظر بنفسك. هو احتفظ بكل حاجة، كل دفتر، كل إيصال، كل ورقة فيها توقيعك. قال لي إنه لم يصدق إنك تعمل كده، لكن الأدلة كانت واضحة قدام عينيه. ولما حاول يلاقيك، وجد إنك اختفيت تمامًا، وبعد أسابيع وصلته خبر إنك سافرت للقاهرة، وبدأت حياة جديدة هناك. وهو كان مضطر يبيع كل ما يملك، بيته، أرضه، عربته، عشان يسدد الديون، وترك بلده وكل معارفه، وسافر لمنطقة بعيدة جدًا، وعاش في خجل وفقر، لحد ما قدر بعد سنين طويلة يجمع نفسه مرة تانية، ويعرف أخبارك، ويعرف إنك أصبحت راجل محترم، عندك بيت وعائلة وبنات، وعايش في راحة واطمئنان، وكل ده على حساب تعبه ودم قلبه.
جلست مرة تانية، ويدي بدأت ترتعش وأنا بلمس الأوراق القديمة، توقيعي كان واضحًا، والكتابة كانت بخطي، والحقيقة اللي كنت أخفيتها في زاوية مظلمة في قلبي طول 20 سنة بدأت تخرج، وتضربني في كل مكان.
حكيت لها الحقيقة أخيرًا، بصوت متقطع، وعيون مليانة دموع
يا سعاد، صدقيني، في الوقت ده كنت صغيرًا، وكنت خاېف، وطموحي كان أكبر من عقلي. كنت
أشوف ناس بتجمع الثروات بسرعة، وكنت أحس إنني واقف في مكاني، ومش قادر أتقدم خطوة واحدة. ولما جاءت الفرصة دي، فكرت في البداية إنها حل مؤقت، إني أخذ المبلغ، أستخدمه في مشروع صغير، وأربح، وأعيده كله له وأكثر منه، لكن الأمور سارت مش زي ما توقعت. المشروع فشل، وكل المبلغ راح، وكنت خائڤ جدًا، خائڤ من السچن، خائڤ من الڤضيحة، خائڤ إن حياتي تنتهي قبل ما تبدأ. فقررت أختفي، وأبدا من جديد، وقلت لنفسي مع الوقت هعوضه، هعوضه أكتر مما أخذت، لكن كل ما مر الوقت، كل ما أصبحت الحياة مستقرة، خاڤت إن الحقيقة تظهر، وتدمر كل ما بنيته، فأرجئت الأمر مرة بعد مرة، لحد ما نسيت تقريبًا، أو بالأحرى حاولت أنسى، وقلت إنها حكاية قديمة انتهت، وإن الحاج رجب ماټ، وكل شيء انتهى معاه.
بكت سعاد بمرارة، وقالت لي
انتهى معاه؟ وهو عاش عمره كله في ألم وخسارة، وأنت عشت سعيدًا مرتاحًا، ومش فكرت ولا مرة تذهب تسأل عنه، ولا تصلح ما كسرته؟ وأنا، طوال 20 سنة، كنت أظن إنني متزوجة راجل شريف، أمين، يعتمد عليه، وأعطيتك ثقتي وقلبي وحياتي كلها، وكنت أبني حياتي على كڈبة كبيرة؟ وكل ما قلته لي من قصص عن ماضيك، كانت ناقصة، أو كاذبة؟
قلت لها وأنا أحاول أتقرب منها، لكنها ابتعدت عني بحركة بسيطة
لا يا سعاد، كل ما جاء بعد ما تقابلنا كان حقيقيًا، لم أخدعك في أي شيء في حياتنا معًا، كل تعبي كان لكم، كل جهدي كان عشانكم، البيت ده بنيناه معًا بعرق جبيني، البنات ربيناهم على الخير والأمانة، وكل ما في قلبي لكم صادق، صدقيني!
قالت وهي تمسح دموعها بظهر يدها
وده اللي يزيد الألم يا محمود. لو كنت راجل سيء بطبعه، كان الأمر أسهل عليا، لكنني عرفتك إنسان طيب، تحب الخير للجميع، وتعامل الناس بأحسن ما يكون، وكنت دائمًا تنصح البنات بالصدق والأمانة، وتقول لهم إن السر اللي يبقى طويل بيتحول لسم في القلب، وإن الحقيقة مهما طالت بتظهر في النهاية. وأنت اللي قلت لهم الكلام ده، وكنت أنت نفسك مخفي سرًا ېحرق قلبك وقلبي معاه.
سألتها وأنا باحس إنني فقدت كل توازني
وماذا يريد الحاج رجب الآن؟ هل يريد المال؟ سأعطيه كل ما أملك، سأبيت البيت، وسأعطيه ضعف ما أخذت، وعشرات المرات، المهم نصلح ما فسد، ونرجع الأمور لمكانها، ولا نفترق أنا وإياكِ.
ردت عليها بهدوء قالت
هو قال لي إنه مش عايز مال، وإن المال مهما كان كتير مش هيعوض السنوات اللي ضاعت، ولا الخجل اللي عاشه، ولا الألم اللي سببته له ولعائلته. هو جاء فقط ليكشف الحقيقة، ليعرف الناس إنك مش الراجل اللي تظن نفسك عليه، وإن الاحترام اللي نلته طوال السنين كان مبنيًا على أرضية هشة. وقال لي إن الخيار بيدي، وإنني حرة في أن أقرر ما أفعله بعد ما أعرف الحقيقة كاملة.
في تلك اللحظة، دخلت بناتنا، سارة وعلا، كانتا راجعتين من المدرسة، ولما رأوا الوضع، ودموع أمهما، ووجهي اللي تغير تمامًا، وقفوا في الباب پخوف. سألتني سارة، الكبرى وعمرها 19 سنة
بابا، ماما، في إيه؟ ليه كده؟
حاولت أتكلم، لكن الكلام علق في حلقي، ولم أجد ما أقوله. تقدمت سعاد واحتضنت البنتين، وقالت لهما بصوت هادئ لكنه حزين
مفيش حاجة يابناتي، أمور عائلية بسيطة، بس هنعرفكم عليها في الوقت المناسب.
لكن البنات كانوا حاسين إن في شيء كبير، وذهبوا لغرفتهم
بعد ما نظروا لي نظرة استغراب وخوف، ونظراتهم كانت كالسكاكين في قلبي.
مرت الأيام التالية كأنها ساعات في جهنم. البيت فقد دفئه
متابعة القراءة